محاضرة السفير صلاح الدين عبد الله تونس و الجامعة العربية، البدايات الصعبة

محاضرة السفير صلاح الدين عبد الله تونس و الجامعة العربية، البدايات الصعبة

0
PARTAGER

السفير صلاح الدين عبد الله من قامات الدبلوماسية التونسية و من هاماتها الكبرى. كان من أوائل من انخرط في السلك الدبلوماسي التونسي الناشئ بعد الاستقلال مباشرة و تقلب في عديد المسؤوليات في الداخل و الخارج كما تحمل خطة سفير للجمهورية التونسية في عواصم كبرى في المغرب و العالم العربيين و إفريقيا، ختم مسيرته كسفير مندوب دائم لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك قبل أن يعود إلى تونس لإنشاء المعهد الدبلوماسي للتكوين و الدراسات لتعليم الأجيال الجديدة فنون العمل الدبلوماسي و قواعده. في أواسط سبعينات القرن الماضي عينه الزعيم الحبيب بورقيبة كاتب دولة للإعلام و لكن سرعان ما استرجعته الدبلوماسية لأنه كان من الصعب العثور من هو بحنكته و خبرته في التعامل مع الشؤون العربية وخاصة عندما يتعلق بالعلاقة مع مصر الدولة الشقيقة التي نرتبط معها بوشائج قوية و لكنها معقدة لأسباب تاريخية.
هذه الأسباب التي تتعلق أساسا بانضمام تونس إلى الجامعة العربية استعاد ذكرياتها السفير صلاح الدين عبد الله في محاضرة قيمة ألقاها صباح السبت الماضي على منبر الجمعية التونسية لقدماء السفراء و القناصل العامين برئاسة السفير الطاهر صيود وحضور كاتب الدولة للشؤون الخارجية صبري باشطبجي الذي كانت مشاركته رمزا لتواصل الأجيال ودعما لهذه التظاهرة التي تقام في إطار الاحتفال على مدى هذه السنة بستينية وزارة الخارجية.
في بداية محاضرته الشيقة عاد بنا السفير صلاح الدين عبد الله إلى الأحداث التي كانت تعيش على وقعها تونس غداة الاستقلال و حتى قبله نتيجة الخلافات العميقة بين الزعيمين الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف « التي اتخذت منحى خطيرا باللجوء إلى العنف مما كان يهدد بحرب أهلية » حسب قول المحاضر و هذا التذكير كان ضروريا لأن الخلاف المشار إليه كانت له تداعيات على العلاقة مع مصر نتيجة انحياز القيادة المصرية لشق بن يوسف. يحملنا المحاضر بعدئذ إلى أجواء القاهرة حيث بداية مسيرته الدبلوماسية كمساعد أول للسفير ثم كقائم بالأعمال عندما أقدمت تونس على سحب سفيرها هناك الطيب السحباني.
عادت الذاكرة بصلاح الدين عبد الله إلى أوائل أكتوبر 1958 و هو الزمن الذي اختارته تونس للانضمام للجامعة العربية-وقد مضى على استقلالها سنتين و نصف-و كان ذلك نزولا عند رغبة العراق الذي أوفد وزير خارجيته لاستحثاث تونس على الالتحاق بالجامعة. وإذا بنا نتابع خطوات المرحوم الحبيب الشطي سفير تونس في بيروت الذي كلٌف برئاسة الوفد التونسي لاجتماع الجامعة العربية المنعقد في مقرها القديم بباب اللوق وسط القاهرة، هاهو يؤدي زيارة مجاملة للأمين للجامعة عبد الخالق حسونة ثم يلتقي السفير المغربي و مندوبها لدى الجامعة عبدالخالق الطريس ثم ها نحن في مقر الجامعة « في جو مكهرب زاده ضيق المكان حرارة و احتقانا » تشرأب بنا الأعناق لنستمع لكلمة المندوب التونسي وهو « يشير إلى رفض تونس لأي مس بكرامتها و يطالب الجامعة بعدم مناصرة القوي على الضعيف و اجتناب وقوع أعضائها في حب الهيمنة و الاستبداد بالرأي » و هو ما اعتبره المحاضر إشارة واضحة للخلاف مع مصر و يضيف « حال انتهاء الحبيب الشطي من قراءة خطابه انبرى له عبد الحميد غالب رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة مستنكرا ادعاءات لا تستند إلى الحق و إلى العدل و انسحب مع أعضاء وفده » ثم هانحن نسترق السمع و كأننا في قاعة الاجتماع وكان « الصمت الرهيب مسيطرا على القاعة » للمندوب التونسي و هو يتلو بيان الحكومة التونسية حول مآخذ تونس تصريحا هذه المرة و ليس تلميحا كما كان في بداية الجلسة.رئيس الجلسة يقاطع الحبيب الشطي و لا يترك له المجال لإنهاء بيانه « تحاشيا على حد قوله لتأزيم الوضع » في حين يفتح المجال للتعاليق السلبية من طرف بعض الوفود. ينتهي الاجتماع دون أن يتم رئيس الوفد التونسي إلقاء بيانه ثم يقع تنظيم ندوة صحفية بحضور مراسلي وكالات الأنباء العربية و الأجنبية بغية كشف الأسباب الكامنة وراء الأزمة و تصدر الصحف من الغد وقد « قٌلبت الحقائق و تم تكييف التصريحات حسب هواها »ثم يقول صلاح الدين عبد الله « جاءتنا التعليمات لغلق السفارة و تسليم مفاتيحها للسفارة الليبية على أن تتولى ليبيا تمثيل المصالح التونسية  » في مصر.
السفير صلاح الدين عبدالله لم ينس، و هو يستعرض هذه الذكريات الدرامتيكية التي لا زالت حية في ذاكرته، أن يستذكر كذلك استئناف العلاقات التونسية المصرية بعد قمة بلغراد لحركة عدم الانحياز في سبتمبر 1961 و هي فرصة اغتنمها بورقيبة و عبد الناصر للتصالح و هكذا عادت العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها بتعيين سفير جديد هو أحمد المستيري و قد تمت في هذه الفترة زيارة الرئيس جمال عبدالناصر إلى تونس لحضور احتفالات بنزرت بجلاء القوات الفرنسية « و مازلنا نذكر حرارة الاستقبال الشعبي الذي خص به عبد الناصر وبن بلة و الجسن الرضا ولي العهد الليبي و ممثل ملك المغرب عبد الهادي بوطالب بهذه المناسبة تقديرا لتضامن هؤلاء القادة و شعوبهم مع الشعب التونسي »، حسب قول المحاضر.
العلاقة مع مصر تعود للتشنج مرة أخرى بعد الجولة التي قام بها الرئيس بورقيبة في ربيع 1965 إلى بلدان المشرق العربي و خطابه الشهير في أريحا وهو ما يؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مرة ثانية قبل أن تعود إلى طبيعتها بعد حرب جوان 1967 « و استمرت لحد الآن و الحمد لله على وتيرة طبيعية لم تشبها شائبة » حسبما جاء في خاتمة المداخلة.
أهمية محاضرة السفير صلاح الدين عبد الله لا تخفى على أحد باعتبارها تناولت فترة رئيسية في مسار الدبلوماسية التونسية عند نشأتها وقد تبين من خلالها ركائز السياسة الخارجية التونسية و مبادئها الأساسية و أصولها و في مقدمتها الدفاع عن استقلالية القرار التونسي و رفض المس من الكرامة الوطنية فضلا عن الوقوف بشدة أمام التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية و المحافظة على المصالح التونسية مهما كانت التكاليف. في الوقت الذي تتولى فيه تونس رئاسة مجلس الجامعة العربية التذكير بهذه الثوابت مهم حتى و إن اختلفت الأزمان و تراجع دور ما كان يجب أن يكون « بيت العرب » الذي يجمع شتاتهم و يتولون تحت سقفه حل معضلاتهم.
رؤوف بن رجب
صدر المقال في جريدة الشروق 25/09/2016

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire