مداخلة السفير السابق علي الحشاني في المائدة المستديرة حول « بوادر ظهور الحرب...

مداخلة السفير السابق علي الحشاني في المائدة المستديرة حول « بوادر ظهور الحرب الباردة مجددا » التي نظمتها جمعية قدماء السفراء والقناصل العامين يوم 28 أفريل 2018

0
PARTAGER

السيد رئيس جمعية قدماء السفراء والقناصل العامين

الزملاء الاعزاء

السادة والسيدات الحضور الكرام

أشكر جمعية قدماء السفراء والقناصل العامين على تمكيني من عرض بعض الأفكار حول ما يجري في العالم حاليا أملا أن تفتح المجال لنقاش ثري تسهم به جمعيتنا والجمعيات الأخرى التي تشاطرها الأهداف في توضيح معالم العلاقات الدولية.

وقد اخترت أن أبدأ هذه المداخلة بالتذكير بأهم معالم الحرب الباردة التي عاشها العالم في السابق. ثم سأتعرض الى عدد من الحقائق التي برزت بعد النهاية الرسمية لهذه الحرب والتي جعلت الهدنة التي سادت العلاقات الدولية بعيد سنة 1990 يصيبها الاختلال مما أدخل العالم في بوادر حرب باردة جديدة سأحاول تبيان أهم مظاهرها كما سأستعرض أبرز الأزمات والاوضاع التي تؤثر حاليا مباشرة على العلاقات الدولية والتي يمكن أن تخرج عن السيطرة لتحول مظاهر الحرب الباردة الجديدة الى أسباب مجابهة عالمية حقيقية. وأخيراسأتعرض لبعض ما يتوجب عمله في نظري على المستويين الإقليمي والدولي لتلافي مثل هذا التطور.

يعود اذا الحديث هذه الايام حول ظهور بوادر الحرب الباردة مجددا في العالم. بل ان الأمين العام للأمم المتحدة اعتبر في بيان أدلى به أمام مجلس الأمن الدولي يوم 13 من الشهر الحالي أن « أجواء هذه الحرب لم تعد ضربا من الخيال وأن هذه الحرب تنذر بأن تكون أكثر ضراوة من التي سبقتها خاصة وأن الكوابح التي كانت موجودة لمنع تطور الأوضاع لما هو أسوء يبدو أنّها قد زالت ».

الحرب الباردة التي عاشها العالم بين نهاية الحرب العالمية الثانية وأواخر الثمانينات من القرن الماضي وقعت بالأساس لأسباب ايديولوجيّة وكان محورها محاولة شقين مختلفين، الشق الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ذو النزعة الاقتصادية الليبرالية والنظام السياسي الديمقراطي والشق الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي سابقا ذو النزعة الاقتصادية الاشتراكية والنظام السياسي القائم على الدور الطلائعي لأحزاب تؤمن بمركزية القرار. وكان كل شق يعتبر أنه الاحق بإعادة تشكيل العالم حسب رؤيته الخاصة في ربوع القارة الأوروبية. ولا شك أن القارة العجوز بقيت خلال تلك الفترة الساحة الأولى للحرب الباردة بينما تحولت المناطق الأخرى من العالم الى ساحات مكملة لهذا الصرع يتبارى فيها الشقان وخاصة الدولتان الأعظم على احتلال مواقع النفوذ وتغذية النزاعات المحلية والاقليمية.

وقد حالت دون تطور هذا الصراع « البارد » بين الشقين الى صراع مسلح مباشر عوامل عديدة لعل من بينها:

اولا: وصول الشقين الى نوع من التوازن في التسلح الحديث وخاصة التسلح النووي الذي خلق ما أصبح يسمى  » بتوازن الرعب »

ثانيا: بروز جيل من القادة من الجانبين كانت لهم من الحكمة ما جعلهم يتفادون تدهور العلاقات الى حد التصادم المسلح. وسأعود لهذا الموضوع بعد حين.

ثالثا : إنشاء عدد من المنظمات الدولية ذات طابع سياسي واقتصادي وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة والتي انظمت اليها بصفة تدريجية كل الدول  تقريبا بشقيها الغربي والشرقي مما جعل الجميع يعمل في نطاق مواثيق تلك المنظمات المبنية على أساس العمل السلمي والتعاون. ورغم أن هذه المنظومة عرفت العديد من الهنات وفشلت في تفادي الحروب المحلية فإنّها نجحت في المساعدة على ابعاد شبح حرب عالمية جديدة كانت ستكون مدمرة للجميع وجعلت الخلافات بين القوتين الأعظم وحلفاءهما يدور رحاها داخل أروقة المنظمات الدولية وليس في المدن والأرياف.

هذا وقد أدخل انهيار الاتحاد السوفياتي لأسباب داخلية بالأساس وتفكك الشق الشرقي الذي تبعه تغيير في المعادلة الدولية اذ جعل الشق الغربي, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية , ينتابه شعور بأن العالم تحول بدون رجعة الى مرتع له يستطيع فرض سياساته عليه دون منازع. وبعد أن أوهم في البداية الجميع بأنه يروم اتباع المنهج المتعدد الأطراف في فض النزاعات من خلال أجهزة الأمم المتحدة وتجنب التمشي الاحادي، سرعان ما بدأ في تصفية حساباته مع الدول التي كانت قريبة من الشق الاشتراكي خاصة في العالم الثالث بدأ بالعراق وكوريا ثم ايران وليبيا وسوريا ودول اخرى في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أما في أوروبا فقد عمل القادة الجدد للشق الغربي على استعمال أداته العسكرية « الحلف الأطلسي » التي رفضت الزوال بعد زوال الحرب الباردة، وكذلك أدواته الاقتصادية وخاصة الاتحاد الأوروبي، لضم معظم أقطار أوروبا الشرقية سابقا والبلطيق مما جعلها تلاصق أكثر فأكثر الحدود الروسية في عملية الغرض منها فرض سياج يصعب معه على روسيا الجديدة محاولة التأثير في ما يجري في العالم الخارجي. ولم ينتبه الجميع الى أن عددا من الحقائق بدأت تبرز مع حلول الألفية الجديدة في المعادلة الدولية وهي حقائق ما فتئت تترسخ سنة بعد سنة ومن بين هذه الحقائق أذكر ثلاثة :

أولا : أن توازن الرعب لم يزل بزوال الاتحاد السوفياتي بل زاد خطورة بسبب تطور الامكانيات   التكنولوجية بما فيها التكنولوجيا الرقمية التي أدخلت العالم في مجال الهجمات السيبرنيتية (Les Attaques Cybernétiques) .وروسيا وكذلك الصين هي حسب ما يبدو على رأس من أتقن هذه الوسائل وسأعود لها.

ثانيا: أن العالم منذ نهاية القرن العشرين وخلال القرن الحالي لم يعد يتأثر فحسب بالعاملين السياسي والعسكري خاصة بعد انقراض الايديولوجيات التي كانت تحكمه في الماضي وانتشار امتلاك الاسلحة النووية خارج البوتقة الضيقة القديمة. بل أصبح العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي وهنا لم تعد الدول الغربية التقليدية الماسك الوحيد بزمام الأمور بعد بروز قوى اقتصادية جديدة قادرة وراغبة في فرض وجودها بعيدا عن حدودها وذلك بطرق قانونية تضمنها المعاهدات الدولية. وروسيا وكذلك الصين ودول اخرى هي من بين هذه القوى الجديدة.

ثالثا: وهذا عامل مرتبط بالعاملين الاولين، وصول قوى سياسية « قومية وشعبوية » يزداد عددها يوما بعد يوم وهي قوى لا تؤمن بالنظام الدولي الذي وقع ارساءه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتحاول تفكيكه شيئا فشيئا اعتقادا منها بأن ذلك سيحررها من كل القيود لاسترجاع الهيمنة على العالم واصلاح ما شاب اقتصاد دولها من وهن. وبرز هذا في البداية في عدد من الدول الاوروبية ثم في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن الرئيس الجديد TRUMP الذي اعتلى سدة الحكم بدفع من قوى محافظة تعرف مدى انتفاع أكبر اقتصاد في العالم من هذا النظام انقلب عليه وأصبح من ألدّ اعدائه.

هذه الحقائق الثلاث جعلت في نظري الهدنة التي سادت العلاقات الدولية منذ سنة  1990 يصيبها اختلال كبير ادخل العالم فعلا في بوادر حرب باردة ثانية وينذر بوادر حرب باردة ثانية وينذر بإدخاله في مواجهات لا تحمد عقباها. ومن مظاهر هذا التحول ما يلي :

بعد استرجاع استقرارها السياسي روسيا بدأت تحاول كسر الحصار العسكري الذي ضرب حولها باحتلال شبه جزيرة القرم التي كانت تحت سيطرة اوكرانيا مع إدخال جو من عدم الاستقرار شرق هذا البلد. وعودة روسيا الى شبه جزيرة القرم فتح لها على مصراعيها أبواب البحر الأسود ومن ثمة البحر الأبيض المتوسط اي ما يسمى بالمياه « الدافئة » التي كانت دوما تعمل من أجلها. وهو ما جعلها تنجح في فرض وجودها في سوريا ونسبيا في ليبيا وربما ابعد من ذلك خاصة منطقة البحر الأحمر. هذا يحد كثيرا من تحرك القوى الغربية للإبقاء على اولوية وجودها في تلك المناطق خدمة لمصالحها الذاتية أولا في مراقبة المياه الدولية ومنابع الطاقة والطرق التجارية ثم خدمة لمصالح إسرائيل في الحفاظ على مناطق التوتّر حولها وتأخير امكانية الوصول الى حل عادل للقضية الفلسطينية وهو ما يحدث تشنجا خطيرا في العلاقات الدولية.

هذا التطور جعل الغرب يحول اهتمامه الى محاولة مزيد فرض خنق اقتصادي على روسيا من خلال قرارات عقابية صارمة لإضعاف تجارتها الخارجية والمس من مواردها المالية. ومع الإجراءات العقابية المضادة الذي اتخذتها روسيا والإجراءات المشابهة التي اتخذت بين دول غربية ودول اخرى مثل الصين نجد أن مبدئ حرية انسياب السلع الذي تبناه المجتمع الدولي منذ عقود اصيب في مقتل وهو ما يخلق عائقا كبيرا أمام النظام الدولي ويعود به اشواطا الى الوراء.

وبعد الحصار السياسي والعسكري ومحاولة الخنق الاقتصادي وصل الامر بالغرب الى محاولة العزل الديبلوماسي لروسيا بطرد اكثر من خمس وعشرين دولة زيادة على ادارتي الاتحاد الاوروبي والحلف الأطلسي لعدد كبير من الدبلوماسيين الروس بتعلة قيام موسكو بتسميم جاسوس روسي مزدوج في بريطانيا. وبعد الإجراءات المضادة التي اتخذتها روسيا ضد دبلوماسيين غربيين تكون العلاقات الدولية قد تعرضت لانتكاسة اخرى. وقد كادت هذه الانتكاسة أن تتطور أكثر بعد لجوء عدد من الدول الغربية متحالفة الى توجيه ضربات جوية لسوريا بتعلة مشابهة تتعلق بالاستعمال المزعوم من طرف حكومة هذا البلد للسلاح الكيميائي ضد شعبها. وكأني بهذا السلاح المحرم  دوليا أصبح أداة جديدة في يد من يريد تسميم العلاقات الدولية والحال ان بعض تلك الدول تتوفر على كميات كبيرة من هذا السلاح دون رقيب أو حسيب.

من جهة اخرى تشكل تحالف ثلاثي غربي لضرب سوريا وتحالفات اخرى أساسها دول غربية ودول أخرى قريبة منها يرجع العالم الى منطق التكتلات العسكرية لمحاولة التأثير في الأوضاع الدولية. في نفس الوقت نرى روسيا تقترب أكثر فأكثر من دول اخرى لها وزنها  السياسي والعسكري والاقتصادي مثل الصين وايران وربما تركيا لتكوين مجموعة –ان لم نقل تحالفا- بهدف التصدي للمبادرات الغربية خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وقد كنا نعتقد أن مبدأ الأمن الجماعي أصبح المبدأ الطاغي في العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخاصة اثر زوال الحرب الباردة الأولى وهي المَبَادِئ المثبتة في ميثاق الامم المتحدة ومواثيق المنظمات الاقليمية المختلفة. ولكن من الواضح أن هذه المنظمات أفقدوها دورها الأساسي في الحفاظ على السلم والامن الدوليين مع العودة الى التحالفات بمختلف تسمياتها.

وفي المحصلة فإن المظاهر الاربعة التي ذكرتها منذ حين ومظاهر أخرى لم اذكرها تؤكد في نظري دخول العلاقات الدولية دوامة تذكرنا بما كانت تعيشه خلال الحرب الباردة وقد تؤشر الى أبعد من ذلك. علما أنه اذا ما تأكدت هذه الرؤية فإن المرور من الحرب الباردة الجديدة الى ما هو أخطر لن يدوم نصف قرن كما وقع من قبل بل أقل من ذلك بكثير نظرا لوجود أزمات وأوضاع عديدة في العالم حاليا قد تخرج سريعا عن السيطرة خاصة بعد حلول عدد من المسؤولين فاقدي التجربة في بعض الدول الفاعلة وعدد من المتشددين المتطرفين في دوائر القرار بواشنطن وغيرها من العواصم المؤثرة.

ومن بين الأزمات التي تؤثر حاليا مباشرة على العلاقات الدولية، خاصة بين الدول الكبرى، والتي يمكن أن تخرج عن السيطرة لا شك أن قضية سوريا تأتي في المقدمة وذلك باعتراف الجميع بما في ذلك الامين العام للأمم المتحدة الذي رأى في ذلك البلد « تجمعا لمجابهات وحروب بالإنابة تتداخل فيها العديد من الجيوش النظامية والتنظيمات المعارضة الى جانب الكثير من المليشيات الداخلية والخارجية ومحاربين من كل بقاع العالم ومن عدد من المجموعات الإرهابية »

بؤر التوتر اخرى قد تخرج عن السيطرة من ذلك ليبيا وحتى العراق التي لم يستقر فيها الوضع تماما وكذلك اليمن، ذلك البلد الذي يذبح شعبه على أيدي الأشقاء، دون ان ننسى القضية الفلسطينية والتي ولئن لا نرى فيها تنافسا واضحا بين الغرب وحلفائه من جهة وروسيا من جهة اخرى فإن اي تصعيد اسرائيلي كبير قد يضع الجانبان في مواجهة مباشرة.

من جهة اخرى، ان مشكل النووي الايراني الذي يتخذ منذ عقود ذريعة لفرض حصار خانق على طهران مرشح للرجوع بقوة للبروز بعد تراجع الرئيس TRUMP في الايام القليلة الماضية عن الاتفاق  الذي وقع إقراره سنة 2015 بين ذلك البلد ومجموعة « الست دول » من بينها الولايات المتحدة الأمريكية بمباركة من مجلس الأمن، وهوما فتح من جديد هذا الملف بكل تداعياته على العلاقات الدولية بما في ذلك العلاقات مع حلفاء واشنطن الغربيين الذين سيتضررون كثيرا من إعادة فرض عقوبات اقتصادية ومالية على طهران. وللمرء ان يتساءل لماذا ما أصبح ممكنا مع كوريا الشمالية من تفاهم سينتهي بلقاء قمة يكون مستحيلا مع إيران التي تخلت منذ مدة عن تطلعاتها للتسلح النووي؟ اللهم الا إذا كان السبب الرئيسي ليس مقاومة انتشار اسلحة الدمار الشامل بل أن تجرد منها الدول التي يمكن أن تهدد بها أهداف إسرائيل العدوانية.

الى جانب هذه التوترات يمكن اعتبار التواجد الكثيف للقطع البحرية في أنحاء مختلفة من العالم تابعة لقوى متعددة وكذلك تكاثر التواجد العسكري والثكنات التابعة لبعض القوى الكبرى وحتى المتوسطة خارج حدودها خاصة في مناطق الاضطرابات بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي، يمكن اعتبار ذلك مدعاة للخشية من اندلاع شرارة في اي وقت عن قصد او عن غير قصد قد تؤدي الى خروج الأمور عن السيطرة. وما يزيد من هذه الخشية ان هذه القوى أطلقت مؤخرا العنان لميزانياتها العسكرية ولتطوير أسلحتها بما فيها الأسلحة النووية والبالستية غير عابئة بالقيود المفروضة عليها في الاتفاقيات الدولية وحتى الثنائية التي دخلتها في السابق عن طواعية في الوقت الذي تحاسب فيه الدول الاخرى وبشدة كلما بدا منها ما تعتبره خرقا لمثل هذه الاتفاقيات.

إذا يجد العالم نفسه اليوم في وضعية لا تختلف كثيرا عن تلك التي كان يعيشها خلال النصف الثاني من القرن العشرين بتواجد شقين يلعب الغرب وروسيا الدور الاساسي فيهما ولكن كل شق يتفرع في اتجاهات مختلفة، الشق الغربي وكأني به يتجه نحو هيكلة ثلاثية الأبعاد زعامتها في واشنطن وفرعيها في باريس ولندن مع هوامش في طوكيو وسيول وبعض الدول الأخرى وفي قلب العالم العربي الاسلامي.أما الشق الشرقي فإنه يتمحور حول موسكو وفروعه في طهران ودمشق وربما بغداد وأنقرة (رغم ان هذه الأخيرة لا زالت عضوا في الحلف الأطلسي) دون أن ننسى الدول المحيطة بروسيا في اسيا الوسطى والذين حافظوا على علاقات متينة مع موسكو واحتموا بها.

ولكن بين الأمس واليوم كما المحت في بداية حديثي هنالك فارق كبير. ذلك أنه في أوج الحرب الباردة الأولى كان هناك قادة من طينة ديغول واديناور وكيندي وبرجناف وغيرهم واعون بالأخطار المحدقة وقادرون على تلافي التصعيد الي الحد الأقصى. أما اليوم فنلاحظ أن معظم دول الغرب باستثناء المانيا محكومة بقادة قليلي التجربة في السياسة الخارجية بل تطغى على بعضهم المزاجية والنرجسية وأحدهم احاط نفسه بمجموعة من الوزراء والمستشارين المتشددين الى أبعد الحدود، العازمين على اعادة امجاد بلدهم من خلال الحروب والغزوات والتعامل مع بقية العالم ليس من منطلق الدبلوماسية الهادئة بل من منطلق فرض الأمر الواقع. والأخطر من ذلك أن هذا القائد اعتلى سدة الرئاسة في ظروف يعتبر الكثيرون داخل بلده أنها كانت غامضة ويرون فيها يد بلد أجنبي نجح في التأثير على سير العملية الانتخابية. وفي انتظار ان تبين التحقيقات الجارية حقيقة هذا التدخل من عدمه فإن تصرفات هذا القائد حاليا تبدو حسب الملاحظين يشوبها بعض اللبس. هل هي تصرفات من يدين بشيء ما لذلك البلد الاجنبي او هي ردود فعل متشنجة على الاتهامات التي تكيلها اليه يوميا وسائل الاعلام وبعض الأوساط السياسية مما يضع امكانية اعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة او حتى انهاء  الفترة الحالية محل تساءل كبير. وعلى كل حال فان هذا الوضع جعل السياسة الخارجية لهذا القائد متخبطة مما يؤثر سلبا على مجمل العلاقات الدولية.

بعد هذه الملاحظات حول الازمات والاوضاع السياسية السائدة والتي بصدد اعادة شبح الحرب الباردة، اريد أن اسوق بعض الملاحظات التكميلية التي تضعنا اكثر في الصورة الحقيقية لما نعيشه اليوم :

اولا: الحرب الباردة الجديدة ,ان تأكدت ,وسائلها وطرق عملها ليست سياسية وعسكرية فقط. فالتكنولوجيات الحديثة تلعب فيها دورا كبيرا من خلال ما يسمى بالـــ Cyber Attacks او الهجمات المعلوماتية والتي ذكرتها سابقا وهي هجمات يبدو انها بدأت بالفعل وتقودها اهم الدول الكبرى وهي تمس حاليا أحزابا ومؤسسات سياسية وقد تمس غدا مواقع حساسة كمصالح الكهرباء والغاز والماء مثلا مما قد يتسبب في شلل تام للحياة في الدول المستهدفة. كل الجهات المعنية شرقا وغربا تتوجس خيفة من هذا التطور وتتهم الجانب المقابل بالتحضير لحرب الكترونية ضدها وهذا يدخل مزيدا من الريبة في العلاقات الدولية .

ثانيا: الحرب الباردة الجديدة لها أيضا بعد اقتصادي هام في ظروف الشح السائد والمتزايد في الموارد الطبيعية والمحاولات المحمومة لوضع اليد على ما تيسر من هذه وعلى طرق إيصالها للأسواق العالمية. ويعتبر نقل النفط والغاز من المناطق المنتجة في آسيا الوسطى والخليج وسوريا الى المناطق المستهلكة خاصة في أوروبا واليابان والصين على رأس أولويات القوى العظمى حاليا. كما أن المنافسة بين هذه الموارد الشرق أوسطية والموارد المتوفرة في روسيا والولايات المتحدة الأمريكية تؤثر على موقف هذين البلدين. من جهة أخرى إن توجه الإدارة الأمريكية الحالية للانقضاض على أقصى ما يمكن من الموارد المالية المتوفرة في المنقطة العربية الإسلامية لمساندة اقتصاد ومواطن الشغل في الولايات المتحدة الأمريكية يجعلها تحاول التفرد بالتأثير على دولها الى جانب حرص نفس الإدارة الغير مسبوق على الدفاع عن أهداف إسرائيل وتمكينها من مواصلة تفوقها العسكري والاقتصادي. هذا دون ان ننسى محاولة الولايات المتحدة الأمريكية الاستفادة أكثر ما يمكن من الاقتصاد الدولي مع التنصل من التزاماتها التجارية المضمنة في الاتفاقيات المتعددة الاطراف. كل هذا يزيد من تضارب المصالح ومن اضطراب العلاقات الدولية.

ثالثا: الى جانب البعدين الرقمي والاقتصادي في الحرب الباردة الجديدة فان بعدا اعلاميا بدأ يبرز في بعض الإذاعات والقنوات التلفازية ووسائل الإعلام الورقية مع تسخير بعض الاقلام المعروفة بمواقفها المشبوهة لمزيد تأزيم الوضع القائم. فـــ FOX NEWS في الولايات المتحدة مثلا والمعروفة بولائها لأشد المحافظين في ذلك البلد لا ينقطع هذه الأيام تحريضها على كل من يشتم منه معارضة لمواقف واشنطن في السياسة الداخلية والخارجية. ومن بين الاقلام المجندة لنفس الغرض THOMAS FRIEDMAN الأمريكي الجنسية والصهيوني الميول والذي وإن قدم نفسه غالبا على أنه ليبرالي التوجه فقد صدر له مؤخرا مقال في جريدة NEW YORK TIMES يتساءل فيه بخبث هل أن الرئيس الروسي POUTINE أصبح عميلا الـــ CIA (هكذا). ويرجع تساءله هذا الى كونه يرى في ما يقوم به في العالم من أعمال وبالأعلى بلده روسيا لان تلك الأعمال حسب رأيه تضعف اقتصاده وزاده البشرى وهذا حسب رأيه يتسبب في تأخر في القدرات التكنولوجية لروسيا ويعرض نظامها للخطر. ويدعى FRIEDMAN أن بوتين يفتقد الى الشعبية داخل بلده والا لما نظم انتخابات لا مجال فيها للمنافسة ولما اختار المسكنات عوض الدبلوماسية الصحيحة في قضايا مثل القرم وسوريا. وهو يعتقد أن العالم يتجه نحو التخلي عن وسائل الطاقة التقليدية مما سيؤدي الى مزيد اضعاف الاقتصاد الروسي. كما ان تطلعات الشباب في البلد لمزيد من الحرية ستخيب حسب رأيه امال الرئيس بوتين في مواصلة التحكم في مصير روسيا. الا يذكرنا كل هذا بالدعاية التي كانت توجه نحو الاتحاد السوفيتي السابق وحلفائه في أوج الحرب الباردة الأولى ؟

البوق الثاني الذي اردت ذكره في هذا السياق هو الكاتب الفرنسي الجنسية وأيضا الصهيوني الميول BERNARD HENRI LEVY والذياصدر مؤخرا كتابا أطلق عليه اسم « الإمبراطورية والملوك الخمس، l’empire et les cinq rois ، حيث تحت غطاء الدفاع عن الشعب الكردي وانتقاد لما يراه تخليا من قبل واشنطن عن مصيره فإنه يصب جام غضبه على خمسة رؤساء هم رؤساء روسيا والصين وايران وتركيا الى جانب السلطات السعودية. ويقوم هذا الكاتب بالمزج بين زعماء يناصبهم الغرب ورموز لطائفتين الاسلاميتين الشيعية والسنية. وهذا ينبع من اعتقاد اصحاب التطرف المضاد للإسلام بأن مواقف وأهداف الطائفتين تتلاقى مع مواقف وأهداف روسيا وحلفاءها في المساس بالحضارة اليهودية المسيحية الغربية.

لهذا اعتقد أنه لا يمكن استبعاد ان تكون الحرب الباردة الجديدة، الى جانب ما ذكرته سابقا، موجهة بنفس القدر للقوى المعارضة للغرب وللأمتينالعربية والإسلامية بمختلف اطيافها والمنظمات التابعة لها ولدولها التي يتحتم عليها التخلي عن الخلافات الهامشية للشروع في التفكير بجدية في ما يتهيأ على المستويين الدولي والإقليمي خاصة وأن أولى ضحايا التحولات الجارية في العلاقات الدولية بدأنا نستشعرها في منطقتنا وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحد.

من جهة أخرى، تبقى منظمة الأمم المتحدة في خضم ما يجرى حاليا عاجزة عن ايقاف تدهور العلاقات الدولية وتخلت حسب ما يبدو عن دورها في المحافظة على التوازن الذي بعثت من أجله تماما كما حدث بعد الحرب العالمية الاولى بالنسبة لعصبة الامم, Société des Nations  وقد يكون من الضروري ادخال تغييرات جوهرية على أجهزة المنظمة وطرق عملها خاصة بالنسبة لمجلس الأمن الذي افقدته سيطرة الدول الدائمة العضوية والتي تتمتع بحق النقص كل فاعليته. فعلا كما قال الرئيس الفرنسي MACRON اخيرا أمام الكتقرس لأمريكي لابد من نظام متعدد الأطراف قوي. ولكن اي نظام؟ قد يكون الوقت حان لإعادة الحياة لتوازن واضح داخل مجلس الأمن والمنظمة ككل تشارك فيهبفاعلية دول افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية أومأ كان يسمي بمنظومة « عدم الانحياز » والتي توقفت تقريبا عن النشاط مما أفقد العالم رادعا سياسيا هاما لتغول ما يسمي بالقوى العظمى وعبثها بمصير الانسانية.

وشكرا.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire