عقد وطني للحوار من أجل المصالحة الشاملة لتتويج ثورة الحرية والكرامة

عقد وطني للحوار من أجل المصالحة الشاملة لتتويج ثورة الحرية والكرامة

0
PARTAGER

صالح الحامدي، كاتب دولة و سفير سابق

تشارف المرحلة الانتقالية في تونس عامها السابع بعد « ثورة » أو « انتفاضة » 17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011 في إطار ما سمي « بالربيع العربي » أو « الربيع التونسي » أو « ثورة الياسمين » – فلا تهم التسمية بقدر ما تهم النتيجة -وفي السياسة تكون « العبرة بالنتائج », وتوالت على السلطة خلال هاته الفترة ما لا يقل عن سبع حكومات أي بمعدل سنة لكل حكومة, ونجحت حكومة السيد الباجي قايد السبسي في تنظيم الانتخابات التأسيسية وتأمين انتقال السلطة بصورة سلمية في إطار مرحلة انتقالية لم تكن خالية من الصعوبات والتحديات خلال ولاية المجلس الوطني التأسيسي التي عرفت تجاذبات سياسية ساخنة وأحداث دموية بلغت أوجهاباغتيالين سياسيين خطيرين كادا أن يعصفا بالمسار الدستوري لو لا الحوار السياسي الذي التأم في إطارالرباعي الاجتماعي المدني بما آل إلى التوافق السياسي حول الدستور الجديد,ودخلت ظاهرة التطرف والإرهاب على الخط لتنال من الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد التي تكبدت ( ولا تزال ) تضحيات جسام في الأرواح وفي الموارد مع نجاحات تؤشر على التحكم في الأوضاع رغم استمرارية التهديدات الإرهابية المتأتية أساسا من المحيط الإقليمي, ولم تكن المرحلة خالية من الانزلاقات في المجال السياسي وفي مجال الحقوق والحريات وخاصة حرية التعبير وبصورة أخص على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وما أفرزه من احتجاجات واعتصامات على خلفية مطالب جهوية في علاقة بغاية التحكم في الموارد النفطية بمناطق الجنوب.
تشخيص سريع للوضع العام في البلاد:
في ظل النظام الانتخابي الساري منذ 2011 جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2014 بدون أن يتمكن أي حزب من الحصول على الأغلبية المطلقة وأفرزت النتائج استئثار حزبي حركة النداء وحركة النهضة المتنافسين في إطار الاستقطاب الثنائي على غالبية المقاعد في البرلمان وتم التوافق بينهما على تشكيل حكومة ائتلاف ضمت أحزابا أخرى فازت ضمن فسيفساء من الأحزاب الصغيرة المنتفعة بقاعدة « أكبر البقايا », وحصلت الحكومة على الثقة بأغلبية مريحة وساد الأمل في دخول البلاد مرحلة تجسيد الانتقال السياسي في إطار نظام يغلب عليه الطابع البرلماني بوعاء « الديمقراطية التوافقية الناشئة » وبسلطة تنفيذية برأسين وسلطة قضائية تتلمس طريقها للاستقلالية عبر هيئات دستورية مستقلة لم يكتمل تأسيسها لحد الآن, ولكن سرعان ما تبين أن نظام الحكم الذي أفرزه الدستور يعتمد أساسا على المحاصصة الحزبية فلا هو برلماني ولا هو رئاسي بالمفهوم المتعارف في القانون الدستوري ولم تعمر الحكومة المنبثقة عنه أكثر من سنة ونصف تقريبا وتم تعويضها بحكومة « الوحدة الوطنية » على أساس « وثيقة قرطاج » التي تمت بلورتها برعاية رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب باعتباره رئيسا لكل التونسيين وضامنا للدستور ولاستقرار البلاد.
وبحكم تركيبتها من الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج كانت حكومة الوحدة الوطنية بدورها حكومة أحزاب مدعومة بالمنظمات الاجتماعية ولم تكن في مأمن من تبعات المحاصصة الحزبية ولم تمض سنة حتى وجدت نفسها منغمسة في التجاذبات السياسية التي زادتها الضغوط الاجتماعية إرباكا من جراء تفاقم الاحتجاجات الجهوية على خلفية المطالبة بالتنمية والتشغيل ( وهي مطالب مشروعة ) إلى حد التلويح بتأميم الموارد الوطنية والتصرف فيها محليا في بعض الجهات مثل تطاوين وقبلي وذلك بدعم معلن وغير معلن من بعض الأطراف الحزبية والمنظمات الاجتماعية والمدنية,وبينما احتدمت الانقسامات داخل حزب النداء وكتلته النيابية وسجل انسحاب (معلن) من وثيقة قرطاج من طرف حزب الاتحاد الوطني الحر, وفيما انفصل حزب مشروع تونس بكتلة نيابية خرجت عن كتلة النداء واعتمد المنافسة المباشرة مع حركة النهضة, استمرت الضغوط الاجتماعية بما استوجب إجراء تحوير وزاري شمل وزارة الوظيفة العمومية ثم وزارتي المالية والتربية, وفيما أضحى المناخ السياسي والاجتماعي متوترا في منحى يؤشر إلى ما يشبه محاولة « ابتزاز » سياسي من خلال الضغط من أجل إجراء تحوير وزاري جاءت مبادرة رئيس الحكومة بتفعيل خطته لمحاربة الفساد بالاعتماد على قانون الطوارئ الساري منذ فترة وتم إيقاف بعض رؤوس الفساد ووضعهم تحت الإقامة الجبرية قبل إحالتهم على القضاء, وحظيت المبادرة بتأييد واسع داخل المشهد السياسي مع بعض الاحترازات المقنعة تحت الاعتبارات القانونية والحقوقية وضرورة التعامل بالشفافية اللازمة في معالجة الملفات وتجنب الانتقائية, وهو ما يستدعي التسلح بالشجاعة السياسية والترفع عن الخلافات السياسية والتحلي بالنزاهة الأدبية في ضبط ملفات الفساد المالي, وعلى الرغم من تأكيدات رئيس الحكومة على المضي قدما في تنفيذ خطته لمحاربة منظومة الفساد بكل شفافية وموضوعية وباعتماد القانون واللجوء إلى القضاء تواصلت التجاذبات حول سبل معالجة الظاهرة وربطها بضرورة التحوير الوزاري على خلفية « اتهام » بعض الوزراء بالضلوع في الفساد, وبلغ التوتر أوجه على خلفية مناقشة مشروع قانون في البرلمان حول قرض مخصص لدعم الميزانية بتلويح بعض النواب باتهام الحكومة بالفساد في التصرف في المديونية ما اضطر وزير المالية بالنيابة إلى الكشف عن عجز مرتقب في الميزانية لصرف رواتب الموظفين لشهري أوت وسبتمبر إذا لم يتم اللجوء إلى الاقتراض, فكانت الحقيقة المرة حول واقع المالية العمومية بلغة الأرقام التي لا ترحم وبصراحة وصدق التكنوقراط التي لا تروق لبعض السياسيين الذين يفضلون الحديث عن « ربع الكأس الملآن » لاعتبارات سياسوية, ولكن كلام وزير المالية كشف عن الأزمة العميقة في المالية العمومية في صلة بشح الموارد الوطنية واستمرار ارتفاع نسبة المديونية إلى أكثر من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بما انعكس بصورة خطيرة على التوازنات الخارجية في ظل انهيار متواصل لقيمة الدينار وارتفاع قياسي للعجز التجاري بلغ ما يزيد عن 8,6 مليار دينار خلال السداسية الأولى من السنة أي بزيادة ما لا يقل عن 25 في المائة عن نفس الفترة من سنة 2016, وفي نفس السياق أعلن عن أن نسبة النمو بلغت 1,9 بالمائة في السداسي الأول لسنة 2017 مع نسبة بطالة ب 15,3 في المائة ونسبة تطور في الاستثمارات الخارجية المباشرة ب 1,8 بالمائة فيما نزل منسوب الاحتياطي بالعملة إلى أدنى مستوى في حدود 90 يوما من التوريد ,وهي مؤشرات ضعيفة لا تفي بمتطلبات المرحلة, في وقت اضطر فيه وزير الاستثمار والتعاون الدولي ووزير المالية بالنيابة لتقديم استقالته من الحكومة حتى لا يضع نفسه ولا يضع الحكومة في حالة ما يسمى ب « تضارب المصالح » على خلفية قضية قديمة هو طرفا فيها عندما كان مسؤولا على رأس شركة خاصة تنشط في مجال الوساطة المالية في البورصة, وهو ما زاد من الضغط في اتجاه التسريع بالتحوير الوزاري الذي أصبح محل سجال سياسي من أجل تقاسم المناصب الوزارية بما قد لا يؤدي بالضرورة إلى حلول مرضية للأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد لأن الأمر في النهاية لا يتعلق بأزمة حكم بقدر ما يؤشر إلى أزمة دولة في العمق خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
استمرار التحديات وبوادر حملة انتخابية مبكرة:
وفيما أضحى موعد الانتخابات البلدية المعلن بتاريخ 17 ديسمبر 2017 ( في ظل إحجام حوالي 3 ملايين مواطن عن التسجيل في القائمات الانتخابية مع عزوف واضح للشباب من فئة 18-21 سنة التي كانت نسبة تسجيلهم دون 4 في المائة ) محل خلاف بين الفرقاء في المشهد الحزبي في غياب مجلة جديدة للجماعات العمومية تكرس منحى « الحكم المحلي » كما نوه إليه الدستور, فضلا عن التحدي المتمثل في عدم توفر الموارد المالية الكافية لتمويل موازين البلديات بصورة تؤمن استقلالها المالي, بينما دخلت بعض الأحزاب المؤيدة في مرحلة الإعداد للموعد الانتخابي وحتى في حملة مبكرة للانتخابات باعتبارها ستعد للموعد الانتخابي الرئاسي والنيابي لسنة 2019 الذي بدأ يستقطب اهتمام بعض الأطراف إلى حد المطالبة بعدم ترشح رئيس الحكومة لرئاسيات 2019 طالما يضطلع بمسؤوليات رئاسة الحكومة, وإذ يبدو الأمر عاديا من حيث المبدأ فإن طريقة الإفصاح عنه واختيار التوقيت فتحا الباب للتأويلات والتعليقات فضلا عن الإحراج الذي قد يكون نال رئيس الحكومة الذي يبدو أنه لا ينوي الترشح للرئاسية المقبلة وهو موقف سليم يحسب له في سعيه لإخراج البلاد من الوضع الاقتصادي والمالي المتردي الذي تمر به, وفي كل الأحوال طرح موضوع الترشح للانتخابات الرئاسية على الطاولة قبل موعده بعامين في مناخ من المنافسة السياسية غير المنظمة بما يؤشر لضعف منسوب الثقة بين الفرقاء السياسيين,وفي تفاعل سلبي مع الحديث عن ضرورة عقد حوار وطني اقتصادي واجتماعي للتوافق حول سبل معالجة الأوضاع الاقتصادية الراهنة جاء إعلان اتحاد الشغل عن رفضه لأي حوار اقتصادي مشككا في صحة ما ذهب إليه وزير المالية بالنيابة (المستقيل) حول عجز الميزانية معتبرا ذلك من باب « المراهقة السياسية »ومعلنا تمسكه بالاتفاقات الموقعة حول الزيادة في الأجور ومتمسكا بمجلس الحوار الاجتماعي كإطار للحوار بين الحكومة والمنظمات الاجتماعية يبدو أنه لا يكرس التعددية الاجتماعية والاقتصادية والمدنية فضلا عن الجوانب التربوية والثقافية والصحية.
وفي هذه الظروف الصعبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا جاء إعلان رئيس الجمهورية يوم عيد المرأة عن فتح باب الحوار حول ملفات حساسة عقائديا واجتماعيا تتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث وبزواج المسلمة بغير المسلم وكان يحسب أنها مفصولة شرعيا ووضعيا من زمان, وإن كان من حق رئيس الدولة الدعوة لمثل هكذا حوارللاستنارة بآراء أهل الذكر قبل النظر فيه ضمن الأطر السياسية الشرعية وإذ لا إشكال في تكريس الإصلاحات وتوخي الاجتهاد من أجل البحث في دعم الحقوق الشرعية للمرأة في اتجاه مزيد من المساواة مع الرجل فقد أكد على ضرورة اعتبار الطبيعة الإسلامية للمجتمع-وهو المؤتمن على الدستور- ولا شك في أنه سيكون حريصا على احترام النصوص القطعية والثوابت المجمع عليها في العقيدة والشريعة الإسلامية مع الاستئناس بمقاصد الشريعة وتشريك أهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم الكفاءة والتمكن من العلوم الشرعية,وفي قراءة سياسية لما طرحه رئيس الجمهورية في هذا الظرف بالذات يبدو أن الطرح لا يخلو من اعتبارات سياسية في علاقة بالتصريحات الأخيرة حول المواعيد الانتخابية بما قد يؤدي إلى إعادة خلط للأوراق من خلال الـتأكيد من جديد على « مدنية الدولة » والحداثة والعصرنة كبرنامج سياسي قد يعود بنا إلى مربع الاستقطاب مع ما يسمى بالإسلام السياسي على الرغم مما يروج له من « تحول استراتيجي » صلب حركة النهضة بإعلانها التخلي عن مفهوم « الإسلام السياسي » وتعويضه بمفاهيم جديدة مثل « الإسلام الديمقراطي » في رسالة تهدئة سياسية, وقد يضطر الصقور من داخلها إلى المناورة واعتماد الواقعية السياسية, وربما يهدأ « هدير » المتشددين والمتطرفين الإسلاميين فتغيب شعارات « الديمقراطية كفر » و « المساواة كفر » احتسابا للتطورات الحاصلة على الساحة الدولية في علاقة بما يسمى بالإسلام « الراديكالي », ثم قد يعود التوافق من جديد في إطار ما يسمى « الديمقراطية التوافقية » لمواصلة إدارة دفة الحكم في المرحلة المقبلة على النمط الحالي الذي آل حسب بعض التقييمات إلى تأرجح بين ما يعتبر « نجاحا سياسيا » في تكريس الديمقراطية وما يعتبر « فشلا اقتصاديا واجتماعيا » في تأمين المسار التنموي بما يؤشر إلى ما يشبه « شللا نصفيا » في جسم الدولة, والخطر لا قدر الله أن ينتهي النصف المشلول إلى جر النصف الآخر إلى الأسوأ في غياب التلازم بين المسارين السياسي والاقتصاديإذا لم يتم الاتفاق على بلورة برنامج إصلاحي شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيالتأمين المستقبل الأفضل للبلاد.
خارطة طريق للحوار الوطني من أجل الإصلاحات الشاملة:
التشخيص قد لا يكون شاملا لكل جوانب الوضع السائد في البلاد ولكنه يلتزم الموضوعية والنزاهة الأدبية في التوصيف بواعز المواطنة الصادقة التي تفرض الجهر بالحقيقة ولو كانت مرة والإصداع بالرأي ولو كان قاسيا بهدف المساهمة المتواضعة في الدفع نحو الأفضل في إطار الجهد الجماعي لإخراج البلاد من الأوضاع غير المرضية سياسيا والمتردية اقتصاديا واجتماعيا, فبعد حوالي سبع سنوات استغرقتها المرحلة الانتقالية يبدو أن أوضاع المجتمع لم تستقم لحد اليوم كما يجب ولم تستقر الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولم ترسخ عقلية المواطنة لدى الجميع بالقدر الكافي ولكن الوضع العام في البلاد لم يخرج عن السيطرة وهو ما يمثل في حد ذاته « استثناء » في المنطقة العربية في إطار ما سمي بثورات « الربيع العربي », غير أن التجاذبات السياسية والتحديات الاقتصادية والمالية والضغوطات الاجتماعية والاعتصامات لا تزال تلقي بثقلها وبتعقيداتها على الساحة الوطنية ما جعل البلاد تعيش في حالة من « الترقب السياسي » الذي لا يبعث على الاطمئنان التام على مسار الانتقال الديمقراطيفي ظرف تردت فيه الأوضاع الاقتصادية والمالية بما قد يهدد الاستقرار الوطني ويمس من استقلالية القرار الوطني, وفيما أصدرت مؤخرا وكالة « مووديز » تقييما يقضي بتخفيض تصنيف تونس الائتماني إلى « ب1 » (بآفاق سلبية)ستواصل الحكومة بعد التعديل الوزاري عملها بالتركيز على تفعيل بعض الإصلاحات الجارية على مستوى المالية العمومية والصناديق الاجتماعية وعلى ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لترشيد التوريد ومعالجة وضعية الدينار للحد من انزلاق التوازنات المالية الخارجية وتفعيل آليات التجارة الخارجية لمرافقة المؤسسات الاقتصادية في سعيها للتطور باتجاه مزيد من الأسواق الخارجية دفعا للتصديرإلى جانب مكافحة الفساد المالي إداريا وقضائيا وملازمة اليقظة التامة في مواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة, ولكنمع ذلك كل المؤشرات تدفع في اتجاه الإسراع في عقد حوار وطني واسع في غضون الأسابيع المقبلة من أجل التوافق على تفاهمات سياسية وعلى خطة إنقاذ اقتصادي على أرضية من الإصلاحات الشاملة التي تمهد لمرحلة ما بعد 2019في إطار نظام حكم يؤمن النجاعة والاستقرار السياسي في دواليب الدولة ويستجيب لاستحقاقات مرحلة البناءالاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط والبعيد.
والجهة المخولة سياسيا لاحتضان هكذا مبادرة هو بالطبع السيد رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور والضامن لوحدة البلاد ولاستقرارها باعتباره رئيسا لكل التونسيين وسيحسب له تبني الحوار الوطني بتشريك كل أطياف الشعب التونسي بدون تهميش ولا إقصاء كتتويج لثورة الحرية والكرامة في كنف مصالحة شاملة وإجماع وطني ملزمين لكل الأطراف حول نمط مجتمعي ومنوال تنمية اندماجي يضع البلاد في مسارها الصحيح ما بعد 2019 سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
من ناحية المضمون يركز الحوار الوطني على جملة من الأولويات ضمن المشاغل الأساسية الطاغية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة خلال الفترة الحالية وسبل معالجتها بالتوافق بعد الحوار الحر والنقاش مع الاستئناس بمقترحات الخبراء والمختصين بصرف النظر عن توجهاتهم وانتماءاتهم, وعلى سبيل الذكر لا الحصر يمكن أن يشمل الحوار جملة من الإصلاحات الأساسية على المستوى السياسي وعلى الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي ضمن الاهتمامات التالية :
سياسيا :
° الدفع باتجاه مصالحة سياسية شاملة على أرضية من التسامح والتجاوز عن الأخطاء السياسية والمسؤوليات الأخلاقية التي يكون جزاؤها سياسيا بعد التعبير الإرادي عن النقد الذاتي وذلك تتويجا لمسار ثورة الحرية والكرامة « بتوليفة تونسية »تكريسا للاستثناء التونسي وبما لا يتنافى مع ترك القضايا ذات الحساسية العالية مثل الاغتيالات السياسية وتسفير الإرهابيين لبؤر التوتروالمسؤوليات الجزائية الأخرى بيد القضاء المستقل والعادل في إطار القانون والشفافية مع الإبقاء على باب المصالحة بين المتقاضين مفتوحا حسب إرادتهم, على أن يشمل هذا المنحى مسار العدالة الانتقالية وقد شارف على نهاية الفترة المخولة له قانونيا دون البت في آلاف الملفاتوالاكتفاء بالشهادات والملفات التي تمت مباشرتها كنماذج تأخذ مجراها العادي بإرادة المعنيين وتعتمد في تقديم التقرير الختامي لمسار العدالة الانتقالية من طرف هيئة الحقيقة والكرامة, وتحال بقية الملفات على المصالحة السياسية أو على القضاء برغبة أصحابها,وتترك الملفات ذات الصبغة الاقتصادية تحت أنظار اللجنة المختصة مع التسريع في حسمها بترتيبات ماليةفي إطار إجراءات المصالحة العادية المعمول بها في المخالفات الاقتصادية مع مصالح الجباية والديوانة والصرف طبقا للقوانين السارية, بينما تحال الملفات المعقدة منها على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لتأخذ مجراها القانوني.
° إعداد مبادرة لتحوير الدستور في اتجاه بلورة نظام حكم قد يكون رئاسيا مع ضوابط تؤمن المسار الديمقراطي وتقطع مع الاستبدادوالدكتاتورية, ويكرس الاستقرار السياسي ومدنية الدولة وهيبتها في إطار دولة القانون والمؤسسات الضامنة للحقوق والحريات العامة والفردية في إطار الدستور والقانون, مع ضمان الفصل بين السلط وتأمين التكامل بينها في إطار الدستور وتأمين استقلالية الهيئات الدستورية, ومن انعكاسات مثل هكذا مبادرة تكريس النهج الديمقراطي الصحيح من خلال فرض نفوذ الدولة عبر حسن سير المؤسسات الدستورية التمثيلية واستقلالية القضاء وحزم الهياكل الإدارية بما يؤمن التحكم في « ديمقراطية الشارع » ولا يفقد ثقة الشعب في المؤسسات الرسمية حتى لا ينجر إلى سلوكيات غير مسؤولة بممارسة العنف ضد الدولة.
° التسريع في إصدار مجلة الجماعات العمومية لتكريس اللامركزية والديمقراطية المحلية كإطار لممارسة « الحكم المحلي » كما نوه إليه الدستور مع التنصيص على الضوابط القانونية التي تؤمن وحدة الدولة وتضمن العلاقة السليمة بين المركزي والمحلي في إطار الاستقلالية الإدارية والمالية للجماعات المحلية بتوفير الموارد البشرية والمالية الضرورية لتمكين البلديات في حجمها الجديد من أداء وظائفها.
°تحوير المجلة الانتخابية في اتجاه تبني نظام انتخابي بالأغلبية وبالقائمات يؤمن الاستقرار السياسي والتداول السلمي على السلطة صلب أغلبية حاكمة ومعارضة مسؤولة في إطار من الديمقراطية التشاركية, مع النظر في إمكانية ضبط الحد الأدنى والحد الأقصى في عمر المترشحين للرئاسة والإبقاء على تحديد المدة الرئاسية بولايتين وعلى التزامن بين الرئاسي والبرلماني في دورة واحدة اختصارا في الوقت واقتصادا في النفقات.
° تقييم المشهد الإعلامي وتحسين تأطيره القانوني لتكريس الحرية المسؤولة وترشيد حرية التعبير والصحافة في حالات ووضعيات لها صلة بتحقيق مصلحة مشروعة كحفظ النظام العام وحماية الأمن والدفاع الوطنيين واحترام حقوق وكرامة الآخرين.
برنامج إصلاحي سياسي يكون رافعا لمصالحة شاملة في كنف الوحدة الوطنية كفيلة بتأمين المناخ الملائم لمعالجة سلمية للتحديات التي تواجه المجتمععلى مستوى « هشاشة » النظام السياسي والنسيج الاجتماعي وانخرام التوازن بين أقاليم البلاد واستمرار التهديدات الإرهابية ومظاهر الجريمة المنظمة في محيط جيوسياسي غير مستقر ولا يزال يؤشر لمخاطر كبرى في جوارنا المباشر على مستوى المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل الصحراوي لا يمكن مواجهتها إلا بالوحدة الوطنية.
اقتصاديا واجتماعيا:
° أولوية الأولويات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي تتمثل في تبني خطة للإنقاذ الاقتصادي على مدى السنتين المقبلتين لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في عجز المالية العمومية واستفحال انخرام التوازنات المالية الخارجية من جراء ضعف الصادرات وتزايد الواردات وانهيار قيمة الدينار بما أدى إلى ارتفاع قياسي في عجز الميزان التجاري وأثر سلبا في العجز الجاري فيما تفاقم حجم الدين الخارجي بما يزيد عن 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ونزل منسوب الاحتياطي من العملة لأدنى مستوى له في حدود 90 يوما من الواردات, فضلا عن تعطل عجلة النمو من جراء تراجع الانتاج وضعف الاستثمار بما انعكس سلبا على التشغيل وعلى نسبة التضخم والمقدرة الشرائية للمواطن وعلى منظومة الدعم, وتتضمن الخطة حزمة من الإصلاحات الهيكلية المتأكدة التي يمكن تفعيلها على مدى السنتين المقبلتين تمهيدا للإعداد لآفاق تنموية على مدى العشرية 2020-2030 في إطار مخططين خماسيين على ضوء منوال تنمية اندماجي وشامل متفق عليه مع تكثيف الدراسات الاستراتيجية الاستشرافية لما بعد آفاق 2030.
° المدخل الاستراتيجي لمعالجة الوضع يتمثل في دفع عجلة التنمية من خلال تكريس قيمة العمل واعتبار معايير العمل وجودة العمل وإنسانية العمل في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية للتونسيينولدى كافة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بالتزامهم بالسلم الاجتماعية واستقرار العلاقات الشغلية والمثابرة من أجل الاستغلال الأفضل لطاقات الانتاج القائمة بهدف الزيادة في الانتاج والرفع في الانتاجية وتحسين تنافسية المؤسسات لدعمها في توسيع أنشطتها باتجاه مزيد من الأسواق الخارجية,وذلك إلى جانب تحسين مناخ المال والأعمال لدفع الاستثمار الداخلي والخارجي بما في ذلك الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سبيل إحداث مواطن الشغل والحد من البطالة وبغاية خلق الثروة والنهوض بالصادرات بما يسهم في المعالجة الهيكلية لإنخرام التوازنات المالية الخارجية, ويدخل في نفس السياق بذل جهد خاص لمعالجة ظاهرة التجارة الموازية باتخاذ إجراءات استثنائية جبائية وغيرها بما في ذلك الإجراءات الصلحية لتشجيع جزء هام من المتعاملين على الاندماج في الاقتصاد المنظم.
° تناول سبل معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يمر عبر طرح الإشكالات من خلال التشخيص الموضوعي من طرف الخبراء والمختصين بعيدا عن الإيديولوجيات وتقديم الحلول التقنية الناجعة للنقاش والتوافق في شأنها بكل مسؤولية وواقعيةدون الدخول في تجاذبات حول تحميل طرف دون آخر مسؤولية الإخفاق لأن ذلك سيؤدي حتما إلى الانفعالات السياسوية وقد يكون من الأفضل التجاوز عنه واعتبار المسؤولية السياسية جماعية في إطار منحى المصالحة السياسية الشاملة, وإذا ما تم التوفق إلى المعالجة الصحيحة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فستكون الانعكاسات إيجابية على المدى القريب والمتوسط في علاقة بإرساء عدالة حقيقية في توزيع الثروة من خلال تفعيل التنمية المتوازنة ببعدها الوطني والجهوي والنهوض بالتشغيل وتكريس العدالة الجبائية وكذا تعديل مسالك التوزيع واستقرار الأسعار والتحكم في نسبة التضخم ورفع القدرة الشرائية للمستهلكين وتحسين ظروفهم المعيشية من خلال ترشيد منظومة الدعم وتوجيهه لمستحقيه وإصلاح أنظمة الرعاية الصحية والتكافل والحيطة الاجتماعية.
°° أخيرا وليس آخرا وغير بعيد عن المد الإصلاحي المأمول تبقى مسألة الإصلاح التربوي بأبعاده الثلاثة ( الأساسي والثانوي والعالي والمهني ) من أكبر الأولويات لتأمين تكوين أجيال ونخب تمتاز بالتربية والثقافة والمعرفة الواسعة مع الذكاء الذهني والكفاءة العالية المؤهلة للشغل ولمجابهة تحديات العصر وإدخال تونس في مسار التقدم والرقي بلا رجعة ولا انتكاس حتى نقطع دابر الجهل وما يجلبه للمجتمع من إحساس بالخوف قد ينجر عنه شعور بالحقد الذي يؤدي إلى العنف ( اقتباس من الفيلسوف ابن رشد ), الأمر الذي يتحتم معه الدفع عبر الإصلاح التربوي في اتجاه نشر تربية وثقافة السلام والوئام والتسامح والانسانية لدى الناشئة لأن التربية الصحيحة هي بمثابة « أقوى سلاح يمكن باستعماله تغيير العالم » ( والكلام لماندلا ).
ومن الناحية المنهجية يمكن أن يلتئم الحوار على شكل « عقد » أو مؤتمر وطني بورشتين مفتوحتين تهتم الأولى بالحوار السياسي والثانية بالحوار الاقتصادي والاجتماعي, على أن يقع التمهيد لهما بعقد حلقات تفكير تضم الخبراء والكفاءات المتخصصة وتصاغ مخرجاتها في شكل مقترحات في مختلف الإصلاحات ترفع للجلسات العامة للمؤتمر بجزأيه السياسي والاقتصادي-الاجتماعي, وبعد البت فيها في نقاشات عامة تحال على لجنة صياغة تعرضها بدورها في شكل بيان عام مشفوع بملحقات حول الإصلاحات المعتمدة على الجلسة العامة للمؤتمر الوطني لاعتماد مخرجات الحوار الوطني بالتوافق في إطار « ميثاق وطني من أجل المصالحة الشاملة » يكون ملزما لكل الأطراف المشاركة في الحوار وللحكومة والبرلمان.
الحوار الوطني للخروج من الأوضاع الحالية غير المرضية للبلاد نحو الأفضل يرتقي إلى منزلة الضرورة الوطنية المؤكدة أكثر من أي وقت مضى ويبدو في المتناول إذا توفرت الإرادة السياسية للإقدام على ذلك في كنف المصالحة الشاملة من أجل الوحدة الوطنية والأمل في المستقبل الأفضل بتأمين رغد العيش لكافة أطياف المجتمع ولو « برغيف الخبز قبل أن نضطر لأكل البريوش ! » كما قال بعضهم.
والله نسأل أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين وأن يوفقنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
صالح الحامدي
كاتب دولة و سفير سابق

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire