محاضرة الدكتور الهادي جلاب

محاضرة الدكتور الهادي جلاب، المدير العام للأرشيف الوطني حول العلاقات الخارجية لتونس في الفترتين الحديثة والمعاصرة

« هناك مظلمة نتألم منها مثلما نتألم لو اختير عوضا عن فلسطين قطر آخر مثلا ليطرد منه سكانه ويحل محلهم سكان آخرون. »

وفي مؤتمر القمة العربي الأول في 16 جانفي 1964 بالقاهرة أكّد « أن القضية الفلسطينية ليست قضية العرب وحدهم هي إحدى قضايا العصر وإحدى قضايا الإنسانية عامة. وأضاف أن هناك اعتقاد ضال بأن ما نزل باليهود يمكن جبره بالقهر وبسفك الدماء وتشريد الأبرياء. إن قضية فلسطين قضية لا تختلف عن قضية الأفارقة بجنوب افريقيا فهي قضية استعمارية. فمنذ 1948 أصبحت الدول العربية لا شغل لها إلا تحرير فلسطين ولم تفلح في ذلك وليس من المعقول أن تفلح إذا هي أصرّت على اعتبار أن سبيل تحرير فلسطين هي الحرب الكلاسيكية.

يجب أن نضع المشكل في إطاره الحقيقي وهو فلسطين وأن نعمل على بعث حركة المقاومة وأن نغذّيها بصورة مستمرة فعالة وأن نحتضنها كلفنا ذلك ما كلفنا من تضحيات لكن محور المقاومة يجب أن يكون في فلسطين، فالعبرة ليست بكثرة العدد أو ضخامة العدّة ثم ينبغي أن يصير المشكل يشغل العالم بأسره والدول لا تهتمّ بالقضايا العادلة إلا بقدر ما تحتد الأزمات. »

وذكر أن سنوات 1952، 1953 و1954 كانت تونس البلد الافريقي الوحيد الذي قاوم الاستعمار بمجموعات مسلّحة من المقاتلين الواعين. واضرموا حربا لم يكفوا عنها إلاّ بأمر من القيادة الحزبية. لذا على الفلسطينيين أن يقوموا بالدور الرئيسي وأن يقوم العرب بواجباتهم بصدق واخلاص كلّفنا ذلك ما كلّفنا مثلما فعلت تونس مع الجزائر رغم الإعتداءات الدامية والمتكرّرة. فقد وفّرت تونس للجزائر خطوط الرجعة مضمونة ومفتوحة.

يجب اخراج القضية إلى طور حاسم وطرحها على الضمير العالمي لأنها قضية جوهرها التعدّي بالقوة والقهر على شعب أعزل آمن في عقر داره. وأضاف « علينا أن  نقتنع أن هذا الكفاح سوف يطول وسوف يكون عسيرا وسوف يكون حتما على مراحل ». « والظروف على ما هي عليه لا يمكن أن نصل إلى الهدف مباشرة وإذا فكرنا في الظفر بالحل الكامل دفعة واحدة نكون قد تجاهلنا الواقع وحدنا عن الطرق الناجعة. وليس هناك طريقة ناجعة غير طريقة المراحل وهي لا تعنى التخلّي عن الهدف أو الرضى بأمور تافهة نضفي عليها لقب المراحل. بل أن طريقة المراحل الايجابية الثورية  أشبه ما تكون بالخطة الحربية التي ترمي إلى احتلال المراكز الحساسة التي تساعد على مواصلة السير والتوغل في الميدان والاقتراب أكثر فأكثر من الغاية القصوى. »

« لا بد من التمييز بين الحلول المنقوصة الايجابية الثورية التي تساعد على السير وتزيد من قوّة الكفاح وبين الحلول المغشوشة التي تعرقل السير وتوصد الأبواب وتزيغ بالكفاح عن الطرق النافذة.

ليس  هناك صلة بين هذه الطريقة والسلوك الذي عرف بمبدأ « خذ وطالب » والذي فيه ما لا يخفي من معاني الاستكانة والتسول والرضي بأي شئ ».

« إن اختيارطريقة في الكفاح مجازفة وشبه مراهنة على الأحداث وليست الأحداث دوما طوع اليد ولكن يجب على المسؤول أن يرضى بعبئ المسؤولية وما ينجرّ عنها من أخطار لشخصه وسمعته. »

وفي 18 جويلية 1964(الندوة الثانية لمنظمة الوحدة الافرقية بالقاهرة). انتقد بورقيبة تعاون بعض الدول الافريقية مع إسرائيل فهذا التعاون لا يساعد على تحقيق الوحدة الافريقية وأبرز تناقض في موقف بعض دول افريقية من الاستعمار داخل القاّرة وخارجها (فلسطين) وكذلك عاد بالقضية الفلسطينية إلى اتفاقية سان ريمو 1920 وإلى الانتداب البريطاني وفضح الدعايات الخادعة الغربية والصهيونية وقال « اقيمت دولة على انقاض العدالة وحقوق الانسان، شرد شعب من دياره وحكم عليه بأن يعيش حياة الذل والشقاء في الغربة والالتجاء والذين بقوا كتبت عليهم حياة الضيم والاعتساف لا تختلف في جوهرها عن حياة الافريقيين في جنوب افريقيا ».

وفي  03 مارس 1965 وأمام اللاجئين الفلسطينيين بأريحا ألقى الرئيس الحبيب بورقيبة كلمة لخّص فيها رؤيته للقضية الفلسطينية وإلى ما تردت فيه وأبرز ما قاله :

 » – العاطفة والمشاعر لا تكفيان للانتصار على الاستعمار رغم انهما ضروريان

  • اصحاب الحق يجب أن يكونوا في الطليعة
  • لا بدّ من قيادة حكيمة توفر أسباب النّجاح والزعيم المسؤول على نجاح المعركة عليه أن يتثبت في الطريق وأن يختار المسالك وإذا تبين أن الخط المستقيم لا يؤدّي إلى الهدف عليه أن يسلك سواه.
  • إذا كان المكافحون على استعداد للبذل والحماس بينما الإنتصار بعيد المنال رغم الجهود فإن مرجع العلّة يعود إلى القيادة دون ريب.
  • الدعوة إلى تحكيم العقل والإعتراف بأن المعركة ليست يسيرة لذلك وجب الإبتعاد عن سيادة الكلّ أو لا شيئ فهي سياسة لا تجرّ إلاّ للهزائم لأن تجزئة الكفاح إلى مراحل يسهّل على العدو قبول التنازلات.

وفي ختام كلمته قال بورقيبة  » أناشدكم الأخذ بهذه النصائح والأفكار » حتى لا نظل بعد سبعة عشر عاما أخرى أو عشرين أو مائة نردد بدون جدوى أغاني العودة والوطن السليب، ذلك أن كفاحنا إذا اقتصر أمره على العاطفة الملتهبة فحسب فإننا سنبقى على هذه الحال قرونا وقرونا.  »

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer