محاضرة الدكتور الهادي جلاب

محاضرة الدكتور الهادي جلاب، المدير العام للأرشيف الوطني حول العلاقات الخارجية لتونس في الفترتين الحديثة والمعاصرة

.

 

استقلالية القرار الوطني التونسي:

 

في 13 نوفمبر 1958 أعلن بورقيبة إعتناق تونس مبدأ عدم الانحياز وقرار الحكومة شراء الاسلحة من اسبانيا ويوغسلافيا وتشيكسلوفاكيا بعد فشل مساعي شرائها من أمريكا وبريطانيا.

وبالفعل كانت مصالح تونس وقضايا العرب العادلة هي المحدّدة في مواقفه فقد وقف بورقيبة موقفا صارما تجاه الولايات المتحدة الأمريكية عند اجتياح اسرائيل للبنان 1982 وعند قصفها لحمام الشط سنة 1985.

نعت بورقيبة من قبل « اخوانه العرب » بأنه رجل الغرب ورجل أمريكا لكنه لم يكن كذلك بل لعلّه أقلهم تورّطا في الموالاة لهذا الطرف أو ذلك وأكثرهم حرصا على استقلالية القرار الوطني.

كان يعتقد أن موقع تونس الجغرافي ومصالحها العليا تحتم عليها الإرتباط بأوروبا وخاصّة أوروبا الغريبة بأكبر قدر ممكن دون السقوط  في معاداة المجموعة السوفياتية. وبالفعل كانت لتونس علاقات واتفاقات مع دول الكتلة الشرقية منها ما كان متميزا مثل تلك التي ربطتها مع دول بلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا. كما كانت تونس من أوّل الدول التي اعترفت بالصين الشيوعيّة.

وفي هذا السياق كان الإنتماء للفضاء الفرنكفوني وسيلة لكسر الإحتكار اللغوي والثقافي الذي تمارسه فرنسا لأن هذه اللغة نافذة على العالم وهي ملك لبلدان أخرى لنا معها مصالح مثل كندا وبلجيكا وسويسرا وعديد البلدان الإفريقية.

تونس وحركات التحرّر ومناهضة الميز العنصري :

أبدت تونس تعاونا وتضامنا فعالا وبناءا ومتواصلا مع حركات التحرر عموما وحركة التحرّر الجزائرية بالأخصّ وكان لبورقيبة موافق مشرفة من هذه القضية حيث دعى في رسالة إلى مسالي الحاج بتاريخ 22 جانفي 1959 قال له بأن التاريخ يحفظ أنّك أب الوطنية الجزائرية وعبّر له عن أسفه بأن يتم تجمّع الجزائريين وتوحدهم من أجل استقلالهم بدون مسالي الحاج وربّما ضدّه.

وكان قبل ذلك بسنوات عديدة وفي رسالة بتاريخ 29 جويلية 1946 وجهها لفرحات عباس طالبه فيها بالإلتحام بمسالي الحاج وبحزب الشعب الجزائري لأن في ذلك نجاة الشعب الجزائري. وأن يبتعد عن وهم « الإتحاد الفرنسي » لأن ذلك مناورة من المناورات الاستعمارية ليس إلاّ.

ورغم التضامن الفعال الذي أبدته تونس مع الجزائر إلا أن بن بلة الذي فرضه جيش التحرير بالخارج ضدّ إرادة الحكومة الجزائرية المؤقتة أراد بالإتفاق مع صالح بن يوسف وعبد الناصر أن لا تتفاوض تونس حول استقلالها سنتي 1955و1956 وأن تواصل القتال مع الجزائر.

وكانت رؤية بورقيبة ترى الحل الأمثل في أن استقلال تونس يتيح وجود حكومة تونسية غر منخرطة في الحرب رسميا ولكنها تساند الجزائريين بشكل فعال وهو ما تمّ بالفعل. وكان أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة وأعون بذلك وكان هؤلاء أصدقاء لتونس ولبورقيبة. وفي وقت لاحق بعد استقلال الجزائر تخلت تونس عن مطالبها المتعلقة بالنقطة 233 وأمضت اتفاقية ترسيم الحدود مع الجزائر في 06 جانفي 1970.

كما وقفت تونس موقفا مبدئيا وحازما ضدّ الميز العنصري في جنوب افريقيا وساندت سياسيا وماديا المناضلين ضدّ هذا الميز وعلى رأسهم نلسن مندلا.

وفي اطار هذه الرؤيا الشاملة للعلاقات بين الدول وبعلاقة بمسألة الاستعمار وحركات التحرّر تتنزّل موافق بورقيبة من قضية فلسطين منذ ثلاثينات القرن العشرين.

 

تونس والقضية الفلسطينية:

فمنذ سنة 1937 أصدر مؤتمر الحزب الحر الدستوري التونسي (الجديد) في جلسته الختامية وبتاريخ 02 نوفمبر 1937 بيانا عبّر فيه عن تضامن الشعب التونسي الفعّال مع الشعب الفلسطيني في جهاده التحريري وفي 04 مارس 1946 كان لبورقيبة دور أساسي في اعداد مذكرة بلدان المغرب العربي (ليبياـ تونس الجزائر والمغرب) إلى اللجنة الأنجلو- أمريكية المكلفة بالتحقيق في القضية الفلسطينية.

وقد أتت هذه المذكرة على المبادئ والأفكار التالية :

– فضح النوايا الاستعمارية للحركة الصهيونية،

  • تضامن المغرب مع المشرق،
  • الأثر المدمّر للدعاية الصهيونية على العلاقة بين الجالية اليهودية والمسلمين بشمال افريقيا
  • ما يحدث بفلسطين استعمار استيطاني على غرار ماحدث بشمال افريقيا،
  • ما أتته الصهيونية من شطط هو الذي تسبب بقسط وافر في ويلات اليهود، شأنها شأن الزعماء النازيين،
  • حل القضية اليهودية ليس في فلسطين، انه في أوروبا وذلك برفع الظلم والاضطهاد عن اليهود بها.

وقد شارك في اعداد هذه المذكرة كل من :

  • الحبيب بورقيبة – تونس،
  • عمر الغولى – طرابلس،
  • الشاذلي المكي- حزب الشعب الجزائري،
  • أحمد المليح – حزب الاستقلال المغربي.

في ندوة صحفية بنيويورك (13 ماي 1961) وفي حديث عن القضية الفلسطينية أكد بورقيبة على « أن الأمر يتعلق بمسألة استعمارية، استعمار من نوع جديد ليست هيمنة شعب على شعب بل إحلال شعب مكان شعب آخر. فرنسا حاولت فرض أمر مشابه على الجزائر وبعد 130 سنة فشلت. »

وأضاف  » إن  العرب فرضت عليهم ظروف لا تختلف عن التي كان فيها اليهود أثناء الحرب العالمية الأخيرة.فالمشكل يتمثل اذا في وجود اسرائيل ويوم يتسنى للعرب ولليهود النازحين من أوروبا أن يلتقو وجها لوجه في ذلك اليوم ربما يمكن الحديث عن حل أو عن مفاوضات. هذه مظلمة وكان يتعين وضع حدّ لآلام شعب اسرائيل وبؤسه وتقتيله يكون مغايرا للحل الذي اختير وهو .. دولة اسرائيل على أرض يعيش فيها سكانها منذ قرون بحجّة أن الحياة أصبحت مستحيلة بالنسبة لليهود في ألمانيا والنمسا. »

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer