الدبلوماسية الثقافية

في الدبلوماسية الثقافية

 إعداد: محمد جنيفان -سفير سابق

      الدبلوماسية الثقافية مصطلح شاع في السنوات الأخيرة، ملتحقا بمصطلح الدبلوماسية الاقتصادية الذي سبقه في كثرة الاستعمال ليلفت النظر إلى أهمية الثقافة في المجال الدولي.

ولكن لا يعني هذا أن بداية التثاقف ظاهرة حديثة، بل يمكن القول إن الثقافة، في النشأة وفي الشيوع بين الناس، كانت مصاحبة لبداية خطوات البشر في الأرض منذ أن قتل أحد ابني آدم أخاه «فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سواه أخيه.«

يلعب العامل الثقافي في الحياة الإنسانية أدوارا صنعت التاريخ ولونته، وفتحت آفاق الكون للإنسان، فاتخذه مسرحا لصراعه الوجودي الخلاق، وا ستطاع أن ينظمه، عبر التاريخ المديد، في مناهج الحرب والسلم، بما بلغه اليوم مما نسميه النظام الدولي الذي جعل الدبلوماسية اداته الناعمة للتعايش.  ولذلك كانت الدبلوماسية، في إطلاقها تغني عن أن نصفها بأنها ثقافية، أو اقتصادية أوغيرهما، مما أخذ في شيوع الاستعمال.

       وأغلب الظن أن شيوع مصطلح (الدبلوماسية الثقافية) مؤشر على ما أصبحت تحتله الثقافة من مكانة بعيدة التأثير، فرضتها وسائل الاتصال التي تكاد تنهي الجغرافيا، وزاد من أهميتها ما يلاحظ، تبعا لذلك، من توترات ونزاعات، كالظواهر المتطرفة، بمختلف ألوانها وأشكالها، في طبقات واسعة، من الراي العام، في كل أنحاء الدنيا، منشؤها الأبرز العامل الثقافي، في أبعاده القيمية، والدينية، وغيرهما من كل ما يؤثر في السلوك الانساني.

     وإذا كانت الدول الكبرى صاحبة الثقافات الغازية (دون شدة على الياء)، تظهر المزيد من الاهتمام بثقافاتها، وتتحدث عن دعم ديبلوماسياتها، في هذ الحقل، فإن حاجة الدول متوسطة الإمكانيات، والضعيفة، والتي غزتها الثقافات المهيمنة، منذ قرون، في عقر دارها، ونالت منها ما نالت، وما تزال تتعرض لمظاهر متعددة من الغزو إن هذه الدول تبدو اكثر احتياجا لاستعجال اليقظة، وإعلان النفير، للذود عن ثقافاتها.

      وبلادنا، اليوم، وهي تخوض معركة مصيرية لتعزيز أسس كيانها، وتوسيع آفاق إشعاعها، مدعوة، بصورة ملحة، لتولي الثقافة ودبلوماسيتها عناية استثنائية باعتبارها أحد الأسس الرئيسية التي عليها تقوم دعائم هويتها التونسية والعربية والإسلامية وبها تتعزز مكانتها الدولية الطامحة لمستقبل يتناسب وعراقتها الحضارية، وأصالة جذورها الثقافية.

      وهذه الورقة محاولة تندرج في هذا السياق، وتهدف لطرح موضوع الدبلوماسية الثقافية، وخاصة لإثارة بعض جوانب، فيه، تبدو لي حرية بالاهتمام والمناقشة، وتتناول العناصر التالية:

      (1) المصطلح لبلورة ما نريد بالثقافة، وبالدبلوماسية فيها.

     (2) مجالات ا لدور الدبلوماسي باعتباره الهدف الأول من هذه الورقة.

    (3)بعض الاشكاليات  المتوقعة في الموضوع، لاستحضارها ،والاستعداد للتعامل معها.

    (4) التوقف عند التجربة التونسية فيه، استعراضا لما كان، قبل أن تستهل بلادنا المرحلة الحالية من مسيرتها المديدة، واستشرافا لآفاق المستقبل القريب.

    وقد اخترت ،عن روية،أن تكون محاولتي بعنوان(في الدبلوماسية الثقافية) تجنبا لادعاء الإحاطة والشمول ، ليقيني أن مقالا ،مهما طال ،يصعب عليه التطرق لكل جوانب الدبلوماسية الثقافية.

(1) المصطلح

    إن مصطلح الدبلوماسية الثقافية يهدف لعنونة العلاقة بين الحامل، الذي هو الدبلوماسية، وبين المحمول الذي هو الثقافة وذلك يملي أن نتوقف عند مدلول كليهما، وعند الملامح البارزة للعلاقة بينهما.

     فالدبلوماسية، في هذا السياق هي الأداة التي اتفقت الدول على اتخاذها سبيلا في كل الميادين، للتعاون والتبادل، ولتجنب ما يطرأ من صعوبات في العلاقات الثنائية والدولية، ولتذليلها بالطرق السلمية.

 وهي، إذا لم تضف، ولم توصف بما يخصصها، تنصرف، غالبا، إلى الميدان السياسي وما اقترب منه، في الشؤون الدولية، وإن كانت كثيرا ما تتناول مختلف المواضيع التي تمليها الحياة الدولية، ومن أهمها الاقتصاد والثقافة والاجتماع.

      والدبلوماسية، بحكم ما مرت به من تجارب، وما أبرم لها من اتفاقيات، وسن ضوابط، أصبحت لا تستدعي إطالة التوقف، عندها، في هذا الموضوع.

        وأما الثقافة فهي حقل شاسع من المواضيع المعنوية، والمادية، ذات الصلة بالعقائد والأفكار والقيم والمفاهيم، والرموز والإشارات، التي تشترك فيها الإنسانية، أو تتمايز بها الشعوب، بعضها عن بعض، وعن ذلك الاشتراك أو التمايز يتولد التقارب او التباعد ويحدث الانسجام أو الاختلاف.

      وبقدر ما تعددت تعاريف الثقافة واختلفت، يكاد يكون من المتفق عليه أنها ألأشد تأثيرا في بناء الشخصية الفردية والاجتماعية، لأنها تتناول، من الانسان، فكره وعاطفته ووجدانه، وحتى اللاوعي فيه، فعنها تصدر الأفكار، وتبنى القيم، وتتحدد مناهج السلوك وخاصة ذا كانت فلسفية ايديولوجية أو عقدية غيبية.

   وقد تعددت تعاريف الثقافة واختلفت بين المنحى اللغوي، والفلسفي والأنثروبولوجي، ولعل المنحى الدولي هو الذي يعنينا، قبل غيره، لأنه الاكثر اتصالا بالوسيلة التي هي الدبلوماسية.

 والمصطلح المعتمد من المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة هو ما اطلق عليه(إعلان مكسيكو للثقافة) الذي تبنته،سنة1982. ونصه:

  “الثقافة هي جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب، وطرائق الحياة والحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم، والتقاليد والمعتقدات.

 ” وهي التي تمنح الانسان قدرته على التفكير في ذاته، وتجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية المتمثلة بالعقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها يهتدي إلى القيم ويمارس الاختيار وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، والتعرف على ذاته، كمشروع غير مكتمل، وإعادة النظر في إنجازاته، والبحث عن مدلولات جديدة، وإبداع أعمال يتفوق بها على نفسه “انتهى التعريف

واعتبارا لكون هذا المقال مكرسا للجانب الدبلوماسي من الثقافة، فلا مجال للإطالة في تحليل التعريف، وبحث مدى ما هو مأخوذ به، في بلادنا، منه، لكن ذلك يبدو من الضروري، في المستوى الوطني، عند تبني رؤية استراتيجية ثقافية واضحة، يمكن، في إطارها، ضبط خطط، وإعداد برامج، لكل هيكل، كالهيكل الدبلوماسي مطلوب منه أداء دور معين، في الخطة الوطنية الشاملة لهذا الموضوع.بالغ الأهمية.

(2) في مجالات الدور الدبلوماسي

إن الدور الذي ينهض به الدبلوماسي ،في أي حقل، هو، في مجمله،  تمثيل بلاد ه لدى دولة الاعتماد ،أو في المنظمة الدولية المنتدب من دولته فيها، والسهر على المصالح الوطنية الرسمية ،وكذلك الخاصة بمواطنيه فيها،والسعي للتعريف بصورة بلاده،ودعم أواصر التعاون بينها وبين البلد المضيف.

 وانطلاقا من هذا الدور، فسيكون عليه أن يوكل للبعد الثقافي ما يتطلبه من جهد للتعريف بثقافة بلاده ، في مختلف أبعادها ،وخاصة ما يناسب الصورة التي يسعى لرسمها عنها ،كما عليه أن يساعد على التعاون الثقافي ،بين البلدين،بعد أن يكون قد عرف ،بعمق ، الجوانب المختلفة لسياسة البلد المضيف الثقافية،وقدمها لبلاده تقديما يجعلها على بينة كاملة منها  ،وأن يفيد بلاده بما يحصل عليه من معلومات ،وما يلاحظه من سياسات في المجالات الثقافية ،التي يتصور انها تعني بلاده.

          كما سيكون عليه، في المجال القنصلي، أن يتابع عن كثب اوضاع مواطنيه في بلد الاعتماد من الناحية الثقافية. فيهتم، مثلا بما قد يكونون عرضة له من الاستلاب، أ والغربة الثقافية، خاصة في أبعادها المتصلة بالعناصر الأساسية للهوية، ويكون مدعوا للتفكير في البرامج التي يمكن القيام بها لتلافي ذلك، او للتخفيف من تأثيره السلبي.

       كما يهتم بما ينتجه مثقفو الجالية التونسية،فيدعمه ،بما يتاح له في دائرة تمثيله ، ويعرف به المصالح المركزية المعنية،ويقترح دعمها .

      وقد لاحظنا في هذا الخصوص بارتياح، بادرة تستأهل التنويه والشكر، وتلك هي التظاهرة الثقافية التي انتظمت في تونس، في اكتوبر الماضي، تحت عنوان “أيام قرطاج الثقافية للإبداع المهجري في تونس”.

    والدبلوماسية الثقافية تقتضي بطبيعة الحال، أن يكون الدبلوماسي المكلف بها على بينة من القطاع الثقافي في بلاده، وان يكون الهيكل الوطني والدبلوماسي المركزي في بلاده، داعما له في مهمته بالخارج وذلك لا يمكن أن يتحقق، دون أن تكون، وراء ذلك، استراتيجية ثقافية واضحة المعالم، وخطط مناسبة، تجاه كل بلد، وفي مختلف القطاعات الثقافية.

        وهناك مجال آخر للتعاون الثقافي التونسي مع الخارج، هو المتمثل في الهياكل الدولية المشتركة، وهي المنظمات العالمية، والعربية، والإسلامية، للتربية والعلوم والثقافة.   والعمل، في هذه المنظمات مختلف، من حيث طرقه وأساليبه، عن البعثات الدبلوماسية في المجال الثنائي، ويتطلب، لكي يكون مفيدا، مهارات خاصة لكنه يحتاج، مثلما يحتاج التعاون الثنائي، لوجود استراتيجية وطنية، وخطط مضبوطة للنشاط، وقدرات مؤهلة للنهوض بالمسؤولية فيه على الوجه الأمثل.

   وغني عن البيان أن شرط المهارة والاطلاع، في مجال الدبلوماسية الثقافية، ثنائية، أو دولية، لا يعني، بالضرورة، أن من يؤدي هذا الدور ينبغي ان يكون من المنتجين، في الثقافة، كما إنه في الدبلوماسية الاقتصادية لا يعني بالضرورة أن يكون منتجا اقتصاد يا.

   وتجدر الإشارة، في هذا السياق إلى وسيلة عمل مفيدة في توسيع الإشعاع الثقافي، وهي المتمثلة في المراكز الثقافية التي تسمح بها الدول بعضها لدى بعض، في نطاق التعامل بالمثل.إلاأن تكاليفها باهضه، ومردودها ليس دائما مناسبا لتكاليفها على دول امكانياتها محدودة، وسلم الأولويات في إنفاقها مثقل بضرورات أخرى.

وربما تكون التطورات المذهلة المسجلة في وسائل وتقنيات الاتصال والتبليغ عاملا فاصلا في التخلي عن النمط القديم من المراكز الثقافية، ولكن لابد من التفكير استراتيجيا وثقافيا ودبلوماسيا، في الكيفية المثلى لحضورنا الثقافي، خارج الحدود بهويتنا المفردة والمركبة.

(3)في بعض الإشكاليات

* الهوية الثقافية مسألة تكتنفها ملابسات عديدة، ليست سهلة التفكيك، وتتطلب بحثا عميقا ورصينا، ونظرة متبصرة وقادرة على النفاذ إلى ما يجمع وإلى ما يميز، وعلى الخروج بما لا يلغي المميز، ولا يعطل الجامع المفيد.

فالوطن الواحد، كبر أو صغر، مركب ثلاثي الأضلاع، من أفراد، ومجموعات، وكل جامع. وينشأ، عن ذلك، هويات ثقافية فردية، وجمعوية، ووطنية. وليس في المستطاع طمس أي من هذه الهويات الثلاث، ولا قهر الأولى والثانية لتنصهرا، قسرا، في الثالثة.

والعولمة والحداثة عاملان جارفان، يضاعفان قوة الجدلية القائمة بين عناصر الهويات الصغرى، في بوتقة الهوية الكبرى، لأن العولمة قد تتطور إلى أداة للهيمنة وإلغاء الآخر، وتنميطه بما يخضعه لهوية وافدة وطاغية. ولأن الحداثة مسار متحرك قد تلتبس به السبيل المثلى للحفاظ على الحد الفاصل، بين ما هو ثابت وبين ما هو متغير، في مكونات الهوية.

وهذه الإشكالية قد يختلف المفكرون في طروحات التوفيق بين عناصرها وليس في ذلك بأس، ولكن الدبلوماسيين الذين قد يواجهونها، ربما تحدث لهم صعوبات في التعامل معها، وهم في الخارج، ولذلك يكون من المفيد ان يقع التفكير في خطة مدروسة تساعدهم على تجاوز الصعوبات المتوقعة.

  • الاشتراك في بعض عناصر الهوية بين بعض الشعوب والدول قائم،ومنطق لاشتراك يفترض التقارب والتعاون،وهذا المفترض حاصل ،في أغلب الأحوال،ولكن بعض الوضعيات تجعله عامل نشاز وتنافر وخصام.

ومنشأ هذا النشاز والاختلاف  الجزئي في صلب ما هو متفق عليه كالعقيدة الدينية ، واللغة الرسمية، والأصول الأثنية ،وذلك في صورة  اكتساء الاختلاف الجزئي، في أحدها أوفيها جميعا ، حدة تعطل مفعول عناصر القربى ، كما يحدث بين بعض أتباع عقيدة دينية واحدة حين يتمسك القادة ، فيهم ، بترجيح المذهب الجزئي المميز على العقيدة الكلية الجامعة ،كما يحدث  بين بعض البلدان الإسلامية في المشرق ،وبين بعض المجموعات المسلمة في الدولة الواحدة ، في المغرب ، ومثل ذلك حصل بين الشعوب المشتركة في لغة وطنية عربية ،عندما وظفت العروبة ،واللغة العربية ، في الخصام السياسي والإيديولوجي بصورة عطلت التعاون والتكامل، لفائدة هذه العناصر الهامة في بناء الهوية.

هل لنا أن نحلم بنضج قيادي، في منطقتنا الشاسعة، بمختلف أبعاد هويتها، يحول دون هذا الوضع، فتكون المشتركات عوامل قوة؟ أم علينا أن نقنع بأنه كتب علينا أن يحسبنا الآخرون جميعا وقلوبنا شتى؟

  • إن التخلف الذي تعاني منه الكثير من البلدان والشعوب، مهما كانت درجات تطورها النسبي، يجعلها عرضة لتآكل خطير في عناصر هوياتها الثقافية، إلى الحد الذي يهدد بعضها بالانجرار، عن وعي وعن غير وعي، في تيار يمكن أن يؤدي بها إلى الاستلاب الحضاري، وهي تحسب أنها تتقدم وتساير حداثة العصرٍ.

وربما تكون رسالة دبلوماسيتنا الثقافية، في أحد أبعادها، الكفاءة في تنوير أصحاب القرار المسؤولين عن قيادة بلادنا، بتقديم البرامج الكبرى، السافرة والمتخفية، التي يدركون كنهها، مما تعكف عليه بلدان معينة لتحقيق الانتشار والهيمنة بالقوة الناعمة والتي تتخذ لها سياسات مخاتلة، تستعمل حتى من قد تكون استوعبتهم منا، عن غرة، ليتحولوا إلى معاول في هدم ما تريد هي هدمه، واعوان بناء فيما هي بصدد تشييده.

كيف نستطيع ان نوفق بين ضرورة الأخذ بأسباب النهضة الثقافية العالمية الزاحفة، التي لواكفينا بالخوف منها لتخلفنا، ولضعفنا، فنصبح بذلك أسهل احتواء، وننتهي ثقافيا، من حيث نحسب أننا نمسك بمداخل ثقافتنا، ونصون شعوبنا من الغزاة؟ إن التوفيق بين الوضعيتين، في هذه الإشكالية، ينبغي ان يكون أحد عناصر الاستراتيجية الوطنية المرتجاة.

  • أن يكون المعتقد الديني أحد عناصر الثقافة لأي شعب فذلك مسلم به، في كل تعاريف الثقافة وإنما الذي ربما يثير إشكالات هو إدراج هذا البند في الدبلوماسية الثقافية، فالعامل الديني صعب المراس، والاختلافات في صلبه كثيرة وأحيانا بالغة الحساسية وهي قد تكون وطنية داخلية، يكون من الأولى عدم إثارتها في الخارج، فهل نختار البعد عن هذا البند أم نستطيع ان نعد تصورا تأليفيا للممارسة الدبلوماسية فيه؟

(4)في التجربة التونسية

في مستهل بحث التجربة التونسية لابد من التنويه بالجهود التي قام بها الرواد من الدبلوماسيين البناة الأوائل للدبلوماسية التونسية، فيما صرنا، اليوم نسميه الدبلوماسية الثقافية. ولإدراك ذلك علينا أن نستحضر الحقبة الزمنية التي قاموا، خلالها، بهذه الجهود التي ننوه بها.

  فقد بدأت الدبلوماسية التونسية خطوتها الاولى، بعد نيل البلاد استقلالها التام في20 مارس 1956، وكانت المهمة الكبرى لها أن تمثل البلاد في العالم. وربما كان ترتيب البند الأول من هذه المهمة، قبل تمهيد سبل التعاون، هوتميل البلد في جوهر كيانه، بلد حر مستقل ذو سيادة، ثابت النسب في حضارة ثقافتها ذات أصول شمال إفريقية /فينيقية، تزهو بقرطاج والقيروان، وتفخر بحنبعل وطارق بن زياد، وتترسم خطى عبد الرحمن بن خلدون في فهم شؤون الزمان، ويقودها الحبيب بورقيبة، في منهج الحكم ونحت الكيان.

بدأت هذه المهمة ثقافية /سياسية/نضالية لأن تونس كانت، يومها، تتحدى مخلفات استعمار دحرته، بعد نضال مرير، استهدف أرضها وسعى لطمس ثقافتها، تمهيدا لابتلاعها.

ومع التقدم في بناء الدولة، والنهوض بالشعب، وخوض معارك الطريق وكسب الكثير منها تبدلت طبائع التحدي، واختلفت اولويات المسيرة، وبدأت بعض ملامح الكيان الثقافي تغيب، عن الظهور، في ساحات المعارك وغدت الدبلوماسية مستغرقة في السياسة والاقتصاد ووجد الجيل الدبلوماسي الموالي للرواد نفسه، غير مدعو لمواصلة دور السابقين في ابراز العناصر الثقافية التي كانت مهددة.

في هذه المرحلة تضاءل الاهتمام في وزارة الخارجية، بأغلب ما هو ثقافي، وصارت الشؤون الثقافية، في أغلب البعثات الدبلوماسية تكاد تقتصر على الوساطة البريدية، بين الوزارات المعنية بالثقافة والتعليم، بمختلف مراحله، في تونس ، وبين نظيراتها في بلدا ن الاعتماد .

وإذا استثنينا مناسبات ظرفية غير منتظمة تركز خلالها الاهتمام على وجه من أوجه التفافة، في أسبوع ثقافي ،أو معرض كتاب ، أو زيارة شخصية ثقافية بارزة ، أو محاضرة حاشدة فلا وجود لنشاط دبلوماسي ثقافي بارز ،سواء في البعثات ،أو في الوزارة، إلا قليلا.

لقد مر بمسؤولية وزارة الخارجية وزراء من صنف المثقفين ،بل فيهم من تحمل ، قبل الخارجية ،مسؤولية وزارة الثقافة ،ويوجد في السلك الدبلوماسي العديد ممن يتمتعون بزاد ثقافي وفير ومتين ، وكان البعض منهم يجتهد ،من تلقاء نفسه ، لبث نفس ثقافي في مهمته ،فينجح قليلا ، ويفشل كثيرا، لانعدام برنامج وطني واضح وراءه.

ولابد ان نلاحظ في هذا السياق، النشاط الثقافي الثري والمتنوع الذي كانت الحياة الوطنية في الداخل تحفل به دائما وما كان يصحب ذ لك من تعاون دولي واسع، وإشعاع ثقافي تونسي تبعا لذلك فما معنى الا يكون للدبلوماسية في ذلك دور؟

إن أغلب هذه النشاطات تتولى وزارة الثقافة نفسها تبليغه إلى الخارج، وتنسيق التعاون فيه. وربما تمر بعض جوانبه الإدارية، خاصة، بوزارة الخارجية، أو بالبعثات الدبلوماسية التونسية المعنية، ولكن ذلك يندرج فيما سميته، سلفا، بصندوق البريد.

علينا إذن أن نتساءل عن السبب في هذا الوضع؟

يبدو لي، وقد اكون مخطئا أن أكثر الوزارات، ذات الصلة بالثقافة بمختلف أصنافها، قد استمرت في اتخاذ الخارجية واجهزتها وسائل للاتصال وتذليل الصعوبات، عند حدوثها دون إشراكها فيما هو أكثر، أي فيما من شأنه أن يجعل وزارة الخارجية والبعثات، تشعر أنها ذات دور يشبه دورها في القضايا السياسية والاجتماعية، والاقتصادية.

ولعل ذلك هو الذي يجعل من يتابع النشاط الثقافي لوزارة الخارجية ولبعثاتها، في الخارج، يجده غير متناسب مع كثافة النشاط الثقافي الوطني، في الخارج والداخل.

فلا أذكر أن ندوة، من ندوات رؤساء البعثات الدبلوماسية السنوية الكثيرة، قد دعت أحد وزراء الثقافة لحوار، مع رؤساء البعثات، عند لقائهم السنوي، على غرار ما كان معمولا به، مع العديد من الوزراء الآخرين.

ولا أذكر أن ندوة، من هذه الندوات، قد عكفت على النشاط الثقافي للبعثات، باستثناء ما يثار أحيانا عند تناول صورة بلادنا في الخارج.

ولعله مما يبشر بتوجه محمود لتلافي هذه الوضعية أن النشاط الثقافي للبعثات ،في الخارج ، قد أثير في الندوة الأخيرة للسفراء،كما إن تنظيم الهيكل المركزي للإدارة ،في وزارة الخارجية ،قد اشتمل للمرة الأولى في تنظيم وزارة الخارجية، على ما يؤشر لمنزلة جديدة للثقافة في نشاط الوزارة..

وأحسب أن العلاج المنهجي لهذا الخلل يكمن في أن تعمل كل الهياكل المعنية بالثقافة في الداخل، مع وزارة الخارجية، على إعداد خطط يكون فيها دور الدبلوماسية واضحا، تتولى وزارة الخارجية النهوض به، وتطالب بعثاتها في الخارج بتنفيذه.

وهذه الخطط لا يمكن أن تضبط إلا بعد إعداد (استراتيجية ثقافية وطنية لتونس القرن الواحد والعشرين)،تعدها الوزارات المعنية،بما فيها وزارة الخارجية ، بمشاركة كفاءات  وطنية بارزة ،في الميدان ،وتصبح وثيقة مرجعية ،تتولى وزارة الشؤون الخارجية تكوين الدبلوماسيين على ضوئها ، لينهضوا بدورهم ، في الداخل والخارج، على الوجه المرضي.

                                                                                     محمد جنيفان

                                                                               1 نوفمبر2018

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer