الإنتخابات
المركز الفلسطيني للإعلام

صفقة القرن و »نافذة » الإنتخابات الإسرائيلية القادمة

د. ناصيف حتي

هل أُجِل أم أُنقِذ الفشل في تشكيل الحكومة الإسرائيلية، الناتج عن الخلافات التي انفجرت بين أحزاب اليمين المتشدد من ديني وقومي والذهاب بالتالي إلى انتخابات جديدة في أيلول القادم، دخول العرب في النفق المسدود الذي اسمه صفقة القرن. المفارقة الكبرى أن هدف مواجهة إيران واحتواء نفوذها وتوسع هذا النفوذ في المنطقة الذي كان عاملاً أساسيًا إن لم يكن العامل الأول للقبول بصفقة القرن تحت عنوان تغير الأولويات عند الكثيرين من العرب، كان سيساهم وما زال الاحتمال قائمًا، إذا كان تأجيل الصفقة أو إلغاءها سيبقى سببه فقط الإنتخابات الإسرائيلية وليس موقفًا عربيًا مختلفًا، في خلق بيئة سياسية أمنية، من خلال زيادة حدة التوتر في المنطقة العربية، تخدم خطاب الرفض والراديكالية والمصالح الإيرانية، طالما أن المطروح في صفقة القرن لا يلاقي الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون أو أن « يغطيه » أي طرف عربي أو دولي بشكل فاعل. فمسار صفقة القرن معروف وقد لمح إلى ذلك وزير الخارجية الأميركية بقوله في جلسة مغلقة مع قيادات يهودية في الولايات المتحدة أن « الصفقة قد ترفض ». فالصفقة تشوه قضية هوية وطنية لتحولها إلى مشكلة تحسين وضع إقتصادي وهو أكثر من ضروري ولكنه ليس بديلاً عن حق التعبير الدولتي (قيام دولة مستقلة) لهوية وطنية مقموعة. فلا حل عادل وشرعي وبالتالي دائم وواقعي « لإقفال ملف » القضية الفلسطينية التي كانت مادة لقوى عديدة توظفها في صراعاتها دون « معالجة » فعلية وفاعلة لطبيعتها الحقيقية كقضية تحرير وطني.
صفقة القرن تقوم على معادلة بسيطة، عبر عنها بأشكال مختلفة « ثلاثي المبادرة » جاريد كوشنر وجايسون غرينيلات وديفيد فريدمان وهي معادلة يحكمها منطق تجاري عملي قوامه إسقاط قضية الهوية مقابل تخفيف ولوطفيف مع وعود كبيرة لاحقًا، في الوضع الإقتصادي المعيشي البائس للشعب الفلسطيني في إطار حكم ذاتي أقل بكثير من مفهوم الدولة بما تمثله من حقوق ووظائف وسمات سيادية. « ورشة العمل الإقتصادية » في المنامة التي يقاطعها الفلسطينيون والتي كان يفترض أن تشكل حسب مهندسي الصفقة محطة إنطلاق لصفقة القرن. وقد تعمل بعض الأطراف العربية الرسمية المشاركة، بشكل مباشر أو غير مباشر، والواقعة بين « مطرقة » القبول « وسندان » الرفض وتكلفة كل منهما أو بين إعطاء شك على بياض لواشنطن أو معارضتها في هذا الشأن، على بلورة « جزرة عربية » كما توصي بعض الأطراف المشاركة لتغيير الموقف الأمريكي وكذلك الإسرائيلي للعودة إلى سكة الحل السياسي حسب المرجعيات الدولية المعروفة وعبر إحياء طروحات شيمون بيريز في الماضي. بيريز كان قد طرح « البوابة الإقتصادية » كمدخل للحل السياسي. الحل الذي لم يكن هنالك إتفاقٌ حول طبيعته ولكنه كان بالنسبة لبيريز المدخل لقيام « شرق أوسط جديد ».
ولا بد من التذكير أن « فترة السماح » حتى أيلول المقبل لن تحل بالتأكيد أزمة تشكيل حكومة غداة إنتخابات اسرائيلية جديدة طالما أن الإنتخابات كما يقول أكثر من مراقب لن تغير إلا بشكل طفيف ودون تأثير أساسي بخريطة النتائج التي أفرزتها الإنتخابات الأخيرة: سيأتي اليمين المتشدد بأطرافه وخلافاته والتي قد ينجح أو لا بنجح في حلها لمحاولة تشكيل حكومة مرة أخرى.
أنها فرصة، وقد يقول البعض أن هذا يدخل فقط في باب التمني والشيء شبه المستحيل ولكن لا مستحيل في السياسة، لإعادة بلورة سياسة عربية عملية تقوم على مبادرة السلام العربية، مبادرة قمة بيروت، لأن هذا هو المدخل الواقعي الوحيد للإسهام في الإستقرار في شرق أوسط مشتعل وقابل للمزيد من الإشتعال عبر عناصر عديدة وراء ذلك، أو البقاء في موقف المتردد ورد الفعل والعودة إلى المربع الأول في الصراع: صراع الهويات الكلية في تعبيراتها الأصولية الرافضة في المبدأ للتسويات والقائمة على منطق إلغاء الأخر. صراع فرضته الأجندة الإسرائيلية والدعم الأمريكي غير المشروط والغياب العربي الساطع. صراع يأخذ المنطقة وشعوبها ودولها نحو المجهول.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer