صفقة القرن

صفقة القرن والعودة إلى المربع الأول ؟

لم تكن نتائج الإنتخابات الإسرائيلية مفاجئة في ظل هيمنة اليمين المتشدد القومي والديني في إسرائيل: الهيمنة التي من أبرز مظاهرها عودة نتانياهو لتشكيل الحكومة للمرة الخامسة. المنافس الرئيسي لحزب الليكود، حزب « أزرق أبيض » الحديث الولادة عشية الإنتخابات والذي حل في المرتبة الثانية هو بمثابة ائتلاف يميني لا يختلف مع الليكود في نظرته إلى النزاع العربي الاسرائيلي. فهناك شبه تطابق كلي في هذا الأمر. الخلاف مع الليكود يتعلق ببعض السياسات والخيارات الداخلية وبالموقف من نتانياهو بشكل خاص. كما أنه يتميز في أمور عقائدية سياسية مع اليمين الديني. ولكنه يتطابق في مواقفه مع اليمين القومي فيما يتعلق بالسياسات الإسرائيلية من القدس إلى الضفة الغربية إلى رفض الدولة الفلسطينية إلى ضم الجولان وهو إلى جانب الليكود في التأكيد على « يهودية الدولة » وعلى أن إسرائيل « دولة قومية للشعب اليهودي » وعلى ضرورة تكريس هذا الأمر. فالاثنان إلى جانب أحزاب اليمين الأخرى يستنسخان في الواقع نموذج نظام التمييز العنصري الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا لإقامته في إسرائيل الكبرى التي يتم العمل على تكريسها بدعم غير مشروط من الرئيس الأميركي في الطريق إلى إعلان صفقة القرن بعد شهر رمضان حسب تصريحات المسؤولين الأميركيين. جزء أساسي من التصويت لحزب « أزرق أبيض » كان تصويتاً عقابياً من جماعات اليمين ضد نتانياهو لإعتبارات لا علاقة لها بالسياسة الخارجية وتحديداً تجاه القضية الفلسطينية. يقول وزير الخارجية الأسبق شلومو بن عامي في تعليقه على الإنتخابات أنها كرّست موقع إسرائيل في مجموعة الدول التي تعرف بالدول « الديمقراطية غير الليبرالية » : دول تحكمها قوى باسم هويات متشددة وبخطاب شعبوي قائم على الخوف والتخويف من الآخر. الإنتخابات أيضاً كرّست إفلاس أو موت اليسار الإسرائيلي. فحزب العمل الذي حكم إسرائيل منذ نشأتها ولعقود من الزمن حظي بمقاعد ست فيما حزب ميرتيز اليساري المعروف نال مقاعد أربع فقط : إنه أيضاً التتويج لتكريس قانوني لنظام التمييز العنصري حيث أن حوالي عشرين بالمئة من المواطنين هم من الفلسطينيين.
تأتي نتائج الإنتخابات لتكرّس رسمياً سقوط خيار حلّ الدولتين الذي كان قد تآكل مع الوقت حسب البعض أو سقط كلياً كما رأى البعض الآخر: الخيار الذي إنطلق منذ عقود ثلاث من الزمن تقريباً غداة مؤتمر مدريد للسلام.
عشية إعلان صفقة القرن نسمع عن خطوطها العامة بشكل لاءات من مهندسي الخطة أميركياً. جاريد كوشنر يستخلص من المفاوضات في الماضي حول حل الدولتين أن هذه قد فشلت ويجب البحث عن وسائل جديدة للتوصل إلى السلام: فسلام على حل الدولتين بالنسبة لكوشنير. دايفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل يطمئن الأخيرة بالقول أنها ستبقي على السيطرة الأمنية على الضفة الغربية مع حكم ذاتي محدود للفلسطينيين. جيسون غرينبلات المبعوث الأمريكي للسلام يؤكد أن الخطة لا تتضمن ضمّ أراضٍ من سيناء إلى غزّة كما روّج البعض ولا تتضمن إقامة كونفدرالية تضمّ الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية ولن يكون الأردن وطناً بديلاً. وكذلك يؤكد أنه لا يمكن تناول مستقبل غزّة قبل إخراج حماس من الصورة.
إسرائيل تأتي إلى صفقة القرن وهي تحمل لاءات ثلاث غير قابلة للتفاوض : لا قضية لاجئين ولا قضية قدس ولا دولة فلسطينية. وبالطبع سيتم ضم الكتل والبؤر الإستيطانية وسيبقى وادي الأردن الحدود الشرقية لإسرائيل لأهميته الإستراتيجية الأمنية والإقتصادية : إنها « المنطقة ج » حسب تقسيمات إتفاق أوسلو والتي تضم حوالي 61% من أراضي الضفة الغربية.
وللتذكير فإن الإطار المرجعي لصفقة القرن لا علاقة له بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ولا بمبادئ وقواعد القانون الدولي بل هو ثمرة أفكار الرئيس الأمريكي والمحيطين به. ولا يجري التعامل مع المسألة بإعتبارها قضية شعب وهوية وطنية وتقرير مصير بل بمنطق تجاري تبادلي منفعي. ومن الطبيعي أن يكون هنالك رفض فلسطيني ومعه رفض عربي سيبقى خجولاً ورمادياً لعدم الصدام مع واشنطن وذلك لأسباب ستراتيجية إقليمية. رفض قد يؤدي إلى سقوط الصفقة عملياً دون الإعلان عن ذلك رسمياً مع توفير تغطية أميركية للخطوات اللاحقة التي ستتخذها إسرائيل في سياق إستكمال بناء إسرائيل الكبرى. إنها العودة إلى المربع الأول كما حذّر أكثر من متابع ومراقب. عودة ستكون لها موجات مختلفة من التداعيات التي ستتخطى الحيّز الفلسطيني لتطال المنطقة التي تعيش أساساً حالة من الفوضى والنزاعات والتوترات.
تداعيات لن تعالجها الإدانات الكلامية والصوت المرتفع طالما لا يوجد فعل عربي فلسطيني تعبّر عنه استراتيجية بديلة عن صفقة القرن بإتجاه تحقيق السلام الشامل حسب المرجعيات المعروفة والمتوافق عليها دولياً. فهل نحن بالفعل عشية العودة إلى المربع الأول ؟

د. ناصيف حتي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer