الحُكم المحلّي

في الحُكم المحلّي : النظري والتطبيقي

عبد الوهاب الجمل، والي و سفير سابقًا 

خصَّصَ الدستور التونسي الجديد الصادر في 27 جانفي 2014 بابًا كاملاً من أبوابه للسلطة المحلّية، ما يعني أنَّ المُشرِّع التونسي ما بعد 14 جانفي 2011 اعتبر أنَّ هذا « الإصلاح » هو من أهمّ أركان النظام السياسي الجديد الذي تمَّ تركيزُه منذُئذٍ، وأنَّ إفرادَ « الحكم المحلّي » بباب كامل من الدستور، على غرار السلطات الثلاث التقليدية – التنفيذية والتشريعية والقضائية -، له دلالة رمزية تتمثَّل في منح السلطة المحلّية – التي تُصبحُ الرابعة في ترسانة السلطات الدستورية – قوة قانونية وأدبية صريحة وغير مسبوقة في البلاد.

و تجدُرُ الإشارة بدايةً إلى أنَّ المُشرِّع لم يعتمد مصطلح « الحُكم المحلّي المُتداول اليوم للحديث عن الإصلاح الجديد، لا في نص الدستور ولا في مجلة الجماعات المحلية، كما أنَّه اكتفى باستعمال مصطلح « السلطة المحلّية » مرَّتين فقط في نصّ الدستور (في عنوان الباب السابع وفي الفصل الأوّل منه، الفصل 131) ومرّة واحدة في المجلّة (في فصلها الأوّل)، و باعتماد عبارة « الشأن المحلّي » سوى في موضِعٍ واحد في الدستور وفي موضِعين اثنين في المجلَّة، على أنَّه استعمل مصطلحَي « اللامركزية » و « الجماعات المحلِّية » في أكثر من مناسبة وفي أكثر من موضِعٍ للتطرُّق إلى هذا الإصلاح. في المُقابل، اعتمدَ جلُّ الفاعلين السياسيين (الأحزاب ونواب الشعب وأعضاء المجالس البلدية بالخصوص)، ومُختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، وكذلك الباحثون والدارسون والمحلّلون، مصطلح « الحُكم المحلّي »، وهو مُصطلح لا يُوجد له تعريفٌ ولم يكن محلَّ أيّة إشارة في مختلف النصوص القانونية الصادرة منذ أزمنة في البلاد التونسية.

و يبدو من البديهي أنَّ استعمالَ هذا المُسمَّى وتكرارَه في الخطب والمُداخلات والافتتاحيات والمقالات والمحاضرات والدراسات وغيرها، إنّما ينمُّ عن رغبة صريحة في التأكيد على الصبغة « الثورية » وعلى إرادة مُعلَنة للـ « قطع مع الماضي » عند الحديث عن هذا الإصلاح الجديد، ويتأكَّدُ ذلك من خلال تواتر عبارات « الديمقراطية » و » الديمقراطية التشاركية » و »الديمقراطية المحلّية » و »الحوكمة المفتوحة » و »ممارسة الحُكم » و »التدبير الحُر » و »وضع حدٍّ لهيمنة السلطة المركزية »، وغير ذلك من المُسمَّيات والعبارات والشعارات التي أصبح يتميَّز بها الخطاب السياسي الجديد، والمُستمدَّة في أغلبيتها من « قواميس اللغة الثورية ».

مهما يكن من أمر، فإنَّ هذا الإصلاح الجوهري أدخلَ  نفسًا جديدًا على الحوكمة المحلّية في تونس، ووضع أُسسَ مقاربةٍ جديدةٍ، حان وقت اعتمادها لإعطاء دفعٍ للعمل البلدي من خلال تقديم أفضل الخدمات للمواطن وجعل الإدارات المحلّية والجهوية والمركزية تقوم بمهامِّها في أحسن الظروف وأوضحها. على أنَّه بات من الطبيعي اليوم، وقد تطلَّب إقرار هذا الإصلاح الجديد عددًا هائلاً من جلسات الحوار والنقاش صلب لجان مجلس نواب الشعب وخلال جلساته العامَّة، وأثار جدلاً واسعًا في مختلف الأوساط – من أهل الذكر ومن دونهم -، أن نتساءل هل أنَّ جميع ما أتى به هذا الإصلاح قابلٌ للتنفيذ والتطبيق؟ وهل أنَّ دواليب الإدارة التونسية على مستوياتها الثلاثة – المركزي والجهوي والمحلّي – قادرة على استيعابه وهضمه بالسرعة والنجاعة المطلوبتين لبلوغ الأهداف المرسومة التي أرادها المُشرِّع؟ في كلمة موجزة، ما هو النظري وما هو التطبيقي في ما أتى به الدستور وما تضمَّنته « مجلة الجماعات المحلّية » بخصوص « الحُكم المحلِّي » ؟

أوَّلاً : مُرتكزات « الحُكم المحلّي » وضوابطُه :

– ينصُّ الفصل 131 من دستور جانفي 2014 على أنَّ اللامركزية « تتجسَّدُ في جماعات محلّية تتكوَّن من بلديات وجهات وأقاليم، يُغطّي كل صنفٍ منها كامل تُراب الجمهورية وِفقَ تقسيمٍ يضبطُه القانون »، والفصل 132 على أنَّ الجماعات المحلِّية « تتمتَّعُ بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية، وتُدير المصالح المحلّية وفقًا لمبدا التدبير الحر ».

– ينُصُّ الفصل 135 من الدستور على أنَّ « للجماعات المحلّية موارد ذاتية وموارد مُحالة إليها من السلطة المركزية، وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونًا »، والفصل 136 على أنَّ السلطة المركزية « تتكفَّلُ بتوفير موارد إضافية للجماعات المحلّية تكريسًا لمبدإ التضامن وباعتماد آلية التسوية والتعديل ».

– يُبرزُ الفصل 141 الدور الموكول لـ « المجلس الأعلى للجماعات المحلّية »، وذلك بالإشارة إلى أنَّ هذا الهيكل « ينظرُ في المسائل المُتعلّقة بالتنمية والتوازن بين الجهات، ويُبدي الرأيَ في مشاريع القوانين المُتعلّقة بالتخطيط والميزانية والمالية المحلّية ».

و أخيرًا، ينصُّ الفصل الأخير (عدد 142) من الباب السابع من الدستور على أنَّ القضاءَ الإداري « يبتُّ في جميع النزاعات المُتعلّقة بتنازع الاختصاص التي تنشأُ بين الجماعات المحلّية، وبين السلطة المركزية والجماعات المحلّية ».

و قد ضبط القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018، المؤرَّخ في 9 ماي 2018 والمتعلّق بمجلَّة الجماعات المحلّية المبادئَ والقواعدَ والتراتيبَ الكفيلة بإرساء وتنظيم « الحُكم المحلّي »، واحتوى على تفاصيلَ عديدة وتدقيقات شاملة حول صلاحيات هياكل السلطة المحلّية في إطار  « اللامركزية » و »الديمقراطية التشاركية »، وتطبيقًا لسياسة الدولة الهادفة إلى تحقيق التنمية الشاملة والمُستدامة، وتوفير حظوظ متساوية لجميع جهات الجمهورية في النماء وفي تسيير الشأن المحلّي والجهوي، وفي وضع أسس الثقة بين السلطة المركزية والهياكل الجهوية والمحلّية من خلال تشريك المُواطنين في إدارة شؤونهم في إطار « تشاركية » فعَّالة و »لامركزية » حقيقية ترتكزان على مبدإ اعتماد « المُشاركة الشعبية » المُباشرة في الشأن العام.

من هذا المُنطلق، ومن خلال قراءة مُعمَّقة لفصول الباب السابع من الدستور ولنصِّ القانون الأساسي الواضع لمجلَّة الجماعات المحلّية، يُمكن الخروج بانطباعات إيجابية حول أهداف هذا النظام الجديد وميزاته واختزالها في ما يلي :

– تقريب العمل البلدي من المواطن ورفع نسبة المُشاركة « الأهلية » في إدارة الشأن البلدي،

-إرساء مبادئ المُشاركة والتعاون على المستوى المحلّي بين الإدارة (الجماعة المحلّية) والمُنتفِعِ بخدماتها (المُواطن والمؤسسات) من خلال دراسة « الأحوال المحلّية » ووضع الخطط وبرامج العمل الكفيلة بتنفيذها،

– اعتماد المبادئ الأساسية للحوكمة الرشيدة على مستوى التسيير الإداري والبشري والمالي، واحترام القوانين المُتعلّقة بالصفقات العمومية وبالتراتيب البلدية وغيرها،

– التخفيف من هيمنة « المركزي » على « المحلِّي »، من ذلك اعتماد قاعدة الانتخاب الحر في اختيار رؤساء المجالس البلدية (تونس العاصمة مثالا) وفي انتخاب رؤساء اللجان، وكذلك إعطاء مزيدٍ من حُرّية التصرُّف في الإدارة وفي الميزانية،

– نقل العديد من الصلاحيات من المستوى المركزي إلى المستوى المحلّي في إطار ما اصطُلح على تسميته « مبدأ التفريع » (Principe de subsidiarité) المُتمثّل في أنَّ كلَّ مشكلٍ يتعيَّنُ مُعالجتُه على أنسب المستويات السياسية والإدارية، أي على أساس تفويض الحوكمة والتنفيذ والمُساءلة (عند الاقتضاء) إلى المُستويات الإدارية المُلائمة، بما في ذلك المستويين الجهوي والمحلّي،

          – منح حُرّية التصرُّف والتسيير للجماعات المحلّية تدعيمًا لمبادئ « الديمقراطية المحلّية »، وذلك في إطار تقسيمٍ عمودي للاختصاصات بين « المركزي » و »المحلّي »،

– اعتماد التقاضي لدى محاكم القضاء الإداري لفضّ النزاعات التي قد تبرزُ بين « المركزي » و »المحلّي » وفيما بين هياكل الجماعات المحلّية ذاتها (البلدية والجهة والإقليم)،

– الحرص على ملائمة صلاحيات الجماعات المحلّية مع موارد تمويلها، و ضمان دعمها من قبل السلطة المركزية طبقًا لمبدإ التضامن وعملاً بآلية التسوية والتعديل،

– اعتماد مبدإ المرونة في تطبيق قوانين وتراتيب الرقابة اللاحقة (Contrôle a posteriori) من خلال تدعيم استقلالية الجماعة المحلّية وإقرار قاعدة عدم توقيف تنفيذ قراراتها في حالة قيام الإدارة المركزية برفضها أو بالطعن فيها أمام الجهات والمؤسسات ذات النظر،

– تأكيد مبدإ التضامن بين الجماعات المحلية من خلال التزام الدولة بمساعدتها على الحفاظ على توازناتها المالية عن طريق تحويل اعتمادات « تعديل » خصوصية وبعث « صندوق اللامركزية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلّية ».

هذه جملة من النقاط الإيجابية والأهداف التقدُّمية التي أتى بها الدستور الجديد وتضمَّنتها مجلّة الجماعات المحلّية في فصولها الأربع مائة. ولسائل أن يتساءل بكامل التجرُّد والموضوعية، وبعيدًا عن الحسابات السياسية والسياسوية، هل أنَّ المبادئ والإصلاحات والخيارات والقرارات المُضمَّنة في الدستور وفي مجلّة الجماعات المحلّية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع ؟ وهل هي سهلة الهضم على المستويين الذهني والمادّي من قِبل السلطتين المركزية والمحلّية، ومن قِبل الأعوان الإداريين على مختلف مستوياتهم ومسؤولياتهم، ومن قِبل المواطنين أنفسهم ؟

ثانيًا : قراءة نقدية في الإصلاح الجديد

دعنا نُشيرُ بدايةً إلى إنَّ « مجلة الجماعات المحلّية » حديثةُ العهد، إذ لم يمضِ على صدورها وإدخالها حيز التنفيذ سوى خمسة أشهر، وإلى إنَّ المجالس البلدية الجديدة لم يمُرّ على تركيزها ومباشرتها لأعمالها سوى بضعة أسابيع، وهو ما يدعو إلى الحذر في إصدار الأحكام لفائدة هذا الإصلاح الجديد أو ضدَّه، كما يدعو إلى عدم التسرُّع في تعداد النقاط السلبية والإشكاليات والنقائص والعوائق التي قد برزت بعدُ أو التي يُنتظر أن تبرُزَ في المستقبل القريب والمُتوسّط والبعيد، والتي قد تحول دون الوصول إلى الهدف الذي رسمه المُشرّع لإرساء « حُكمٍ محلّي » حقيقي، هدفُه تدارك أخطاء الماضي وإضفاء المزيد من النجاعة والجدوى على العمل البلدي، والاستجابة لانتظارات المواطنين في المجال، وهي انتظارات لا تُحصى ولا تُعدّ.

لهذه الأسباب، سنكتفي في ما يلي باستعراض جملة من نقاط الاستفهام ومن التخوّفات والشكوك والانتقادات التي عبَّر عنها قبل دخول المجلَّة حيز التطبيق وخلال أيَّامها الأولى عددٌ من العارفين بالشأن المحلّي ومن المُمارسين للعمل البلدي والبعضُ من الأساتذة والباحثين والملاحظين ورجال الإعلام، وكذلك عيّنة من أصحاب التجارب العملية في الإدارتين المركزية والجهوية. وتتلخَّصُ هذه الملاحظات في ما يلي :

– الظرف الذي شهِدَ إقرارَ هذا الإصلاح الجوهري غير ملائم، ذلك أنَّ الاقتصاد الوطني يعيش صعوبات غير مسبوقة، منها على سبيل الذكر نسبة نمو للناتج الداخلي الخام بأقل من %1، ونسبة عجز في الميزانية العمومية مُرتفعة، ونسبة تداين تفوق %54، ونسبة بطالة بأكثر من %20، وعجز فادح في أغلب الصناديق الاجتماعية، وتفشّي ظاهرة سوء التصرُّف وإهدار المال العمومي، وإغراق الوظيفة العمومية على المستويات المركزية والجهوية والمحلّية بأعداد مهولة من الموظفين أغلبهم ليست لهم كفاءات مهنية، وتصنيف البلاد في أكثر من قائمة سوداء تخصُّ مجالات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وغيرها. يُضاف إلى ذلك التجاذبات والصراعات الطاغية على المشهد السياسي على مختلف المستويات، والمناخ الاجتماعي والنقابي المُتَّسم بعدم الاستقرار والوضوح، والعديد من العوامل الأخرى، ما يجعل من الصعب إدخال هذا الإصلاح الجوهري الطَّموح حيز التطبيق بالطرق وفي الآجال المرجوة،

– وضع الجماعات المحلية في تاريخ صدور المجلَّة يُبيّن أنَّ مُعظم البلديات تشكو من نقائص فادحة، منها ضعف مواردها المالية الذاتية والمُحالة، وهيمنة نفقات التسيير، وبخاصّة مصاريف التأجير (أكثر من %60 من الميزانية)، وثقل المديونية، وضعف نسبة التأطير (%11)، وضعف الخدمات المسدات للمواطنين، وتنامي عدم الرضا من العمل البلدي، وهيمنة الروتين والبيروقراطية، يُضاف إلى ذلك أنَّ المجالس الجديدة المنتخبة تفتقر في أغلبها إلى الخبرة والتجربة، وجُلُّها تتجاذبُها الخلافات السياسية، و – في بعضها – العروشية،

– الإصلاح الجوهري المُعتمد، على أهميته وجسامته، لم يكن مسبوقًا بما فيه الكفاية من الدراسات التشريعية والقانونية التي تُعنى بتقديم المُقترحات والتصوُرات ودراسة الحلول والفرضيات والتحسُّب للإشكاليات والعوائق،

– من المُنتظر – وهو أمرٌ بديهي – أن يتطلَّب إرساء مسار اللامركزية كمًّا هائلاً من القوانين والقرارات والأوامر  لتنفيذ ما جاء في الدستور وفي المجلّة، من ذلك قانون التقسيم الترابي الجديد وقانون إحداث « صندوق اللامركزية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلّية » وقوانين تنظيم القضاء الإداري والقضاء المالي مركزيا وجهويًا ومحليًا، هذا إلى جانب ضرورة مراجعة وتنقيح جميع القوانين الجاري العمل بها الآن، وإعادة النظر في المجلَّات والمراجع ذات العلاقة بالمُحاسبة العمومية والجباية المحلّية وأمثلة التهيئة العمرانية وغيرها، وهو ما يدعو إلى التساؤل هل أنَّ ما نُشاهدُه اليوم في رحابِ مجلس نواب الشعب بخصوص طريقة تناول مشاريع القوانين وكيفية مناقشتها وبروز تباين – عميق في بعض الأحيان – بين مواقف الأحزاب والتيارات – وهي مواقف في مُعضمها إيديولوجية ودُغمائية -، كفيلٌ بأن يُحقّق المطلوب، أي المصادقة على عشرات، بل ربَّما مئات، القوانين والنصوص التي ستعرضها الحكومة في إطار تكريس الإصلاح الجديد، في الآجال المرجوة،

– يُخشى أن يكون من الصعب أن تتمَّ في الآجال المُحدَّدة وبالنجاعة المرجوة عملية نقل الصلاحيات المتعلّقة بالتنفيذ والمتابعة والمراقبة من المركزي إلى المحلّي والجهوي والإقليمي، وهو ما قد يجعل مسار الإصلاح الجديد يتعثَّر وعملية بنائه تطول،

– العلاقة بين المركزي والإقليمي والجهوي والمحلّي، وبين الإقليمي والجهوي، وبين الجهوي والمحلّي، غير واضحة، لأنَّ هناك خلط بين صلاحيات هذه الدرجات الأربع من الحُكم، وهو ما يستدعي تحديد الصلاحيات والنظر بدقَّة وبحكمة في كيفية تقسيمها بين مختلف الدرجات، كما يستدعي البحث عن موارد بشرية ومالية للدرجات الجديدة بالخصوص. بالإضافة إلى ذلك، تجدُرُ الإشارة إلى أنَّ منح بعض درجات السلطة صلاحيات جديدة لم تُمارسها في السابق، أو ليست لها التقنيات والتقاليد اللازمة لمُمارستها، قد يُعيقُ العمل البلدي وقد يضُرُّ بمصالح المواطن.

– المجلة الجديدة جعلت العلاقة بين ممثل السلطة المركزية (الوالي) ورؤساء الجماعات المحلية مبنية، لا على أساس مبدأ ممارسة الإشراف، وإنَّما على أساس شبه التساوي بينه وبينهم. وهذا الوضع غير المسبوق سيجعل أن الخلافات التي ستحدُث (بسبب عدم موافقة الوالي على قرار جماعة محلية ما، أو تشكّي مواطن ما من قرار محلِّي، وتضارب المصالح بين جماعتين محلّيتين من نفس الدرجة أو من درجات مختلفة) ستكون من أنظار المصالح الجهوية للمحكمة الإدارية، ممَّا سيتسبَّب – إلى جانب الحطّ من مكانة الوالي، مُمثّل السلط المركزية –  في تعطيل بعض الأعمال وإهدار المجهودات والوقت في التقاضي والتظلُّم،

– اعتبارًا بأنَّ اللامركزية لا تعني تحرّر الجماعات المحلّية التامّ من الإشراف والرَّقابة، وإنَّما تعني فقط تحريرها من الوصاية ومن التسيير المُباشر لبعض ما يعود إليها بالنظر من قبل السلطة المُشرفة، وإعفائها من التأشيرة المُسبقة مع الإبقاء على التأشيرة اللاحقة والمراقبة بعد التنفيذ، فإنَّ الإصلاح الجديد قد يُعاب عليه أنَّه سيمسُّ من وحدة الدولة وسيُعيدُ إلى السطح النزعات الجهوية والنعرات المحلّية التي قضى عليها بصعوبات كبيرة و بنجاح النظام الجمهوري الذي اختارته تونس بُعيد حصولها على استقلالها، ذلك أنَّ بعض المُلاحظين يرون أنَّ هذا الإصلاح لا يعتبر الدولة التونسية موحَّدة، بل هو يتعامل معها وكأنَّها دولة اتّحادية أو كنفدرالية، وأنَّه بذلك يُمثِّلُ خطرًا على تماسك النظام القانوني للدولة وعلى التوازنات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

يجدُرُ التأكيد ختامًا على أنَّ هذا الإصلاح الجوهري، العميق، يتطلَّبُ أساسًا – إذا ما أُريدَ له النجاح – تظافرَ جهود الجميع لإدخاله حيّزَ التنفيذ، كما يتطلَّبُ الصبر والمثابرة والتروّي في المُرُورِ به من النظري إلى التطبيقي، وهو يستوجبُ أخيرًا مراجعة بعض أركانه وقراراته، وبخاصَّة تلك التي لها تأثير سلبي مُباشر على التوازن المالي للجماعات المحلّية.

A voir aussi

Une pensée sur & ldquo; في الحُكم المحلّي : النظري والتطبيقي & rdquo;

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer