محاضرة السيد محمد جنيفان الدبلوماسية التونسية، الثوابت و المتغيرات

محاضرة السيد محمد جنيفان الدبلوماسية التونسية، الثوابت و المتغيرات

0
PARTAGER

محاضرة متميزة ألقاها صباح السبت السفير محمد جنيفان بمبادرة من الجمعية التونسية للسفراء و القناصل العامين تحت عنوان »الدبلوماسية التونسية: الثوابت و المتغيرات » بمقر مؤسسة الأرشيف الوطني و ذلك في إطار إحياء الذكرى الستين لإنشاء وزارة الشؤون الخارجية.
ترأس الجلسة السيد الطاهر صيود رئيس الجمعية الذي تولى تقديم المحاضر و التعريف بمسيرته و قد مثل وزارة الشؤون الخارجية السفير محمد المزغني المدير العام بالوزارة الذي ألقى كلمة نيابة عن كاتب الدولة للشؤون الخارجية صبري باشطبجي.
:ننشر نص المحاضرة فيما يلي.
محاضرة في إطار الاحتفال بالذكرى الستين لبعث وزارة الخارجية التونسية عنوانها
سياسة تونس الخارجية:الثوابت والمتغيرات(16نوفمبر2016)
إعداد: محمد جنيفان

تقديم
أيها السيدات والسادة، الإخوة والأخوات ،الزملاء الكرام.
يسعدني أن تتاح لي فرصة مشاركتكم في الاحتفاء بهذه الذكرى الوطنية العزيزة،ذكرى عودة وزارة الخارجية ،وما تمثله من رمز سيادي عظيم،في التاريخ المديد لوطننا العريق .
وأبدأ بالإعراب عن التقدير والامتنان للسيد خميس الجهيناوي وزير الشؤون الخارجية ، ولكوكبة مساعديه، وللأخ الطاهر صيود رئيس الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين والزملاء من أعضاء هيئتها، الساهرين على تنظيم هذه المحاضرات.
الثوابت والمتغيرات موضوع،للبحث في السياسات الخارجية للدول،واستقصاء مدلولاتها الظاهرة والمتسترة، أو استشراف مدى جريانها في سياق الثبات المعهود،أوفي خروجها عن ذلك السياق، بتأثير عوامل جديدة تنسب إلى المتغيرات.
في المفاهيم والجدلية

الثوابت
فالثوابت هي مالا يتغير، عادة، من منطلقات السياسة الخارجية لبلد ما، ولذلك يطلق عليها،أيضا،القواعد والركائز والمبادئ،وعادة،ما تكون مرتبطة،شديد الارتباط،بكل ما يحقق المصالح الأساسية لأي بلد،كما يتصورها أهله،في مختلف المجالات الإستراتيجية، بأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية وغيرها،مما يعتبر حيويا،وهي تشكل منظومة تبنى،بأناة وعن دراسة عميقة، من خلال ما يتوارثه أهل البلد ،من تجارب وجودية في علاقاتهم بالآخرين،في المجالات المباشرة والإقليمية والدولية، وبما يعتنقون من قيم، وبما يتوفر عليه بلدهم من مصادر قوة ،أو مكامن ضعف،ليوظف كل ذلك في الخطط التي ينبغي اتباعها للحفاظ على سيادة الدولة ،وعلى مصادر قوتها، ولتعزيز مكانتها في العالم.
والثوابت معلنة أو مضمرة ترتبط ارتباطا وثيقا بالدور الذي تعطيه الدولة لنفسها،في الداخل، وفي المحيط المباشر والدولي.
فليست ثوابت الدولة التي تعتبر نفسها مدعوة لرسالة إيديولوجية،أو عرقية،أو عقدية، أو ثقافية ،مستمدة من هويتها، كثوابت التي تكتفي بالعيش في ما توارثته ،من حيز مادي ومعنوي،لا تسعى لتجاوزه،ولا تسمح بمنازعتها فيه.
وعند الساسة والقادة الحكماء فإن الثوابت ترسم ،بأناة ورصانة وبعد نظر، وتستند إلى عوامل موضوعية،يكون فيها التناسب موزونا بكل دقة،بين ما يستطاع وبين وما يراد، وبين ما هو ظرفي عابر،وما هو على حد أدنى من الرسوخ ،كما تستند إلى عوامل خارجية تعتمد ،في قراءاتها وفي استشراف ما وراءها، ثاقب البصيرة وسديد الرأي.
وعندما نستعرض تاريخ العلاقات القديمة والحديثة،بين دول العالم،تبرز،أمامنا ، أوجه ،من الصراع أو التعاون ، نشأت عنها ثوابت ،من الريبة أو الوثوق، ومن التربص أو الاطمئنان ،ومن العداء أو الصداقة ،حتى نصل الى ما انتهى إليه المجتمع الدولي ،بعد تجارب الحروب، وخاصة الحرب العالمية الثانية ،من مواثيق وقوانين لتنظيم العلاقات بين الدول، و لتفادي ما من شأنه أن يكون سببا للصراع المفضي إلى الحروب.
وقد أصبحت هذه المواثيق والقوانين ملزمة لكل عضو في الأمم المتحدة ،وأصبحت الدول، عندما تتحدث عن الثوابت في سياساتها الخارجية ،تقول إنها « تأخذ نفسها بميثاق الأمم المتحدة الصادر في 26جوان سنة1945 الذي وقعته وصادقت عليه « .وبعضها يعدد محتوى مواد هذا الميثاق،على كونها من ثوابته، في سياسته الخارجية ، فيذكر : الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية ،والامتناع عن استعمال القوة أو التهديد باستعمالها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير،ونصرة القضايا العادلة، والسعي إلى التعاون بين الشعوب …الى آخر ما هناك من التزامات تفرضها العضوية في هذه المنظمة،بما يتم فيها من تبني مواثيق كثيرة كالتي أملتها العولمة منذ سنوات غير بعيدة .
وفي تونس مثلا ذكر السيد خميس الجهيناوي وزير الشؤون الخارجية في محاضرة ألقاها يوم 18أكتوبرالماضي « أن القواعد الثابتة التي تأسست عليها السياسة الخارجية منذ الاستقلال في مقدمتها الالتزام بعدم التفريط في السيادة الوطنية وبقواعد الاحترام المتبادل وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والتمسك بالشرعية الدولية واحترام مقرّراتها ومقتضياتها »، مشيرا إلى أنّ تلك السياسة الخارجية التونسية المتوازنة التي أعطت لتونس شخصية دولية متميزة على المسرح الدولي وأكسبتها مكانة مرموقة واحتراما كبيرا، كانت دوما حريصة على النأي بتونس من مخاطر الاستقطاب الثنائي والأحلاف والصراعات الإيديولوجية

وإذا كان من المسلم به أن هذه المنظومة،من الثوابت هي مشتركة بين دول العالم اليوم،فإن بعض الدول تضيف إليها ثوابت خاصة بها،تريد التركيز عليها، دون أن تكون،على الأقل في ظاهرها،متعارضة مع المواثيق الدولية،وتعلنها في ادبياتها الدبلوماسية،فبعضها يزيد استكمال تحرير بعض ما يعتبره جزءا من ترابه الوطني، وبعضها يبرز الدفاع عن الوطن ، وبعضها يبرز قضية يعتبرها عادلة ليلتزم بالدفاع عنها،والبعض يؤكد الحرص على محورية دولته وموقعها المتقدم ضمن معادلة إدارة العلاقات الدولية، وبعضها يختار أن تكون إرادة بلاده وقدراتها أقوى من أية إرادات لدول أخرى.
ولكن، زيادة على ما هو دولي وما هو خاص معلن، فلابد من الملاحظة أن أغلب الدول،الكبيرة والصغيرة،لها ثوابت خاصة،كثيرا ما لا تعلنها ولكنها تحتكم إليها في كثير من المواقف في تصريف علاقاتها،المرتبطة،خاصة،ببلدان أو مواضيع أو ظروف معينة،ناشئة عن عهود قديمة مبرمة،أو أحداث تاريخية لها رواسب في الوجدان،أو نوايا مخفية تبعث على حذر أو تربص.
وهذه الثوابت قد تكون ظرفية وأقل رسوخا من تلك التي اتفق المجتمع الدولي على تبنيها،وليس بالضرورة أن تكون متناقضة والثوابت الدولية المشتركة .
فبلادنا،مثلا،تزيد على الثوابت التي تحتويها المواثيق الدولية التي ألمحنا،إليها آنفا،بناء اتحاد المغرب العربي،والعمل على نصرة القضية الفلسطينية،ولكن عند استعراضنا لمواقفها الدبلوماسية،طيلة ما يزيد عن الخمسين سنة،بعد الاستقلال،نستطيع أن نستخرج ثوابت من النوع الثالث الذي ليس دوليا،ولا خاصا معلنا،وإنما هو أقرب إلى الإطار العام الذي تتنزل فيه علاقات ومواقف معينة.
فلو حاولنا استقراء بعض من هذا النوع من الثوابت في مسيرة سياسة تونس الخارجية لوجدنا مثلا:أنه تبعا لما ميز شعبنا،عبر تاريخ دولته المستقلة قبل الاحتلال الفرنسي وبعده،من وضع جيواستراتيجي وديموغرافي، وملمح ثقافي وفكري وحضاري،وتجارب من علاقات بالمحيط وبالعالم، نشأت فيه ما يمكن أن نطلق عليها عبقرية المكان التي تولدت منها ثوابت لعل أبرزها:
(1)تجنب الاندفاع في تبني الدعوات الوحدوية في الجوار المباشر وفي الإقليمين العربي والإفريقي،والاقتصار على التعاون الذي ربما يحقق الهدف من الوحدة المتسرعة دون أن يوقع في اشكالياتها،وذلك خلافا لما كانت تدعو إليه حركات سياسية وزعامات عربية وإفريقية
(2)السعي للملاءمة بين مقتضيات الاشتراك في مقومات الهوية الدينية والقومية وبين التميز الوطني في طبيعة التعامل مع هذه المقومات
(3)الحرص على سلامة المعادلة،خاصة في الجوار،بين الخصامات العابرة بما تتطلبه من مواقف ، وبين تجنب الإيغال في القطيعة التي تتحول إلى بؤرة للاضطراب والعداء.
(4)الفصل بين رواسب المؤثرات الناشئة عن فترات الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي وبين الحرص على الاستفادة من التعاون الثقافي والفكري والحضاري المتاح في الفضاء الفرنكوفوني والأورومتوسطي والغربي عموما.
(5)التوازن الحكيم بين اتخاذ ما يمليه التوقي ضد مهددات الأمن الوطني،خارجيا،وبين ما يقتضيه الحرص على مقومات السيادة،من جهة،وسلامة المحيط المباشر والإقليمي من مضاعفات المطامع الخارجية في التموقع ،من جهة أخرى.
(6) التوفيق بين الانتماء الفكري والثقافي والسياسي لما كان يسمى العالم الحر وبين النأي عن التحول إلى شريك في الصراع المحتدم بينه وبين الكتلة الدولية المضادة.بل والعمل على فسح المجال للتعاون مع اي منهما في تحقيق أسباب التقدم الاقتصادي والاجتماعي للشعب التونسي.
(7)الثبات على تحقيق الأهداف ولو بالمرونة في الوسائل وبسياسة المراحل .
المتغيرات
هذا عن الثوابت،وأما المتغيرات فهي،في هذا السياق،كل ما يستجد من أوضاع ناشئة،تتطلب الاستحضار الجدلي للثوابت المرتبطة بها،فتؤكدها وتعزز ثباتها،أو تملي التوقف وإعادة النظر،لاتخاذ الموقف المناسب،ولو فرض سياسات،جديدة ،تنال من بعض الثوابت ،جزئيا أو كليا، تبعا لتقدير المعنيين باتخاذ القرار فيها.
والمتغيرات تحدث في داخل البلد،في أوضاعه الخاصة بنظام الحكم ،أو في ترتيب سلم القيم، أوفي علاقات القوى الحية والمؤثرة،فيه،بعضها ببعض،كما تحدث في الخارج، في مستوى الجوار،أوفي الإقليم،أوفي العالم،بما في ذلك التي تمليها الاكتشافات العلمية وتفرضها ثورات المواصلات والتقنيات.
صحيح أن ثوابت المواثيق الدولية ملزمة لأعضاء الأمم المتحدة بصفة شبه دائمة ، ولكن للدول، كما أسلفنا،ثوابت خاصة ترتبط بأوضاعها،وهي التي،رغم رسوخها،قد تتغير، بل إن الثوابت الدولية قد تتغير،ولكن بطرق ملتوية،كتغليب ثابتة على أخرى،مثلما يحدث بين ثابتتي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وبين نصرة القضايا العادلة أو بحقوق الإنسان أو بطرق لا تسلكها إلا الدول القوية لتطوع بها،أحيانا،قضايا تستعصي،دون ذلك التغيير، على رغباتها فيها.
وعن التغيير الذي ينال من الثوابت،بقطع النظر عن أسبابه ،قد تمدنا أحداث جارية، الآن،في بعض بلدان بعيدة وغير بعيدة عنا ،بما يؤشر لاحتمالات،أو ربما لبداياته في ثوابت كانت ،قبل عشرات السنين، من الراسخات .
وكذلك فإن بلدا كبير ذا وزن إقليمي،في المشرق،حدثت داخله،في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أحداث كانت لها أصداء بعيدة،وتأثيرات عميقة،غيرت طبيعة النظام، ونقضت فلسفة الحكم فيه،وتغيرت،تبعا لذلك،ثوابت،في سياسته الخارجية لتحل، مكانها ثوابت جديدة، تكاد تصل،أحيانا، بعض أبعادها إلينا .
وتخوض كثير من مؤسسات الفكر السياسي والدبلوماسي،منذ بعض السنوات،وإلى اليوم،وخاصة بعد نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية في قراءات استشرافية للعالم،في مرحلته الحالية،وما توحي به من متغيرات عميقة وكثيرة، متوقعة ،فيها ما يتناول مناطق لنا بها علاقات راسخة ووثيقة،وما يتناول منطقتنا العربية، وحتى مغربنا العربي.
نسبية الالتزام بالثوابت الدولية
ربما يسمح هذا السياق بإثارة وجه،مازال سلبيا،في طبيعة الالتزام بالثوابت الدولية ، متمثلا في وسائل التخلص من بعض القيود عند الحاجة،أو ممارسة مالا يكون مطابقا لظاهر ما تعلنه هذه الدولة أو تلك،من حرص على الشرعية الدولية،وتمسك بمختلف واجباتها،إذ نراها،اعتمادا على ما تتيحه لها مكانتها الدولية،أو ما تسمح لها به بنود معينة في الميثاق الذي وضعه الأقوياء،تؤسس للمفاهيم الفقهية الملتوية في القانون،وتتلمس التعلات الواهية لتجعلها أسبابا لموقفها،وتلوي رقاب المسائل بما يتناسب وأهدافها،ونراها تعمل،في السر، ما لا يجوز إعلانه، فتمارس،بأوجه كثيرة،ما يعتبر،لو أعلن،انتهاكا لهذا البند أو ذاك،مما تم اعتماده لتنظيم العلاقات بين الدول.
وما علينا، لنتذكر الكثير،من هذا،إلا أن نستعرض،منذ نشأة الأمم المتحدة،عددا من القضايا الدولية،ومن الأزمات الكبرى التي شهدناها وما زلنا نشهد بعضها.أفلا نتذكر الجيوش التي غزت بلدانا معروفة،أحدها بتعلة أنه صنع،أو يوشك أن يصنع سلاحا محظورا عليه صنعه،والآخر وصم بعض مسيريه بانتهاك مواثيق لأحلاف هو عضو فيها و الثالث حكم عليه بالمروق الدولي عن شرعة العدل والسلم وحقوق الإنسان،فتمت إزاحتهم عن الحكم بالقوة، ونصب خلفاء لهم مختلفون عنهم،؟وألسنا نتألم،في عجز،لما نراه من دلال يتمتع به مغتصبون لأرض محتلة،يسيطرون بالقوة على شعب منتهكة حقوقه،وهم في ظلمهم هذا، يتمتعون بالتأييد والحماية،من دول تعتبر ذلك من ثوابت سياستها الخارجية،رغم قولها إنها قائمة،وقيمة،على حراسة ثوابت السلم والحق والعدل في النظام الدولي.
وقد ترون رأيي،في اعتبار بند آخر من بنود الشرعية الدولية،ومن ثوابت السياسة الخارجية لكل الدول،على أنه أكبر ضحية للانتهاك،من الدول كبيرها وحتى الصغير،ألا وهو ذاك الذي مفاده الالتزام بعد م التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فما أكثر ما تشتكي دول من تدخل دول أقوى،في توجيه مواقفها في المحافل الدولية،وفي التعامل الثنائي، بل وحتى في تبني اختيارات معينة في الداخل،وتجنب خيارات تراها لها أنسب،ووسائل هذا التدخل وطرقه،متعددة يزخر بها رصيد القوة الناعمة،وربما حتى التي تنقصها النعومة .
بلادنا بين الثوابت والمتغيرات
وبما أننا نلتقي في أجواء الذكرى فاسمحوا لي أن أذكر بمدى المصداقية التي كانت لبلادنا، في الالتزام بمقتضى تلك الثوابت في سياستها الخارجية .
وأول ما تجدر ملاحظته أن أهم هذه الثوابت هو،بالطبع، هدفها ،المتمثل في الحرص على مصالح تونس الأساسية ،وخاصة حرية قرارها وضمان سيادتها وأمنها وازدهارها،لأن بقية الثوابت ،دولية كانت،أو وطنية خاصة بنا،إنما هي وسائل لخدمة ذلك الهدف الثابت والذي يجب إلا يتغير.
وفي هذا المجال فلا بد من الملاحظة أن حرية القرار مسألة نسبية،وعلى غاية من الدقة،ولكن الذي يعنينا،اليوم،هو التوقف عند المدى الذي التزمته بلادنا، داخل هذه القيود الضرورية للحياة الدولية،في نصيبها من الحرية والسيادة .
وأول ما نسارع لتسجيله أن تونس،رغم ما مرت به،من مصاعب تخص الحفاظ على أمنها القومي،في بعض سنوات التوتر الإقليمي والدولي،حرصت،صونا لسيادتها،على ألا تسمح بوجود قواعد عسكرية،لدول أجنبية،داخل حدودها البرية والبحرية .
وقد توقفت مليا عندما قد يكون أفضى به الرئيس الحبيب بورقيبة لوزير خارجيته،في أوائل سبعينيات القرن الماضي محمد المصمودي رحمه الله،من شعور بالضيق،تجاه جوار بدا له متنمرا لا يبعث على الطمأنينة ،ومن تفكيره في خطة وقائية حسب شهادة أدلى بها للصافي سعيد أوردهافي كتاب،عن بورقيبة،صادر في شهرنوفمبرسنة2000بعنوان »بورقيبة: سيرة شبه محرمة » ص334/ 335 ينقل الوزير عن بورقيبة قوله »إنني أنظر بعيدا جدا إن تونس المحاصرة بين هذين الثورتين يمكن أن تختفي، ذات يوم/ يلزمنا الدخول في كادر الدفاع والالتزامات المحددة ،فالحلف الأطلسي هو وحده الذي يمكن أن يعطينا تلك الضمانات »
إن هذا الكلام(في صورة التأكد من صدوره عمن نسب إليه) هو دليل على مدى تأثير المتغيرات في الثوابت، ولو أن المسألة لم تتجاوز التفكير إلى مرحلة الطلب الذي يقول الوزير إنه صرف نية الرئيس عنه.
كما إن تونس، رغم صعوبات التفاوض بسبب ضعف ما لديها من مؤثرات، في قضايا كثيرة ثنائية أو أوسع من ثنائية، كانت،دائما، حريصة شديد الحرص على حرية القرار وصون السيادة .ويعرف أكثركم تلك المعاناة الشاقة التي كان زملاؤناالمباشرون لهذه الملفات يواجهونها،للخروج من المعضلات التفاوضية،أو التدخلات التي تكتسي جلابيب النصح البريء،من الأشقاء والأصدقاء،بما يحقق التوصل إلى تنازلات تحفظ توازن المصالح .
وربما يكون المدلول الأنموذج،لمدى إصرار بلادنا على صون سيادتها وحرية قرارها،جليا في الحادثة المعروفة عند عدوان الطيران الحربي الصهيوني على حمام الشط.ونقلا من كتاب (الحبيب بورقيبة الأهم والمهم ص249)يقول مؤلفه السيد الباجي قايد السبسي « إن الرئيس بورقيبة رد على موقف الرئيس الأميركي ريغن الذي قال « إن الغارة كانت دفاعا مشروعا عن النفس » حيث دعا السفير الأميركي في الحال للاحتجاج على البيان ملحا على وجوب إعادة الولايات المتحدة النظر في موقفها « ، ما جعل موقف الدولة العظمى يتغير،حتى كاد يكون نيلا من ثوابتها، في سياستها الخارجية، تجاه اسرائيل.
وأما بخصوص الالتزام بتجنب كل ما من شأنه تهديد السلم والأمن الدوليين،والحرص على فض النزاعات مع الغير بالطرق السلمية فنجد أن بلادنا،منذ استقلالها، هي الوحيدة ،في منطقتها المغاربية،أو حتى الشمال افريقية،التي لم تخض حربا،ولا حتى نزاعا مسلحا،مع أي دولة من دول المنطقة،رغم حدوث أحوال كانت ،لولا الحكمة واختيار سبل السلام،تفضي إلى استعمال القوة التي يصعب التنبؤ بمداها زمنا وكيفا .
وهي قد أفلحت، خلافا لدول أخرى في المنطقة، في فض خلافات حدودية بالطرق السلمية،سواء تلك التي رفع الأمر فيها إلى محكمة العدل الدولية،أو التي تغلبت فيها الحكمة وبعد النظر، فسلمت علاقات الجوار الأخوي من نزاعات الأخوة على الإرث، وأثبتت الأيام صواب الحلول السلمية ، والقيمة الكبرى لتأثيرها الإيجابي على العلاقات التي تسود جوارنا مع الأشقاء.
وربما يناسب أن نذكر،هنا بأن بلادنا شهدت،في المراحل المبكرة لبناء الدولة التونسية،بعد الاستقلال،الكثير من الاختلافات،مع أشقاء مجاورين وغير مجاورين، لأسباب عديدة، منها ما يتصل بالاختيارات المجتمعية،أو بالتموقع في الركح الإقليمي والدولي،أو بقضايا ترتبط بجوانب من عناصر الهوية المشتركة،وخاصة في تصور أقوم المسالك لتوظيفها ،في تقوية الكيانات الوطنية ،وبناء الوحدات الإقليمية و الجهوية .
وقد بلغت هذه الاختلافات،أحيانا،حدا تحولت،عنده،إلى خصام وقطيعة،فتعرضت تونس لمؤامرات سياسية وعسكرية وإرهابية واجتماعية لزعزعة النظام فيها،ولكنها كلها فشلت أمام مناعة الوحدة الوطنية،وسلامة البنية السياسية الداخلية،وما كانت تتمتع به البلاد من علاقات وثيقة مع دول يقرأ لها حساب، في مثل هذه الأوضاع . .
ولكن لابد من التأكيد بأن تونس،رغم عملها أثناء التنازع والصراع،بما كان متاحا لديها من وسائل الرد، لم تحاول التآمر على أحد،ولم تفتح مجالها لأية حركة مناوئة لأي بلد،حتى ممن بلغوا مدى بعيدا في السعي لزعزعة نظام الحكم فيها،لأنه كان من ثوابتها ألا تكون أرضها ميدانا لمن يعمل ضد سلطة الدولة في بلاده،وأثبتت ذلك بالبرهان، عندما لجأ إليها عسكريون ومدنيون سياسيون،هاربين من زملائهم في السلطة،فاستقبلتهم ورفضت طلبات ملحة ومغرية،أحيانا،لتسليمهم فحمتهم،و ضمنت لهم الخروج الآمن من تونس الى الوجهة التي اختاروها.
ولعل ثالث هذه الثوابت،في الأهمية،هو المتعلق بنصرة القضايا العادلة،وفي هذا المجال فإن بلادنا كانت رائدة في ثبات مصداقيتها،بدون منازع ،وخاصة في ثلاث قضايا كبرى : كانت أولاها قد انطلقت في ظرف حساس ودقيق، لم تستكمل فيه الدولة سيادتها على أرضها،ولم تكن لها القوة المناسبة لتحمل أعباء الموقف وكانت وحدتها مهتزة الأركان بسبب داخلي معروف، وبلغت دقة المسألة نشوء وضع هدد الاستقلال الوطني الذي كان حبر توقيعه لما يجف،ولكنها،رغم كل هذه الأخطار،فتحت قلبها وذراعيها وأرضها ،حكومة وشعبا،لإخوتها من شعب الجزائر الشقيق، في معركتهم العادلة للتحرير، وآوت قياداتهم السياسية،واحتضنت تشكيلاتهم وقياداتهم العسكرية،وناضلت إلى جانبهم بكل ما لديها،واعتبرت أن أعز وسام لها،في تاريخ العلاقات مع الجزائر،وفي مصداقية الثبات على ما التزمت به من نصرة القضايا العادلة، ذلك الدم التونسي/الجزائري الذي اختلط في مناسبات عديدة،أثناء تلك المرحلة المجيدة ، من الكفاح،في إطار قضية عادلة يخوضها شعب شقيق.
وكانت ثانية القضايا تلك التي نطلق عليها مظلمة القرن العشرين،القضية الفلسطينية،التي سبق الانخراط،من قبل الشعب التونسي ونخبه وحركته الوطنية، في نصرتها،حصول بلادنا على الاستقلال،عندما تسابقت،سنتي 1947و 1948،أفواج الشباب التونسي، مؤطرة بقيادات الحركة الوطنية في البلاد،إلى التسلل،أفواجا،عبر حدودنا مع ليبيا، متطوعة للانخراط في مختلف الجيوش والكتائب التي كانت تعد لنصرة الشعب الفلسطيني ،في أولى معاركه ضد العدوان الصهيوني على أرضه. وبعد استقلال بلادنا كانت تلك النصرة بالدعم متعدد الأوجه ،وبالتأييد الدبلوماسي ،وبالرأي السياسي الذي كانت قمته النصوح خطاب الرئيس الحبيب بورقيبة، سنة1965،في أريحا.
ومثلما كان الأمر مع قضية الشعب الجزائري الشقيق ،فقد آوت تونس، في مرحلة عسيرة على الفلسطينيين وعلى العرب،قيادتهم التي ضاقت عليها الأرض بما رحبت،واتسعت لها صدور التونسيين وأحضانهم وأرضهم ،لعشر سنوات ، كانت ثرية بالنضال متعدد الأوجه واختلطت في مراحل منها،على أرض تونس دماء الشهداء من التونسيين والفلسطينيين جراء الغدر الصهيوني ،وكانت خاتمتها عودة القيادة الفلسطينية ،ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، من أرض تونس،مباشرة،إلى الأرض الفلسطينية،وعلى رأسها،قائدها الرمز الرئيس ياسر عرفات،برد الله ثراه،ليسجل التاريخ للشعب التونسي مواقف من الشهامة والنبل والصدق لا تنسى في شد أزر الشقيق ، وفي نصرة القضايا العادلة.
أما ثالثة القضايا التي اخترتها ،كنماذج لمصداقية تونس في نصرة قضايا الحق والعدل، فتتمثل في دعمها الرائد لحركات التحرير في مختلف أصقاع القارة الأفريقية،بشد أزرها،في المحافل الدولية بالدبلوماسية الرصينة والفعالة التي جعلت أحد أبرز قادة الحركة الوطنية ،في تونس المرحوم المنجي سليم ، يتمتع بالذكر الطيب لدى الجيل الأول من قادة النضال الإفريقي، بما نهض به،في هذا المجال ،كرئيس لبعثة تونس في هيئة الأمم المتحدة،وكمناضل صلب وسياسي حكيم،من توجيه مخلص ، ودعم رشيد.
ومن ينسى، تلك الزيارة التاريخية التي أداها خالد الذكر الزعيم الرئيس (نلسن منديلا)إلى بلادنا سنة1962 ،في مرحلة الإعداد للكفاح المسلح ضد التمييز العنصري الذي كان شعبه يتجرع مرارته،وقد استقبل خلالها،كمناضل،من قبل الرئيس بورقيبة شخصيا،الذي شد أزره ووعده بالدعم ،بعد أن تأكد من قوة جأشه وشديد عزمه على مواجهة دولة الأبارتايد، وقبل أن تلقي به حكومة التمييز العنصري ،في جنوب افريقيا،في أتون ملحمته النضالية الكبرى، التي تحول بها مثلا فريدا في البطولة و الحكمة ،حرك العالم ،وظفر بالنصر المؤزر.
وإضافة لما عبر عنه (منديلا)من ثناء على تونس في كتابه (في طريق الحرية)يذكر أحد الزملاء الذي هيأت له مهامه الدبلوماسية فرصة اللقاء بمنديلا، بعد النصر،أن ذلك البطل الإفريقي الأسطورة يحتفظ بذكرى طيبة جدا عن تونس ورجالها وموقفها منه في تلك الأيام.ومما أكده لزميلنا الكريم(أبوكريم) أنه استفاد في نضاله ضد الميز العنصري من سياسة المراحل التي استلهمها من التجربة النضالية التونسية.

بين النخوة والعبرة
ايها السيدات والسادة
أردت أن أكتفي بما قدمت من شواهد ،على مصداقية بلادنا ،في التزامها بالثوابت التي اتخذتها قواعد لسياستها الخارجية ،واعتقادي أن تلك المصداقية حرية بأن تثير النخوة في الأحياء ممن شاركوا ،في المستوى السياسي أو الدبلوماسي،فيها،كما قد تثيرها في الأجيال التي أخذت وتأخذ عنهم مشعل الدبلوماسية التونسية، إلى اليوم وفي قادم الأيام.
ورغبة في توخي الموضوعية ، في طرح جدلية النخوة والعبرة ،من خلال احتفالنا بالستينية، رأيت التوقف عند ما بدا جنوحا ،عن هذه المصداقية ، في مدى الالتزام ببعض تلك الثوابت،وربما يكون استجابة لمتغيرات، نذكر بعضه للتاريخ والاعتبار .
فنبدأ بما وقع طرحه،في هذا المجال ،سياسيا وإعلاميا ،معركة (بنزرت) التي نفخر بها،ونعتز بنتائجها ، والتي اتخذنا خاتمتها عيدا وطنيا مجيدا لجلاء آخر القوات العسكرية المحتلة ،عن أرضنا .
فقد رأى فيها بعض الباحثين والمحللين ،من السياسيين والعسكريين ،في الخارج وفي بعض الأوساط التونسية، جنوحا غير مبرر ،عن ثابتة مركزية، في سياسة بلادنا الخارجية ،وهي الالتزام بتغليب منطق الحوار والتفاوض والوسائل السلمية لحل الخلافات والمنازعات…وذهب البعض منهم في قراءات لموقف الرئيس بورقيبة جوهرها يتمثل في اعتبار الرئيس بورقيبة قد لجأ الى استعمال القوة ،بينما كان في الامكان تجنبها ،ويذهب أصحابها ، في تعليلهم للموقف التونسي ، مذاهب افتراضية خلاصتها: ان الرئيس الحبيب بورقيبة كان ،في تلك المرحلة من بناء الدولة،في حاجة لمعركة يتجاوز بها ما يدعون من ضيق الرأي العام التونسي بقيادته، والرأي العام العربي الذي كان أغلبه معبأ ضده ، بسبب الدعاية اليوسفية، وبسبب المد القومي العربي الذي كانت تشحنه،ضده ،الدعاية المصرية القوية ،بدفع من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أيام أوج مجده ،ويضاف إلى ذلك ما كانت عليه علاقات تونس البورقيبية ببعض تيارات ،مدنية وعسكرية ، في جبهة التحرير الجزائري وفي جيشها، لا تخفي عدم ارتياحها لمواقف الرئيس بورقيبة السياسية ،خاصة ، في بعض جوانب من تصورات الحلول للحرب الفرنسية الجزائرية التي كانت تمر بأدق مراحلها.
ودون التوسع في عرض الجوانب التاريخية لهذه المعركة، وخاصة لما صدر في تونس ،منذ بضع سنوات ومازال يصدر،دعونا نتذكر ما عشناه، أيام تلك المعركة، لنحتكم إليه في تقدير الموقف.
فبورقيبة كان قد طرح ،غداة نيل الاستقلال التام في20مارس1956، مسألة جلاء القوات الفرنسية عن تونس ،وهو ما تم فعلا،على مراحل معروفة ، باستثناء بنزرت وخاصة قاعدتها المهمة ،وعن هذه الأخيرة كانت مواقف بورقيبة جلية في مطالبته بالجلاء التام عنها ،خصوصا في اللقاء المشهور بينه وبين الرئيس ديقولفي27 فيفري 1961، وقطعت،قبل ذلك اللقاء ، خطوات في انجاز الجلاء بانحسار المساحة التي كانت القوات الفرنسية تتحرك فيها ،ولكن المناخ الذي كان سائدا بين البلدين لم يكن مناخ الثقة المتبادلة بسبب الموقف التونسي في احتضان الثورة الجزائرية ،كما قد لا يكون بعيدا عن الحقيقة أن الرئيسين كان كل منهما يواجه صعوبات داخلية أثرت في الكيفية التي تم بها اتخاذ قراره في المسألة، أخذا في الاعتبار ما هو معروف ،عنهما، من عناد وأنفة وقوة شخصية. قد تطغى، مجتمعة، على رجاحة عقل واتساع تجربة لا ينكرها لديهما أحد.
فبينما كانت تونس تنتظر خطوات جديدة من الجانب الفرنسي تؤشر لما تم عليه الاتفاق، من حيث المبدأ،أي الجلاء الكامل عن بنزرت، أعطى الفرنسيون إشارة معاكسة لذلك، عن طريق قرار توسيع ممر هبوط الطائرات بقاعدة سيدي أحمد الذي أعلنه الأميرال(أمان) في 4 ماي 1961،وربما كان رد فعل تونس على ذلك،بإعلان النفير العسكري والتعبئة الشعبية غير مناسب ،من وجهة النظر الفرنسية، ولكن رد الفعل الفرنسي عليه كان،هو أيضا ، أعنف ،ولا يخلو موقف الجنرال ديقول، في أمره بمستوى الرد، من شبهة اغتنام الفرصة لاحتواء ما كان يواجهه من تحد قوي يهدد بالعصيان، صادر عن عدد من كبار ضباط جيشه في حرب الجزائر. ولذلك فلا يمكن الجزم بأن الرئيس بورقيبة قد اختار اللجوء إلى القوة ، ولكنه ربما يكون أساء تقدير رد فعل الجنرال ديقول الذي ربما يدعي أنه إنما رد على تحد، ولكنه أفرط في استعمال القوة،فحول ما كان معركة إلى ما هو أقرب إلى الحرب.
ولما حانت مرحلة توظيف ما وقع بين البلدين ، تجلت عبقرية بورقيبة ،ومهارة الدبلوماسية التونسية ،التي نحتفل بذكراها الستين ، وذلك من خلال القدرة على حشد التأييد الدولي الذي أجبر فرنسا على التفاوض، لتحقيق الجلاء عن بنزرت،فكانت الخاتمة أن بورقيبة،الذي قال الجنرال إنه حرمه من الظهور بمظهر الذي يريد افتكاك الجلاء بالقوة، يظهر،فعلا، أنه افتك الجلاء بالقوة ،ولكن القوة الناعمة التي استغلت غطرسة القوة الخشنة، وهزمتها في حلبة الدبلوماسية والسياسة.
وهناك موضوع ثان،في رئاسة المؤسس الكبير كان خاطفا وخطيرا ولا يمكن أن نتفادى الوقوف عنه.
بما أنه من أثبت الثوابت في السياسة الخارجية الحرص على سيادة البلد وسلامة كيانه الوطني،وبالتالي عدم المغامرة بها بالسير في سبيل غير آمنة،وكذلك معروف أن من الثوابت الخاصة لبلادنا، في ظل قيادة بورقيبة، الإمساك عن الاستجابة المتسرعة لدعوات لوحدة العربية، فإني قد حرت في وصف إمضاء الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 12جانفي1974 وثيقة جربة الوحدوية مع العقيد معمر القذافي .هل تخلى رئيسنا العظيم عن هذه الثابتة الكبرى ؟، أم إنه تخلت عنه تلك البصيرة الملهمة التي شهد له بها الصديق والعدو،فظن أن رئاسة البلدين قد جاءته تسعى ، وان ذلك الشاب الذي اتهمه ،قبل عامين في خطاب البلماريوم، بالطيش وعدم التجربة ،قد نضج واستسلم له؟ هل كان ما كان تحت متغير من المتغيرات التي قلنا إنها قد تنال من الثوابت؟ فقد يكون ارتفاع أسعار النفط الذي انطلق سنة 1973 هو الذي جعل بورقيبة يستشعر الخطر القادم على بلده من وجوده بين عملاقين نفطيين، فاستجاب لمن أغراه بالثروة النفطية التي بها ستنتهي معاناة تونس الاقتصادية وتبلغ الصورة المثالية التي عاش بورقيبة يطمح أن يجعلها عليها ؟أم كان استباقا لتصور بني على انبهار بما جرى في عيد الفاتح من سبتمبر الذي حضره الرئيس بورقيبة،في طرابلس قبل ثلاثة أشهر من لقاء جربة؟ أم كان ذلك صدى لعرض وحدة أخرى أكبر جرى في مدينة الكاف ،في ماي1973، وكان ختامه أن سمع بورقيبة من ضيفه الرئيس صاحب العرض قوله « إن تونس لا تزال غير ناضجة للوحدة ».يراجع كتاب الصافي سعيد(الحبيب بورقيبة سيرة شبه محرمة ص331)
الكثير منا كان يراوده حلم الوحدة ،كمصدر قوة لاشك فيه ،ولكن كانت مدرسة بورقيبة هي التي أيقظت فينا الحذر الموضوعي ، ودعتنا لتغليب العقل على العاطفة ،وتأجيل حلم الوحدة إلى ما بعد اانجاز البناء الراسخ للبلدان التي يمكن أن تصبح وحدتها قوة،
ماذا أقول في هذه العملية التي ، لو بلغت أوجها ، لتغير وجه التاريخ في وطننا ،إما إلى بلد ذي قوة متعددة الأبعاد تصبح بها الدولة الجديدة ذات وزن لم تحلم به ،منذ سقطت دولة الموحدين ،وإما الى دخول نفق ،يصعب التكهن بمدى ما فيه من مخاطر ، تنذر بمرحلة عواصف عنيفة ، مليئة بالفتن والتآمر والانقلابات ، وتكون خاتمتها ضياع ما بنته ،طيلة قرون، أجيال تونسية متنورة أدخلتنا ،بحكمة وصبر وحسن استشراف ، في سياق النهوض والتقدم والرقي المستمر.
واترك لكل واحد منكم ان يتخيل أي المصيرين كان أقرب للاحتمال ، ولكني ،وكثرين مثلي،على إيماننا بصواب الوحدة المضمونة النتائج ، كنا أشد خشية ،وأكثر ميلا إلى توقع المصير الثاني،الذي لخصه البعض، في تلك الفترة ، بأنه ليس وحدة ولكنه وحلة والذي وقانا الله منه .
وأتساءل، دون قدرة على الجواب عن هذه العملية: أهي جنوح أم شبه جنوح ؟ أم هي حادثة تستعصي عن التوصيف والتصنيف ؟أم هي قراءة بنيت على تقدير لمتغير أثر في إحدى الثوابت التي قلنا إنها قابلة للتغيير؟ .
ومهما كان الأمر فإنها ينبغي ان تظل مصدر عبرة.

ومن أبرز حوادث الجنوح عن الثوابت المعلنة في سياسة بلادنا الخارجية تلك التي حاد فيها الموقف التونسي عن نصرة قضايا الحق والعدل في عهد الرئيس الثاني للجمهورية .
ففي 02أوت 1990غزت قوات العراق ،بأمر من الرئيس صدام حسين،دولة الكويت، الشقيقة العربية الجارة،وأنهى من جانبه ، وجودها الدولي ، وألحقها بالعراق ، ولاية من ولاياته،فكان رد أغلب دول العالم ،وخاصة العربية والإسلامية ، التنديد بما اعتبرته عدوانا وانتهاكا للمواثيق الدولية ،ودعت الطرف المعتدي إلى سحب قواته من الكويت وإنهاء عدوانه ،وأعربت عن عزمها على العمل لرد العدوان ومساعدة الكويت على استرجاع سيادته .
ولم يشذ عن هذه المواقف إلا دول معدودة كان من بينها،الجمهورية التونسية ،التي جاء أول بيان أصدرته ،وزارة الشؤون الخارجية ،تبيانا لموقف بلادنا من الغزو ، معبرا عن « القلق البالغ حيال التدهور العسكري في النزاع العراقي الكويتي،وأن ما يهمها هو المحافظة على التضامن والوحدة العربيين،واقتناعها أن الجامعة العربية تبقى الاطار الملائم لتسوية الأزمة بالسبل السلمية »
ولكن عند انعقاد القمة العربية الطارئة بالقاهرة ،لاتخاذ موقف عربي مشترك ، قاطع رئيسنا القمة، معللا ذلك بأنه طلب من الرئيس المصري تأجيلها ،ليومين أو ثلاثة ، لأنه كان يعتزم الاتصال بالرئيس صدام حسين ،لإقناعه بضرورة التوصل إلى حل يحفظ حقوق أطراف النزاع ، ويصون وحدة الأمة .
وقد تداول بعض أهل الذكر، في تلك الفترة، أحد سببين لهذا الموقف الذي استغربه كثيرون. فقال البعض إنه خطأ في قراءة متغير إقليمي، في المشرق العربي، عززته علاقات بين الرئيسين متينة وذات بعد استراتيجي، تمخضت عنها زيارة كان أداها الرئيس التونسي لبغداد، بعيد انتهاء الحرب العراقية/ الإيرانية .
وقال آخرون إن الرئيس التونسي تأثر بحاسته الأمنية ،في قراءة المشهد الشعبي،وردود فعله في العالم العربي عامة، وفي تونس خاصة،وربما يكون سعى لاستباق رد فعل الطبقات الشعبية وخاصة التيارات الإسلامية،التي انحاز أغلب قادتها إلى جانب القيادة العراقية.
ومهما كان سبب الموقف الرسمي التونسي، فلا مناص من اعتباره انتهاكا واضحا لثابتة الوقوف إلى جانب القضايا العادلة ونصرتها، وهل اعدل من قضية كقضية شعب يغزى وتنتهك سيادته، ويحتل وطنه، ويقضى على وجوده، كدولة معترف بها دوليا ؟ .وهل من الصواب أن ننصر قضيته بالقول « إننا قلقون من التدهور العسكري في النزاع بينه وبين غازيه، وأن الذي يهمنا هو المحافظة على التضامن والوحدة العربيين ،وأن نعرب على اقتناعنا بأن الجامعة العربية هي الإطار المناسب لتسوية الأزمة » ثم نقاطعها بتعلة واهية ؟

وللتاريخ فإني أشهد ان وزير الخارجية التونسي،آنذاك،السيد إسماعيل خليل كان،يوم غزو الكويت،في القاهرة لرئاسة الوفد التونسي في اجتماع لوزراء خارجية الدول الإسلامية،ودعاني،بصفتي مندوبا لتونس في منظمة المؤتمر(قبل أن تصبح التعاون)الإسلامي ،ضمن عدد من مساعديه من أعضاء الوفد المرافق له،لإعداد مشروع برقية توجه إلى الرئاسة في تونس، تتضمن مقترحا لبيان الموقف التونسي من الحدث الخطير، وكان توجيهه لما ينبغي ان يكون عليه موقف تونس الإدانة الشديدة للعدوان والوقوف إلى جانب الكويت،وتم تحرير برقية بذلك ووجهت إلى تونس ،ولكن المفاجأة أن ما اعلنته وزارتنا للخارجية كان مناقضا تماما لما اقترحته برقية الوزير خليل .وتعرفون أنه اعفي،ثمنا لموقفه هذا، من مهامه على رأس الوزارة
أيها السادة الكرام
إن الذكرى تشمل فيما بين سنة1956وسنة2016 وقد يسأل البعض أو يتساءل عن هذه السنوات الست الأخيرة، وعما فعلنا بالمتغيرات وبالثوابت فيها؟فبالتأكيد أنه سيكون رأيا، وقد يبني على ذلك موقفا ،وسيجد ما بدا انتهاكا لثوابت من نوع عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ،فما بالك إذا كان شقيقا ،ومن نوع ما اشتهرت به بلادنا من حماية من يلجأ إليها فلا تسلمه ولا تسمح له بالعمل على أرضها ضد الحكم في بلاده. ولكن قد نجد من يعتبر أن تلك الأمور جرت كاستجابات لمتغيرات حدثت في بلادنا وفي إقليمنا العربي وفي الجوار، فنالت من ثوابت رآها المسؤول عنها حرية بالاستجابة.
أما أنا فإنني ،بعد تفكير ، اخترت ألا أخوض فيها لسبب موضوعي بحت ،وهو أنها ،فيما رأيت ، مازالت أحداثا راهنة تجري ، ولم تصبح تاريخا يطمئن الباحث فيه إلى معطيات يمكن البناء عليها ،بالحد الأدنى الضروري ، لطلب الموضوعية.
وحسبي أن أقول فيها ، في مستوى العلاقات الخارجية ،إنها تحول ثوري تـونسي السدى واللحمة و النسيج ، حدثت فيه تطورات وتحولات جذرية لفائدة الوطن ، وارتكبت خلاله أخطاء ،هنا وهناك ، تجاوزناها ، وأشرفت فيه السفينة،مرات ،على التيه ،ولكن العبقرية التونسية أفلحت في الاهتداء إلى سبيل النجاة ، وشؤوننا الخارجية ،توجها وحضورا ، اليوم، أفضل حالا ، و لا نملك إلا أن ندعو الله أن يجعلنا في مستوى ما في تاريخ دبلوماسيتنا من أسباب النخوة ،وأن يلهمنا القدرة على تلمس ما يمدنا به من عبرة،وأن يهدينا سواء السبيل ./.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire