البرلمان التونسي

فرنسا أو « قوة التوازن »: هل من دور جديد

تنشط الديبلوماسية الفرنسية كوسيط في ملف العلاقات الصدامية الأميركية الإيرانية المتصاعدة وهو أكثر الملفات سخونة وتعقيدًا في منطقة الشرق الأوسط من حيث تداعياته المباشرة واللاحقة فيما لو لم يتم التعامل معه بنجاح: سياسة أميركية قائمة على أقصى درجات الضغوط مع الإستعداد للتفاوض إلى جانب هذه الضغوط، ورفض إيراني للتفاوض ما لم تعد واشنطن إلى احترام تعهداتها بموجب الإتفاق النووي المعروف باتفاق خمس زائد واحد.
أمام هذه الضغوط وسياسة العقوبات الأميركية، بدأت إيران بخطوات الخروج التدرجي من التزاماتها بموجب الإتفاق النووي. فرنسا تحاول وقف التصعيد الأميركي مقابل عودة إيران إلى التزاماتها والعمل على منح إيران “هدية تشجيعية” لذلك قوامها خط إئتمان مالي لم تنجح حتى الآن في اعتماده. الإستراتيجية الفرنسية التي تعترف بأنها لم تحدث إختراقًا حتى الآن لكنها لم تفشل كليًا، تحاول إيجاد مخرج لكل طرف حتى لا يبدو كأنه قام بتنازل قاس أمام الآخر. تعمل فرنسا على ترتيب لقاء قمة بين الرئيسين ترامب وروحاني على هامش الدوره المقبلة للجمعية العمومية للأمم المتحدة لتأمين الإختراق المطلوب. صحيح أن كل من الطرفين لا يريد الحرب، لكن إستمرار التوتر يدفع ويشجع على الحروب بالوكالة المنتشرة ويزيد الحرائق في بؤر الصراع في الشرق الأوسط. إن النجاح الفرنسي، فيما لو حصل، سيعني تخطي الموضوع النووي على رغم أهميته الإستراتيجية، كموضوع أساسي للخلاف، لينعكس إيجاباً أيضًا على الصراع بين الطرفين في النقاط الساخنة الأخرى بين حلفائهما، الأمر الذي سيسهل الولوج الى التفاوض في هذه النقاط الممتدة من اليمن إلى سوريا.
اقالة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون تحمل مؤشرًا لابتعاد ترامب عن شعارات يولتون بضرورة تغيير النظام في إيران. ويعتبره البعض أمرًا مشجعًا لحصول مرونةٍ أميركية أكثر من ضرورية.
الديبلوماسية الفرنسية أيضًا ذهبت في اتجاه موسكو من خلال إحياء صيغة 2 زائد 2 المتوقفة منذ سبع سنوات، وهي صيغة اللقاء التشاوري بين وزيري الخارجية والدفاع للبلدين، وقد عقد الإجتماع المعني يوم الإثنين في التاسع من هذا الشهر والهدف تعزيز وتعميق التشاور والتعاون في القضايا الرئيسية على الصعيد العالمي بين الطرفين. القمة الفرنسية الروسية نهاية الشهر الماضي هيأت الأرضية لعقد هذا اللقاء ولفتح صفحة جديدة من العلاقات مع موسكو واحتواء التوتر مع بروز فرصة لحل “النزاع الأوكراني الروسي” الذي كان يسمم الأجواء الأوروبية الروسية.
هذه المبادرات الفرنسية عكست الرؤية التي قدمها الرئيس الفرنسي في خطابه في 27 آب أمام السفراء الفرنسيين وهو الخطاب التقليدي الذي يلقيه الرئيس سنويًّا في هذا اللقاء. الرئيس الفرنسي قدم تعريفًا لما يجب أن تكون عليه سياسة بلاده ورؤية للتحديات العالمية والغربية التي يجب التعامل معها. يرى ماكرون أن على فرنسا أن تكون قوة توازن تقوم بدور ناشط في الأزمات الكبرى وفي النزاعات، ويعتبر أن النظام العالمي في تركيبته وفي سماته قد تغير كليًا وأننا أمام ثنائية قطبية تتبلور في العالم وتضم الولايات المتحدة والصين الشعبية. ويرى أنه خطأ استراتيجي كبير دفع روسيا بعيدًا عن أوروبا. ويدعو الى بناء هيكل أمني في أوروبا واشاعة مناخ من الثقة، وتندرج في هذا الهدف المطلوب علاقات تعاون مع روسيا. ماكرون يطرح تعزيز الإتحاد الأوروبي وبلورة “سيادة أوروبية” وهو تحد كبير في مرحلة إنتشار الأزمات في أوروبا وحالات الضعف والإرتباك التي تواجه مسار البناء الأوروبي، يدعو لبلورة سيادة أوروبية في مجالات عديدة في لحظة إنتشار التيارات الشعبوية التي تعتبر أن عدوها الرئيسي ومصدر المشاكل التي تواجهها دولها يكمن في العمل الأوروبي المشترك.
الرئيس الفرنسي يعتبر أن المعالجة الناجحة للتحديات الوطنية يستدعي تعزيز التعاون الأوروبي وبلورة أدوار ومهمات جديدة للإتحاد الأوروبي، ويمثل ذلك تحديًا كبيرًا في لحظة تشهد فيها فرنسا أزمة إقتصادية إجتماعيّة مزدوجة في البيت الوطني وكذلك في البيت الأوروبي
يعتبر ماكرون أنه لا يجب أن تكون فرنسا منحازة الى أحد على رغم أنها عضو في الأسرة الغربية ويشير إلى وجود إختلاف في القيم والأولويات ضمن الحلف الغربي بين الولايات المتحدة من جهة وأوروبا من جهة أخرى على رغم الإنتماء إلى المعسكر الواحد. المثير للإهتمام أيضًا في رؤية الرئيس الفرنسي أنه دعا الى حوار شامل مع الضفة الجنوبية للمتوسط: حوار يتناول التحديات المشتركة، وما أكثرها، وبالتالي بلورة شراكة جديدة مع المتوسط ومع افريقيا.
قد يقول البعض إنها مجرد عناوين وتمنيات ولكن لا يمكن بأي حال البحث في بلورة استراتيجية دولية جديدة وفاعلة في عالم مليء بالتحديات إذا لم تكن هنالك رؤيا واضحة وشاملة ومعها إرادة حازمة للإنخراط بشكل مختلف وناشط في التعامل مع هذه التحديات. فهل تنجح فرنسا في بلورة استراتيجية ناشطة وطنية وأخرى أوروبية على الصعيدين الأقليمي والدولي للتعامل بفاعلية مع هذه التحديات الجديدة والمتجددة والتي تتطلب أعلى درجات التضامن والتعاون بين القوى المعنية كافة؟ هذا هو السؤال. إنها سباحة عكس التيار كما يرى البعض ولكنها تبقى ضرورية لمنع الغرق كما يطرح الرئيس الفرنسي.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer