كلمة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في إفتتاح أشغال الدورة 71 للجمعيّة...

كلمة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في إفتتاح أشغال الدورة 71 للجمعيّة العامة للأمم المتحدّة بنيويورك

0
PARTAGER

فيما يلي النص الحرفي للكلمة التي ألقاها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي مساء الثلاثاء20 سبتمبر 2016 في نيويورك من أعلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في بداية دورتها الحادية و السبعين:
السيّد الرّئيس
السيّد الأمين العام،
أصحاب الجلالة والسّموّ والفخامة،
أصحاب المعالي والسّعادة، حضرات السيّدات والسّادة،
اسمحوا لي أن أتوّجه في البداية إلى السيّد بيتر تومسون (Peter Thomson)، رئيس الدّورة الحاديةَ والسّبعين للجمعيّةِ العامّةِ للأمم المتّحدة، ومن خلاله إلى بلده فيدجي(Fidji) الصّديق، بخالص التّهاني على الثّقة التي حظيَ بها لإدارة أشغال هذه الدّورة التي نُعلِّق عليها آمالاً كبيرة في مزيد تكريس أهداف ومقاصد مُنظمتِنا العتيدة وإعطاء الدّفع المنشود للتّعاون والتّضامن الدّوليين.
كما أغتنِمُ هذه المناسبة لأعبّر لمعالي السيّد بان كي مون (Ban KIMOON)، الأمين العام للأمم المتّحدة، عن فائقِ شكري وتقديري لما يبذُله من جهود قيّمة ومبادرات خيّرة في سبيل إعلاء القيم والمبادئ الأمميّة النّبيلة.

حضرات السيّدات والسّادة،
تتزامنُ الدّورة الحالية للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة مع احتفال تُونس بالذّكرى السّتّين لاستقلالها وقيام دولتها الحديثة، وبمرُور ستّين سنة على انضمامها إلى منظّمة الأمم المتّحدة.
وهي مناسبةٌ لتأكيد تمسّك تونس الثابت بالمبادئ والقيم التي قامت عليها المنظمة، وعلى استعدادها الكامل لمواصلة المساهمة الفاعلة في اضطلاع المنتظم الأممي بمهامّه من أجل إقرار السّلم والأمن وتعزيز حقوق الإنسان والتّنمية في العالم.
حضرات السيّدات والسّادة،
تخوضُ تونس اليوم تجربة فريدة على طريق البناء الدّيمقراطي اعتمدت التّوافق الوطني كسبيلٍ لإدارة الخلافات السّياسيّة وتأمين المسار الانتقالي من الانتكاسات. وهو ما مَكَّنَ من تحقيق مكاسبٍ سياسيّةٍ هامّة بدءًا بوضع دستور توافقي عصري وتنظيم انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة شهد لها العالم بالنّزاهةِ والشّفافيّةِ.
وقد عزّز النّهج التّوافقي ثقة التّونسيّين في قُدرَتِهِم على تجاوزٍ الصِّعابِ ورفعٍ التّحدّيات. كما أهَّلَ الرّباعي الرّاعي للحوار الوطني لنيل جائزة نوبل للسّلام لسنة 2015 التي جاءَتْ تَتْويجا لجهدٍ جماعيٍّ مَكّن من تصحيح المسار السّياسي للبلاد وإخراجها من أزمةٍ سياسيّةٍ خانقة.
حضرات السيّدات والسّادة،
إنّ ما حقّقته التّجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة من إنجازات ما يَزالُ في حاجةٍ إلى تدعيمٍ في ظلّ واقعٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ هشّ. فرغم مرُور أكثر من خمسِ سنواتٍ على ثورةِ 2011، مازالتْ تونس تُجابِهُ تحدِّياتٍ هائلة في سبِيلٍ تحقيق شروط الانتعاش الاقتصادي وتحسين ظروف العيش. وهو ما حتّم علينا إطلاق مُبادرة جريئة تُلبِّي انتظارات التّونسيّين.
وفي هذا الإطار، تنزّلت دعوتُنا إلى تكوين حُكومة وحدة وطنيّة قادرة على الاستجابة لمتطلّبات المرحلة الجديدة، خاصّة كسب الحرب على الإرهاب وتسريع نسق النّمو والتّشغيل ومقاومة الفساد، علاوةً على إرساء مقوّمات الحَوْكمة الرّشيدة وتنفيذ سياسات اجتماعيّة ناجعة.
وقد حظيت هذه المبادرة بمساندةٍ واسعة من قبل عديد الأحزاب السّياسيّة والمنظّمات الوطنيّة وتُوّجت بتشكيل حكومة وحدة وطنيّة بقيادةٍ شابّة وبمشاركةٍ هامّة للنّساء تُؤكّد عزيمتنا في تمكين الشّباب والمرأة من تَبَوُّءِ مكانةٍ رياديّةٍ في اتّخاذ القَرار وإيجاد الحُلول.
حضرات السيّدات والسّادة،
إنّ تونس التي قطعت منذ 2011 مع أساليب الحُكم السُّلْطَوي التحقت بمَصافِّ الدّول الدّيمقراطيّة عبر إعادة الشّرعيّة للنّاخب والعُلويّةِ للقانون. وهي تُؤكّد على عزمها في المُضِيِّ قُدُمًا في مَنْهجَ الحريّة والدّيمقراطيّة والتّصدّي لكلّ محاولات الانتكاس أو العودة إلى الوراء.
ومع ذلك، ما تزالُ التّجربة التّونسيّة الفتيّة تُواجه تحدّيات اقتصاديّة واجتماعيّة غير مسبوقة تُهدّد مسارها، في ظلّ وضعٍ اقليميٍّ متوتّر تطغى عليه النّزاعات والإرهاب.
وهو ما يستدعي دعمًا ومجهودًا استثنائِيَيْن من قِبَلِ شُركاء تونس لمساعدتها على تخطّي الصّعوبات ودفع التّنمية بالجهات الدّاخليّة وتوفير فرص الشغل خاصّة للشباب من حاملي الشهادات العُليا.
وفي هذا الإطار، ستحتضنُ تونس يوميْ 29 و30 نوفمبر 2016 مُؤتمرًا دوليّا لدعم الاقتصاد والاستثمار، بمشاركة رؤساء دول وحكومات ومؤسّسات دوليّة وصناديق استثماريّة وممثّلين عن القطاعيْن العام والخاص والمجتمع المدني. وهي مناسبةٌ لأشقّائنا وأصدقائنا لتأكيد تضامنهم ودعمهم لتونس وبنائها الدّيمقراطي في هذه المرحلة الدّقيقة.
حضرات السيّدات والسّادة،
يكتسي موضوع النّقاش العام لدورتنا الحاليّة « أهداف التّنمية المستدامة: دفعة عالميّة لتحويل عالمنا » أهميّة بالغة لارتباطه بتنفيذ أجندة التّنمية المستدامة لعام 2030.
وإنّ تونس الّتي تبنّت الأهداف الطموحة لخطّة التّنمية، لا تدّخر جُهدًا في تنفيذها وجعلها مُكوّنًا من سياستها التّنمويّة الوطنيّة. وهي تدعو بهذه المناسبة كافة شركائها إلى مضاعفة الجهود قصد مساعدة الدّول النّامية على تحقيق أهداف التّنمية المستدامة وتقديم الدّعم المنشود، لاسيما لبُلدان القارّة الإفريقيّة الّتي تشكو من عديد الصُّعوبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة.
إنّ جَسَامةَ هذه التّحدّيات تتطلّب وقفة تضامنيّة حازمة من المجتمع الدّولي لدعم المؤهّلات والطّاقات الواعدة للقارّة الإفريقيّة وتعزيز فرص تحقيق التّنمية في جميع رُبوعها بما يُساهم في ترسيخ دعائم السّلم والأمن والاستقرار بها وفي الوقاية من النّزاعات والتّصدّي للتّطرّف والإرهاب.
وإنّنا نُجدّد في هذا المقام التزامنا بخطّة تنمية إفريقيا لعام 2063 الّتي تُمثّل خُلاصة طموحات وتطلّعات شعوب القارّة.
وانطلاقًا من التّرابط الوثيق بين السّلم والأمن والتّنمية، نُجدّد التزام تونس بتعزيز مُشاركتها في عمليّات حفظ السّلام الأمميّة ولعب دورٍ نشيطٍ في دعم قُدرات القارّة الإفريقيّة، سواءً بالإطارات المدنيّة أو بالوحدات العسكريّة.
حضرات السّيدات والسّادة،
إنّ ما تشهده المنطقة العربيّة من تفاقم النّزاعات يبعث على القلق والانشغال الشّديدين، حيث استشرت مظاهر العنف والتّطرّف والإرهاب وشتّى أنماط الجريمة المنظّمة، بما يُهدّد أمن واستقرار بُلداننا دُون استثناء.
ولإنّ أمن واستقرار المنطقة العربيّة جزءٌ لا يتجزّأ من أمن واستقرار العالم، فإنّنا ندعو إلى إيجاد تسويات سياسيّة عاجلة لقضايا المنطقة وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينيّة الّتي تحتاج إلى حلٍّ عادل وشامل يُنصِف الشّعب الفلسطيني ويضع حدًّا لمعاناته ويُمكّنه من استرداد حقوقه التّاريخيّة المشروعة لاسيما إقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشّريف وفقًا للمرجعيات الدّوليّة ذات الصّلة.
كما أنّ انشغالنا بالأزمة اللّيبيّة سيبقى قائما في ظلّ تواصل حالة عدم الاستقرار في هذا البلد الشّقيق والتّداعيات المباشرة لهذا الوضع على أمننا واقتصادنا.
ونحنُ ملتزمون بمواصلة دعم التّوافق بين الأشقّاء اللّيبيين لاستكمال تنفيذ بقيّة مراحل الاتفاق السّياسي الّذي رعته الأمم المتحّدة. كما أنّنا سنواصل دعم حكومة الوفاق الوطني حتّى تتمكّن من الاضطلاع بمهامها في إعادة الأمن والاستقرار ومجابهة الإرهاب وتحسين ظروف عيش المواطنين في ليبيا.
وإذ تُتابع تونس بقلق وانشغالٍ كبيريْن ما آلت إليه الأوضاع بكلٍّ من سوريا واليمن، وما نتج عن ذلك من تداعيات أمنيّة وإنسانيّة مأساويّة، فإنّها تؤكّد على ضرورة تضافر الجهود الإقليميّة والدّوليّة من أجل إيجاد تسوية سياسيّة بالبلدين بما يحفظُ وحدتهما الوطنيّة ويضع حدًّا لمُعاناة شعبيهما.
حضرات السّيدات والسّادة،
لقد أراد الكثيرون لتونس أن تكون نموذجًا فيما يسمّى دول الرّبيع العربي، ولكنّ شعبَها أرادَ لها أن تكون استثناءًَ في مُحيطٍ اقليميٍّ صعب وغير مستقرّ.
وأصبحت تونس الصّغيرة بحجمها، كبيرة بإشعاعها، فَأَثْبَتَ أبناؤُها انّ للدّيمقراطيّة مكانٌ لدى الشعوب والدّول المسلمة، مُفَنّدَةً المَزاعِم بأنّ الإسلام يتعارضُ مع الدّيمقراطيّة.
إنّ الشّعب التّونسي الفخور بكلّ الحضارات الانسانيّة التي تعاقبت على أرضه، أرض علّيسة وحنّبعل وإبن خلدون والحبيب بورقيبة، يستحقّ وِقفةَ دعمٍ ومساندة من الدّول الشقيقة والصديقة ليُواصل مسيرة البناء الدّيمقراطي والرُّقيّ الإجتماعي.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

bce-onuessebsi-onu-1essebsi-onu

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire