كلمة الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين في أربعينية المرحوم محمد...

كلمة الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين في أربعينية المرحوم محمد الفاضل خليل

0
PARTAGER

أعدها وألقاها: السفير محمد جنيفان نائب رئيس الجمعية
(22 جويلية 2017)

الطمي الدبلوماسي

الطمي ما تحمله السيول والأنهار ،أثناء جريانها،من الأرض التي تمر بها ،فتنشره ، كيفما اتفق،وتصبح به الحقول الجرداء مخصبة ،والحقول الغنية أثرى وأخصب .

وحسب علمي فإن أول من استعمل هذه الكلمة ،استعارة من حقلها الفلاحي ،في الحقل الدبلوماسي ،أحد ظرفاء المهنة ،ممن كانوا في وزارة الخارجية التونسية،في ثمانينيات القرن الماضي، يلاحظون ،أحيانا، مظاهر الشعور بالرفض الصادرة عن بعض أبناء الخارجية الأصيلين ،فيها ،تجاه من يفدون، عليها من حقول العمل الأخرى، وهو منهم، ويتولون فيها وظائف سامية،هي في الأصل، مخصصة لأبناء الدار. فكان صاحب هذا المصطلح ، يقول في الدفاع عن نفسه، وعن قلة، من زملائه الوافدين ، لزملائه الخلص من أبناء الدار: إننا يبنكم « طمي د بلوماسي » لانزيد حقلكم الخصيب ، بما فيه من كفاءات أصيلة مشهود لها بطول الباع، إلا خصوبة ..

وقد عادت بي الذكرى، الى هذا الاستعمال العابر الطريف ،عندما دعيت للمشاركة، بكلمة وفاء، باسم الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين ، في أربعينية المرحوم الزميل الفاضل العزيز، لكون كلمة

الطمي هي من قاموس العلوم الفلاحية التي تخرج بها ،الفقيد من الجامعة التونسية ،فأكون قدعثرت ،دون أن أقصد ،على ما يسمى ،في علوم البلاغة العربية، ببراعة الاستهلال .
وكذلك لكون المرحوم كان من أبرز الوافدين، هو أيضا،على الحقل الدبلوماسي، وفود الطمي المخصب ،عندما دفعه مجرى نهر السياسة الهادر، في جدول وزارة الشؤون الخارجية، طميا كان خصبه أسرع من انهمار غيث، وعطاؤه أجدى من حرث سنين.

وعندما استعرضت المسيرة الموفقة لصديقي الفاضل ،في السفارات الثلاث التي تولاها،فيما بين 1990و2007 تساءلت، عن هذا السر العجيب الذي يكمن وراء نجاحاته التي يتداولها المختصون ، من أهل

الدار،ويتحدث ،بها، الذين شهدوا بعض جوانبها ،وغابت عنهم ،منها ،جوانب كثيرة ،لم يكن من شأنها،في ضوابط العمل الدبلوماسي ، أن تعلن .
وابتداء ،فأن يتم اختياره ،أولا ، لمهمة سفير فوق العادة ومفوض للجمهورية التونسية،لدى الجمهورية العربية السورية ،بدمشق، في بداية تسعيينيات القرن العشرين، ليس أمرا سهلا، ويعني فيما يعني أن الرجل مهيأ للمهام الدقيقة ،لأن العلاقات الثنائية ،بين تونس وسوريا ،كانت في تلك الفترة لما تتخلص من رواسب تاريخ حافل ، تراكمت فيه ،ظلال من ظنون الإثم المتبادل ، ،نشأت،ربما عن غير رشد ،منذ فجر الدولة الوطنية التونسية الحديثة،في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي ، انعكاسا لمفاهيم متناقضة عن القومية العربية ،وعن منزلة الخاص والمشترك ،من الهوية، ، وعن أولويات القضايا الكبرى، العربية والإقليمية والدولية،وعن اختلاف زوايا الاستشراف لأبعادها،وما ترتب عنها من الخيارات الاستراتيجية المصيرية لبلدينا ،في كل ذلك .

كما إن الوضع الذي كانت تمر به منطقة الشرق الأوسط عامة، والمشرق العربي خاصة ،والتي تعتبر دمشق أحد مراكزها الحساسة والهامة،وكان رئيس سوريا، حافظ الأسد ،بحزب البعث العربي الاشتراكي فيها

،يخوض معركة مصير، في غمار « عاصفة الصحراء » الشهيرة،وما أفضت إليه من سقوط دولة البعث ورئيسها الراحل صدام حسين ،في العراق،ومن اهتزاز أركان النظام العربي،على ضعفه الجنيني، ومن بدايات سنين الإرهاب العجاف التي اتخذ ت، من شباب الأمة العربية، وقودا ما نزال نعاني من أواره ، ونصرف، من الجهود المضنية لإطفاء لهيبه .
في هذا الوضع ،تحمل فاضل خليل مهمة تمثيل تونس ،التي كانت تؤوي بالاحضان والقلوب على أرضها قيادة الشعب الفلسطيني ،والأمانة العامة لجامعة الدول العربية،واتخذت لها موقفا، منذ انطلاق الشرارة الأولى لأزمة المنطقة،آنذاك، لم يكن من شأنه تسهيل مهمته، فنهض،الزميل الراحل بدور ليس أنسب لوصفه إلا بأنه يصعب على الكثير من محترفي العمل الدبلوماسي ،وربما على كثير من المحنكين فيه.
أقول هذا، دون تأثر بأية عاطفة ناشئة ،عن صداقة شخصية عريقة ووثيقة ،بيننا ، ،لأني أقوله ،عن تجربة عشتها ، ولم يعشها غيري ،ذلك أني كنت، لحسن حظي ، السفير التونسي الذي خلفه ،في سوريا مباشرة ،عندما غادرها،عائدا إلى تونس ،لتولي مقاليد وزارة الشؤون الاجتماعية سنة1992.

ليس لي، ولا في استطاعتي بصورة تفصيلية، أن ألم بما لمسته ،شخصيا ، عن دور فاضل ،في سوريا، طيلة العامين اللذين قضاهما فيها ،وحسبي أن أقول إني لم ألاق ،بعده ، مسؤولا سوريا إلا وجدت لديه ،عن

فاضل ، ارتسامات أو ذكريات تفيض ثناء وتقديرا ، للدور الذي نهض به، مع مساعدين له أكفاء ، في تقريب وجهات النظر ، بين بلدينا ، وفي فتح مسارات لتعزيز التعاون، كان فتح بعضها قد بدأ ،قبله ،ولكن السير فيها كان ما يزال معتبرا عصيا.
أما الجهد العظيم الذي بذله لفائدة المواطنين التونسيين ،في دائرة مسؤولياته القنصلية، فكان دائما يذكر فيشكر،رغم ظروف صعبة موروثة وطارئة لها خصوصيات متصلة بطبيعة التركيبة العامة للجالية التونسية،هناك وآنذاك .
وحسبي ،في هذا المجال المرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تنقية العلاقات الثنائية مما بني على ظنون الإثم، أن اذكر قضية طالما أرقت الطلبة التونسيين الدارسين في سوريا، والذين كان مشكوكا في تأثرهم بمناخ التوتر الموروث والمتبادل ،بين بلدينا ،وهي توفق المرحوم في إقناع أصحاب القرار،في تونس،بضرورة إلغاء الصعوبات الإدارية الصارمة التي كانت تعترض أغلبيتهم ،في نيل جواز السفر التونسي، بصورة طبيعية ،متسلحا بأن ذلك أصبح غريبا ،بعد أن سويت ،من قبل،وضعية مواطن تونسي معروف أنه انتمى للبعث ، بل وارتقى في مراتب المسؤولية الحزبية حتى بلغ عضوية القيادة القومية في سوريا، بعد أن كان،نتيجة ذلك، محروما من جواز السفر التونسي ،ومطلوبا أمنيا ،وكان هو، بدوره، لا يبخل بأي جهد، في إظهار عدائه لنظام الحكم في بلاده ،ولكن وضعه تبدل ،وأصبح (أبوسليم ) وهذا،عند رفاقه البعثيين، اسمه الحركي ،متصالحا مع نظام بلاده ،متمتعا بجوازسفره التونسي، ،يلتقي، ولو بمقدار، بمن لهم بالسفارة التونسية صلة ،ويتصل ، عند الحاجة ،بالسفير ،ويقضي بعض أيام من السنة في بلاده.

أما في الدور الذي لعبه المرحوم في تقديم صورة تونس ،في المحافل الدبلوماسية العربية والأجنبية في دمشق، فحدث ولاحرج ،حيوية في الحركة ،وتنوع في الاتصالات ،وحضور مميز في المناسبات واللقاءات ،

ومهارة في كسب الصداقات ، وحنكة في النفاذ الى المعلومات ،وقد يكون من أبرز التجليات، لذلك ،أن شهدت سفارة تونس بدمشق،وهو على رأسها ، حدثا أعتبر، في الأوساط الدبلوماسية مهما، حين كانت المكان المفضل للقاء ثنائي مغلق ومشهود جمع بين وزيري خارجية تونس ( الحبيب بن يحيى) و خارجية الولايات المتحدة الأميركية (جيمس بيكر) وأن يكون اللقاء،معتبرا، من البواكير المسجلة ،في المسيرة التي أفضت ،سنة1991،إلى انعقاد (مؤتمر مدريد للسلام) ،وما تلاه من تطورات في سبيل الحل السلمي للقضية الفلسطينية ..
يوم غادر المرحوم الفاضل سوريا، إلى أعباء الوزارة في تونس ، ترك ،وراءه، ذكرا طيبا ،لدى السوريين، ولدى الدبلوماسيين، وخاصة لدى المواطنين التونسيين المقيمين في الشام ، وهؤلاء واولئك،جميعا ،كان العديد منهم يذكر عنه « الآلة السحرية » التي بها كان يفتح الأبواب المستعصية ،وهي ما يردده ،لتأكيد صدقه قولا ،وجده عملا،ووضوحه موقفا : « إني لست دبلوماسيا « كأنما هو يريد، بروحه الخفيفة وقدرته على النفاذ المقنع ، ان يكون استثناء من الصورة النمطية للدبلوماسي المحترف ،لأنه أدرك أنها غير مناسبة للمقام ،في سوريا ،وهي انطباع شائع ،فعلا ، عند غالبية واسعة من الناس،وإن كانت ليست دائما مطابقة للواقع عن الدبلوماسي .

لقد كانت الدبلوماسية التونسية محظوظة ،عندما استرجعت الفاضل ، بعد الوزارة ،رغم نكرانه الذرائعي للانتساب إليها، وبعثت به الى (النمسا) ليخوض حقل الدبلوماسية متعددة الأطراف ،وفيها ربما يكون قد طوى

،في غمد وثيق، « سلاحه السحري » في سوريا ،و أظهر قدرات أخرى دبلوماسية بالأساس كان ألف استعمالها، قبل ان يفد على وزارة الخارجية، وذلك حين كان مسؤولا عن التعاون الدولي ،في ديوان وزير الفلاحة ،حسان بالخوجة الذي يذكر بعض أصدقاء الفاضل أنه يقدمه أحيانا ،ممازحا،بالقول « هذا وزير خارجيتي » .
وقد كانت المرحلة النمساوية، في مسيرته الدبلوماسية ، ثرية وجامعة ،بين العمل لصالح البلاد ،في مجالات عديدة ،في نطاق التعاون مع بلد متقدم ومنظم تسعى بلادنا للاستفادة منه،وفي مجالات التعاون الدولي مع منظماته المقيمة هناك،وبين الاستجمام ونيل ما توفره ليالي الأنس في( فيينا )ُقبل أن تناديه مواهبه الفريدة ، إلى العودة لتحمل المهمات الدبلوماسية الكبرى، والصعبة ،والشائكة والدقيقة ،التي تكتسيها دبلوماسية الجوار.
في الجوار المباشر:
لدبلوماسية الجوار طقوس و مقاربات ومناهج يطول الحديث فيها ،وليس المقام ،اليوم ،مقامه ،ولكن في ما يتعلق ببلادنا ،واستقراء لنوعية السفراء الذين تحملوا أعباءها ، منذ استقلال البلاد سنة 1956 ،يمكن الخروج بصورة غير مطلقة ،ولكنها غالبة ،تظهر أن أكثرهم كانوا أقل دبلوماسية ،وأكثر تسيسا ، وأن الدبلوماسيين ،منهم كانوا، ذوي كفاءة عالية، وكانوا ،غالبا،على قدر كبير من التسيس والنضالية.

.
ولابد أن تتوفر لدى دبلوماسي الجوار معرفة عميقة بالمحيط البشري الذي سيعمل فيه، وخاصة بالميزات الغالبة، فيه،من مدونة طبائع الشعوب ، والقدرة على استحضار تاريخ العلاقات الثنائية ، واستكناه تأثيراتها

السيئ منها والمحمود.
وتكون له المهارة في تنسيب السيئ وتضخيم الحسن، وفي معرفة مراكز القرار الفعالة ،والاهتداء الى الكيفيات المناسبة ،التي توصله إليها .
وكثيرا ما يصبح الدبلوماسي ،في حقول الجوار ،مدعوا ليكون شبه سفير للجارين ،كل منهما لدى الآخر، فيكون كالوسيط ، ما استطاع ،ولكن شرط هذه المنزلة ليس سهلا ،ولا متاحا لكل السفراء ،وهو أن يكون مسؤولو بلاده يثقون في رأيه ، ليرفعوه الى مستوى المستشار البصير.
وما لم يكن له كل هذا فهو مهدد بالفشل،إلا إذا كانت رياح المعادلات الكبرى تجري في صالح مساعيه.
وخلاصة ما ينبغي أن يكون لسفير تونس في الجزائر:وطنية صميمة ورشيدة ،ومعرفة شاملة وعميقة ومكانة، لدى مسؤولي بلاده، محترمة ،ومنزلة رفيعة، وقراءة فطنة للمحيط الذي يتعامل معه ،وحظوة مكتسبة ،بحكمة، لدى الكبار من قادة البلد المضيف .

ويكاد يكون من المسلم به أن المرحوم الفاضل، زيادة عن ظرف تاريخي مناسب للتعاون ، كان له من كل هذا الكثير، أكتسب بعضه بما وهبه الله من قدرات جبلية وفكرية خلاقة، وبعضه بما أثبته ، في مساراته

المهنية المتنوعة من ابتكار للمقاربات ،وتخط للمعرقلات ،وتوج ذلك بما حظي به،عن جدارة، من مكانة رفيعة لدى الأخوة كبار مسؤولي الجزائر، طيلة السنوات التي قضاها بينهم، والتي لم يمكثها احد، من السفراء التونسيين في الجزائر، قبله ،ولا، حتى الآن، بعده .
ولابد من القول في هذا السياق أن المرحوم سعى حثيثا ،لدى رئيس الدولة شخصيا ،مستعفيا من المهمة التي طالت وأرهقته،فاستجاب له شاكرا جهوده،، ومنوها بنتائج سفارته .
رحم الله الفاضل العزيز ،وجزاه خير الجزاء ،عما قدم لبلاده من عمل مفيد ،وبارك له في من خلف،بيننا ،من ذرية صالحة ،ورفيقة درب،طويل، فاضلة، ستظل بيننا أختا أثيرة، و(زهرة) فواحة ،من دوحة فاضل صديق ،و خليل رفيق. /.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire