الندوة الخاصة بمجلس الأمن الدولي

مداخلة السيد علي الحشاني، سفير سابق، في الندوة الخاصة بمجلس الأمن الدولي التي نظمتها الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين

استقراء للمشهد الدولي والإقليمي في أفق ترشح تونس لعضويته خلال فترة 2020/2021
تونس في 30 جوان 2018
إن تواجد أيّ دولة في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة له تداعيات هامة على مستوى سياستها الخارجية وكذلك على تعاملها مع مصالحها الوطنية. وهذه التداعيات مرتبطة ولا شك بالمشهد الدولي والإقليمي السائد خلال فترة العضوية وأيضا بمدى استعداد الدولة المعنية للعب الدور المنتظر منها. والعضوية الغير دائمة تهم دولا متوسطة وصغيرة الحجم والتي لا ينظر اليها عادة على أن لها مسؤوليات كونية او حتى إقليمية. ولكنها مدعوة مدة العضوية لاتخاذ مواقف قد تؤثر على الوضع خارج حدودها. وهذا ينطبق خاصة على المنطقة التي تنتمي اليها تونس والتي ستمثلها بطريقة أو بأخرى.
فإقبال بلادنا على عضوية غير دائمة في مجلس الأمن يضعنا إذا أمام عدد من التحديات لعلّ أهمها في نظري ما يلي:
اولا: أن تقرأ تونس قراءة محكمة الوضع الدولي المحيط وان تحاول استشراف تقلباته الممكنة وتحديد مواقفها من كل ذلك.
ثانيا: أن تدرس التأثيرات الممكنة للوضع السائد على أمنها وعلى مصالحها الوطنية وتحدد المجالات المتاحة لتحسين فرص صيانة تلك المصالح والنهوض بها. وهذا مرتبط خاصة بالقضايا الإقليمية المعروضة على أنظار المجلس والتي تشكل اولويات بالنسبة لنا.
ثالثا: أن تسعى لجعل العضوية غير الدائمة فرصة نادرة لا تأتي بالنسبة لبلد مثل بلدنا-بحكم نظام التداول المتبع حاليا داخل الاتحاد الافريقي -الا كل عشرين سنة تقريبا لتثبيت مكانتها في العالم وكسب صداقات جديدة من بين الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى.
رابعا: أن تجعل من العضوية مساهمة فعلية في تحقيق الأمن والسلم الدوليين وهي المسؤولية الأساسية لمجلس الامن وذلك بالسعي الدائم لتفادي استعمال القوة وفض النزاعات بالطرق السلمية وبطريقة تشاركية ومتدرجة كما ينص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة.
وسأحاول في ما يلي التعرض باختصار الى كل جانب من هذه الجوانب الاربعة وما يترتب عنه من وجهة نظري بالنسبة لتونس في أفق انضمامها المنتظر لمجلس الأمن:
أبدأ بالتحدي الأوّل الذي أراه لتقمص دور العضو الغير الدائم والنجاح فيه وهو
Iالقراءة المحكمة للوضع الدولي السائد.
والغرض من ذلك ليس السعي لمجابهة ذلك الوضع من موقع المعارضة المستميتة (فبلادنا ليس لها المقدرة على ذلك) بل الاطلاع على مكامن التأثير فيه بغرض الدفاع عن مبادئنا ومواقفنا الوطنية.
 والوضع الدولي كما هو معروف يتسم اليوم بعدم الاستقرار مع التنازع القائم داخل المجلس وفي العالم بين من جهة قوة تتنكر للعلاقات المتعددة الأطراف و تروم ترسيخ العودة الى الاحادية القطبية إن لم نقل الانعزالية – وهي الولايات المتحدة الامريكية-ومن جهة اخرى قوتان تسعيان لفرض الانتقال الى التعددية القطبية –وهما روسيا والصين-مع وجود مجموعة ثالثة تقف في منزلة بين المنزلتين وتسعى لإثبات وجودها بالمناورة بين الطرفين المتباعدين. وتقف حاليا فرنسا وبريطانيا حسب ما يبدوفي هذه المجموعة ولكن بتردد اذ تسعيان للتأكيد على استقلالية قراراتهما الدبلوماسية مع المحافظة على تحالفهما مع الولايات المتحدة الأمريكية والمشاركة في البعض من مغامراتها الخارجية كما حدث ذلك مؤخرا في العملية ضدّ سوريا ومنذ سنوات قليلة ضدّ ليبيا.
إلا انه يلاحظ في نفس الوقت تصاعد الخلافات بين الحلفاء الغربيين حول عدد من القضايا خاصة التجارية التي تتعارض فيها مصالحها، كما حدث مؤخرا في مؤتمر مجموعة السبعة بكندا. علما بان مؤشرات الحرب التجارية التي أشعل فتيلها الرئيس ترامب بدأت اثارها المدمرة تظهر ليس فقط على مستوى اقتصاد الدول الغربية بل تعداها إلى دول أخرى كالصين والمكسيك وقد تتسبب في أزمة تطال العالم أجمع بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
وحتى وحدة الاتحاد الأوروبي بدأت تتصدع بعد قرار بريطانيا الخروج منه واتساع هيمنة الحركات الشعبوية واليمينية على عدد من دوله واخرها إيطاليا واحتدام الخلافات حول سياسة الهجرة التي قد تكون القمة الأخيرة في بروكسل خففت منها دون إزالتها. ومن تجليات هذا الوضعموقف الوزير الإيطالي الجديد للداخلية الذي ذهب مؤخرا إلى حد التشكيك في إمكانية أن يصمد الاتحاد الأوروبي إلى ما بعد السنة القادمة.في حين يعتقد البعض أن توجه فرنسا وألمانيا ومن سيحذو حذوهما من بين الدول الأوروبية إلى إنشاء نواة دفاع مشترك خاصة في مجال الطيران الحربي المتقدم قد يجعل مستقبل الحلف الأطلسي محل تساءل.
هذا كله يعطي الانطباع بأن التحالف الغربي قد يكون في طريقه إلى الترهل ربما لفائدة تحالف جد يد بين الولايات المتحدة ودول شرقي آسيا بدأت معالمه تظهر من خلال عملية اذابة الجليد التي قام بها الرئيس ترامب مع كوريا الشمالية بمشاركة اليابان وكوريا الجنوبية ومباركة من أستراليا. هذا في نفس الوقت الذي يتعزّز فيه التحالف الروسي الصيني خاصة من خلال منظومة شنغهاي للتعاون التي انظمت اليها مؤخرا دول ذات وزن مثل الهند وباكستان وربما قريبا أيران، وكذلك منظومة البريكس التي بدأت تكتسي طابعا سياسيا إلى جانب طابعها الاقتصادي.
بالإضافة إلى ذلك فإن الأعلان مؤخرا عن اعتزام الرئيسين بوتين وترامب عقد قمة بينهما في أواسط شهر جويلية القادم بهلسنكي قد يؤدي إلى شروخ جديدة في المعسكر الغربي وإلى مزيد من الانقسام داخل المجموعة الأوربية خاصة إذا ما أدت هذه القمة إلى تقارب بين موسكو وواشنطن لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح حلفاء هذه الأخيرة الذين كانوا قد انجروا بدون تحسب وراء إجراءات عقابية قاسية حيال جارهم الأكبر قد يلومون أنفسهم مستقبلا على اتخاذها.
   هكذا فان تحولات تحدث حاليا في العلاقات بين القوى الكبرى قد يكون لها بالغ الأثر على أشغال مجلس الأمن في السنوات القليلة القادمة. ذلك أنه وبالنظرالى أن الخماسي المذكور اعلاه – اي الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا-تحظى كلها بالعضوية الدائمة في المجلس وبحق النقض فإن خلافاتها ومناوراتهاخلقت بعد الكثيرمن الاضطراب داخل المجلس منذرة بإحداث جمود في عمل منظمة الأمم المتحدة في مجال الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. ومن المتوقع أن يتواصل هذا الوضع بل قد يشتد حدة بين سنتي 2020-2021 فترة تواجد تونس المنتظر في المجلس خاصة إذا ما وقع أعادة انتخاب الرئيس ترامب على رأس الولايات المتحدة الامريكية.وان بلادنا قد تشعر مع بقية الدول الغير دائمة بالإحباط خاصة وأننا سنتعرض حتما لضغوطات مستمرة -وفي بعض الأحيان لإغراءات معينة-من قبل الدول الدائمة العضوية او بعضها لتأييد مواقفها حتى وإن كانت مشطة حول عدد من القضايا خاصة تلك التي تكتسي طابعاكونيا أو عاما.
 ومن هذه القضايا مقاومة الإرهاب، وفرض العقوبات أورفعها، وتنفيذ نظام منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، واللجوء للبند السابع من الميثاق،واستعمال القوة العسكرية، وإرساء عمليات حفظ السلام، و تفعيل التوجهات المستحدثة كالتوجه الخاص بما يسمى مسؤولية الحماية (La responsabilité de protéger) والذي وقع بمقتضاه تدخل الأطلسي في ليبيا، وكذلك إمكانية التحرك عند اتهام نظام ما باقتراف انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، كما حدث مع سوريا،أو بالسماح أو عدم القدرة على منع اقتراف جرائم عابرة للحدود، كما حدث ذلك في صوماليا، الخ…وهي كلها قضايا تدخل في لعبة لي الذراع بين القوى العظمى وبين هذه الأخيرة وبقية الدول.علما بأن الجدل لا زال على أشده خارج مجلس الأمن وداخله حول مدى أهلية هذا الأخير للتدخل بتعلة الحفاظ أو اعادة الأمن و السلم العالميين في القضايا التي تعتبرمنصميم السيادة الوطنية للدول. هذا إلى جانب النزعة التي باتت لدى بعض الدول الغربية خاصة للتوسيع من صلاحيات المجلس على حساب الأجهزة الأممية الأخرى وخاصة الجمعية العامة والمسؤوليات السيادية لما يتعلق الأمر بالتشريعات والقوانين المرتبطة بالعلاقات بين الدول وبإقرار المعاهدات وتنفيذها.
وفي نظري يبدو من الأفضل عدم التّماهي مع كل هذه النزعات المخالفة لروح الميثاق ونصه. كما يتعيّنمقابلة أيّة  ضغوطاتبرباطة جأش خاصة على مستوى المصالح المركزية التي غالبا ما تلتجئ اليها دول دائمة العضوية للتأثير على القرار الوطني إذا ما شعرت بأن السفير الممثل الدائم بمجلس الأمن يميل الى مواقف مبدئية لا تتلاءم مع مواقفها. ولنتذكر بأنه وان كنا قريبين من شق معين بحكم التاريخ والقناعات في الحرية والديمقراطية فان هذا القرب لا يعني بالضرورة التبعيّة والحالأننا ربطنا منذ الاستقلال وخاصة في السنوات الأخيرة علاقات طيبة سياسية واقتصادية مع روسيا والصين والتزمنا دائما بمبادئ قارة في سياستنا الخارجية من بينها مساندةالقضايا العادلة ورفض الانتماء الى محاور والوقوف الى جانب الدول الغير منحازة في سعيها لنظام عالمي يعطي للدول الصغيرة والمتوسطة مكانتها.
لهذا فإن مواقف تونس داخل مجلس الامن حول القضايا ذات البعد العام التي تباعد بين الدول الأكثر تأثيرا من المحبذ ان تكون مواقف معتدلة تدعو الى التهدئة والتوافق والى جعل قواعد القانون الدولي ومقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة تعلو على أي تطلعات من هذا الجانب او ذلك لفرض رؤية خاصة لحاضر العالم ومستقبله.
-II-أمّا التحدي الثاني الذي ستتعرض له تونس خلال العضوية المرتقبة في مجلس الأمن فهو في نظري حماية مصالحنا المباشرة خاصة لما يتعلق الامر بالقضايا الإقليمية التي تهم بلادنا من قريب. ويجب الا ننسى هنا بان الدول الأعضاء غير الدائمين بمجلس الأمن يقع انتخابها على أساس انتمائها لمناطق مختلفة وهي مدعوة لتمثيل وجهة نظرها وان لم تكن نائبة عنها بصفة رسمية. وتونس ستكون طوال سنتين الدولة العربية الوحيدة المتواجدة في مجلس الامن وواحدة من ثلاث دول افريقية فحسب. لذا سيكون على عاتقها ان تعكس تطلعات المجموعة العربية بكل تناقضاتها وبضعف الجامعة التي تمثل مبدئيا تلك التطلعات وكذلك قضايا المجموعة الافريقية المنكبة على حل ما تبقى من مشاكلها الداخلية حتى تتفرغ نهائيا للتنمية. هذا دون نسيان قضايا مجموعات أخرى تشاركنا الاهتمامات السياسية والاقتصادية.
وتحمّل هذه المسؤولية يبدأ بالحملة الانتخابية التي من المفروض ان نشرع فيها في الخريف القادم على هامش الدورة العادية المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة. اذ ورغم أن تأييد المجموعات التي ننتمي اليها لترشح تونس شبه مؤكد بحكم قواعد التداول المعمول بها،فان عملية الانتخاب لن تتم الا في شهر جوان من السنة القادمة بعد اتصالات مكثفة ومرهقة يجب القيام بها على مختلف المستويات ومع أكبر عدد ممكن من الدول للحصول على اصواتها وتخطي حاجز أغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين والمشاركين في التصويت وذلك بفارق عريض. ونجاح اي بلد في الوصول الى مقعد غير دائم داخل مجلس الأمن يقاس عادة بعدد الأصوات التي يجمعها مقارنة بالدول الأخرى المترشحة مما يعطيه هالة خاصة وتمثيلية يقرأ لها حساب في ما بعد. إلا أن ذلك على أهميته لا يجب أن يجرنا الى إطلاق العنان لوعود انتخابية تجعلنا مغلولي الايدي داخل المجلس. ان حملتنا الانتخابية حتى تكون ناجحة يجب ان تؤدي الى حصول ثقة لدى أكبر عدد ممكن من الدول بأننا سنبقى مستعدين للإصغاء للجميع والأخذ بقدرالامكان بكل الآراء في نطاق مصالح المجموعة الدولية وكذلك في نطاق مواقفنا ومصالحنا الوطنية.
ولا شك أن أوّل مصلحة لتونس هي أن تسهم في حل القضايا القريبة منا وقضايا دول الجوار وصولا الى قضايا الدول العربية والإفريقية التي تعاني من اضطرابات داخلية ذات أبعاد إقليمية ودولية مع اهتمام بموضوع تغلغل الارهاب في المنطقتين العربية والإفريقية من خلال تلك الدول. وهذا يتطلب أن تكون تونس مطلعة دائما وبدقة على الوضعفي الدول المعنية مباشرة وعلى اراء دول الجوار والمنظمات الإقليمية وشبه إقليمية التابعة لها مع الحرص قدر الإمكان على عرض مقاربات منسقة وقابلة للتفعيل.
وإذا ما تعذر هذا التنسيق فإن على تونس تحمل مسؤولياتها كما تمليه عليها نظرتها للقضايا المطروحة ومصلحتها فيعدم الدخول في مهاترات لا طائل من ورائها. كمايتعين ان ننبه المجلس باستمرار الى ضرورة عدم انتظار تدهور الأوضاع في أي بلد، خاصة في افريقيا والعالم العربي دون تفعيل وسائل منع نشوب النزاعات وفضها بالطرق السلمية التي بيّنها البند السادس من الميثاقأو تلك التي يمتلكها الأمين العام للمنظمة، وذلك قبل اللجوء للعقوبات والوسائل الأخرى-خاصة لمّا يناط تنفيذها بعهدة مجموعة معينة من الدول –والتي تثقل كاهل الشعوب المعنية كما رأينا ذلك في العراق وليبيا. تلك هي مسؤوليتنا تجاه هذه الشعوب الشقيقة.
ودون التغاضي عن باقي المسائل الإقليمية، من المنتظر إذا ان تعترضنا في مجلس الامن خلال عهدتنا خمس قضايا اساسية تهمنا مباشرة وتتداخل فيها التوازنات الدولية والتوازنات الإقليمية والمحلية:
أولا: القضية الفلسطينية خاصة بعد التحول الخطير الذي حصل حولها في موقف الادارة الامريكية الحالية واشتداد التعنت الإسرائيلي واعتداءاته. وإذا ما تأكد تقديم واشنطن ما سمي “بصفقة القرن” والتي يرى فيها الفلسطينيونتصفية لقضيتهم،وإذا ما بقيت هذه الصفقة على الطاولة إلى حد دخولنا إلى المجلس، فسندعى حتما الى اتخاذ موقف منها امام الغياب المنتظر للإجماع العربي وربما الفلسطيني حيالها وهذا ما سيضعنا أمام خيارات صعبة.
ثانيا: قضية الصحراء التي تعرف تطورات جديدة تزيد من تعقيدها وربما تؤدي الى نشوب اضطرابات في المنطقة قد تتطلب تدخلا من مجلس الأمن مما سيضعنا امام حتمية اتخاذ مواقف قد تخرجنا عن حيادنا المعتاد في هذا المجال وتؤثر على علاقاتنا الإقليمية.
 
ثالثا:الوضع في الجارة ليبيا الذي يسير حسب ما يبدو في طريق الانفراج خاصة إذا ما تأكد اجراء الانتخابات في ذلك البلد مع موفي السنة الحالية. ولكن تبقى العملية محفوفة بالمخاطر بسبب تواصل تواجد الميليشيات وقوى إرهابية وأخرى معادية للاستقرار في ذلك البلد. ومجلس الأمن سيدعى حتما للاهتمام مجددا بالموضوع إما لمرافقة الانتقال السلمي أو للتعامل مع إفرازات محاولات التخريب لهذا الانتقال. وإذا ما استمر هذا الحال الى سنة 2020 فسينظر الى تونس لإعطاء الإشارات الضرورية مما سيضعنا امام حتمية الحسم في موقفنا من أطراف قد لا تساند المسلك السلمي أو تدخلا أكثر صرامة من مجلس الأمن خاصة إذا ما جاءت صناديق الاقتراع بما لا يتلاءم مع أهدافها.أما إذا ما سارت الأمور كما يأمله المجتمع الدولي فستتحول الأنظار حتما إلى عملية إعادة بناء ليبيا التي قد تدعى الأمم المتحدة إلى لعب دور تنسيقي فيها. وهنا يجب التأكد داخل مجلس الأمن من أن تحظى دول الجوار التي كانت الأكثر تضررا طوال الأزمة، بما في ذلك تونس، بأولوية تتناسب مع تضحياتها الجسام.
 
رابعا: القضية السورية وتفرعاتها وهي القضية التي ما فتئت تضع روسيا والولايات المتحدة وجها لوجه داخل مجلس الأمن مع استعمال الاولى المتكرر لحق النقض لإجهاض عدد من مشاريع القرارات التي تصر الثانية على تقديمها لمزيد التضييق على الحكومة السورية الشرعية. ويزداد هذا الوضع تعقيدا بحكم ولوج ملف سوريا وكذلك ملف اليمن المنكوب في المعادلة الإيرانية باستعمال قضية النووي لمحاولة استئصال النفوذ الإيراني في المنطقة ككل وربما توجيه ضربات مباشرة لطهران وذلك بتشجيع من الكيان الإسرائيلي ومباركة من بعض القوى الإقليمية الاخرى. ولا شك أن هذه الملفات الثلاثة –سوريا واليمن وإيران -ستبقى متشابكةوفي صدارة اهتمامات مجلس الأمن في السنوات المقبلة وسط خلافات دولية وإقليمية عميقة حولها مما سيضعنا أمام خيارات صعبة لا بد أن  نتهيأ لها.
 
خامسا: مخلفات قضايا النزاعات الداخلية الإفريقية التي أشاعت الفوضى في عدد من الدولوالأقاليم مثل الكنغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى وبورندي ودارفور، مماجعل الأمم المتحدة ترسل إلى إفريقيا أكبر عدد من عمليات حفظ السلام. والتحدي الأكبر هنا هو في جعل مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة يحولان تلك العمليات ذات الطابع العسكري والأمني الى تدخلات أممية لإعادة بناء السلام واللحاق بركب التنمية في افريقيا بعد أن يعود الاستقرارنهائيا، مع تفادي بروز بؤر توتر جديدة والتنسيق المستمر في كل ذلك مع الاتحاد الأفريقي.
III- وما سبق يجرّنا إلى التطرق للتحدي الثالث أمام تونس خلال العضوية المنتظرة في مجلس الأمن وهو جعل هذه العضوية تساعد بلادنا على تثبيت مكانتها في محيطنا وفي العالم وكسب صداقات جديدة ولما لاامكانيات تعاون اضافية.
 وقد يتبادر الى الذهن بأن هذا يتطلب مقايضة تأييدنا لهذا الموقف او ذاك داخل المجلس بعوائد سياسية او اقتصادية كما يحدث أحيانا مع بعض الدول. الا ان مثل هذه المقايضة لا تتناسب مع بلد مثل تونس بنى سياسته الخارجية على ثوابت مستقرة منذ الاستقلال وهي مبادئ اساسها الاتزان وإعطاء الاولوية للحلول السلمية في العلاقات الدولية.
إنّ تونس بإمكانها أن تلعب دورا نشيطا وبناء في القضايا العامة والإقليمية رغم حجمها المتواضع ويحق لها ان تقدم تجربتها الديمقراطية وجنوحها الى الحوار كمثال يحتذى في حل المشاكل الخارجية والداخلية لعدد من الدول الاخرى التي يتدخل المجلس لإعادة الأمن والاستقرار لها أو بينها. وهذا بدوره سيدر على تونس فوائد سياسية وربما اقتصادية كما حدث ذلك اثناء دخولنا للمرة الاولى الى مجلس الأمن سنتي 1960-1959 وترأسنا للجمعية العامة للأمم المتحدة في اتجاه العمل بدون كلل على تصفية الاستعمار ومقاومة التمييز العنصري؛ مما فتح لنا آنذاك ابواب افريقيا ودول اخرى واعطى دفعا قويا لدبلوماسيتنا ولاقتصادنا الناشئ.
معنى هذا أن تونس يجب أن تظل مناصرة للعدل والسلم في التعامل مع القضايا الدولية والإقليمية وأن تبقى مساندة للدول الضعيفة من بين اعضاء المجموعة الدولية والتي قد تتعرض لتدخل سافر في شؤونها الداخلية من طرف دول أقوى. ولنعلم أن احترام مبدئ سيادة الدول صغيرها وكبيرها هو حجر الزاوية للنظام الدولي الذي وقع ارساءه بعد الحرب العالمية الثانية وأقر في ميثاق الأمم المتحدة. وكلما وقع المساس بهذا المبدئ حدثت مآسي داخلية وعلى مستوى العلاقات بين الدول.
كما أن ما نشهده من تحولات في التوازنات الدولية والنزعة المتجددة للاستقطاب يعطى مسؤولية خاصة للدول غير الدائمة العضوية-أو كما يقال المنتخبة-في مجلس الأمن اذ عليها لعب دور الحكم بين الدول العظمى والتي ستحتاج لتأييدها لتمرير مبادراتها. ذلك لأن حق  النقض-الفيتو إذا ما وقع استعماله يكتسي مفعولا سلبيا بإلغاء مشاريع قرارات ولكنتثبيت أي مبادرة يحتاج –بمقتضى المنظومة الحالية-موافقة تسع دول على الاقل وهو ما يعطى للأعضاء غير الدائمين قوة لا يستهان بها لم يقع مع الاسف استعمالها الا في حالات قليلة. وهذا يحتم على تونس أن تكثف التعامل مع الدول الأعضاء الغيردائمة الأخرى في المجلس لأحداث نوع من التوازن داخله مع مواصلة تأييد المجهودات الرامية الى اصلاح هذا الأخير في اتجاه تمثيل أفضل للدول المتوسطة والصغيرة خاصة منها الافريقية، والتقليل من استعمال حق النقض، وتحسين طرق العمل داخله بمزيد الشفافية والتفتح أكثر على مشاغل الدول الغير عضوة وتحسينعلاقاته بباقي الأجهزة الأممية بدأ بالجمعية العامة التي يجب أن تبقى الممثل الأصلي للشرعية الدولية وللضمير العالمي برمته.
IVهذا ما يفضي بي إلى التحدي الأخير في المهمة التي تنتظر تونس في مجلس الأمن وهو المتعلق بضرورة المساهمة في تحقيق الأمن والسلم الدوليين على أساس التشاركية والتدرج. فالنزعة التي برزت خلال الأشهر الأخيرة باللجوء إلى القوةوالعقوبات المختلفةأو التهديد بها بصفة أحادية في سوريا واليمن وإيران وقبلها في كوريا الشمالية يعتبر تقويضا لمبدئتفعيل الأمن الجماعي الذي أقرّه ميثاق الأمم المتحدة والبحث عن الحلول السلمية والتوافقية قبل التلويح باستعمال الوسائل القسرية التي لا يمكن إقرارهاإلا من طرف الأمم المتحدة أي على وجه الخصوص مجلس الأمن ما عدى في حالات الدفاع عن النفس المحكومة بشروط معينة.
 وتونس لا يمكن ان تقبل بأن تأخذ أي دولة مهما عظمت حرية فرض إرادتها على الإرادةالأممية والتحرك لإيجاد حلول للقضايا الأمنية بين الدول خارج نطاق التوافق العريض. والعضوية في مجلس الأمن لا بد أن تكون فرصة لبلادنا لتأكيد إيمانها بنظام دولي تسوده الشرعية وتفض فيه النزاعات بصفة تشاركية وهذه خير ضمانةلأمن البلدان الصغيرة والمتوسطة مثل بلدنا.وقد يكون من المفيد في منظورالد خول الى مجلس الأمن أن تسعى تونس لمزيد المشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية –التي لنا فيها باع لا يستهان به- لما لذلك من وقع حسن علي سمعة البلاد كعنصراستقرارفي العالم خاصة وأن احدى القاعدتين الأساسيتين للانتماء للمجلس بحسب الميثاق هي ،إلى جانب التمثيل الجغرافي العادل، المساهمة فيحفظ السلم و الأمن الدوليين.
من الجليّ إذن أن تونس مقدمة على الاضطلاع بمهمة حساسة كعضو غير دائم بمجلس الأمن وفي فترة وبيئة دولية وإقليمية شديدتي الاضطراب. وسيكون لهذه المشاركة أثر ايجابي على مكانتها في العالم وعلى مصالحها إذا ما احسنت الاستعداد لها. ولكن يمكن أيضا أن يكون لها تداعيات سلبية إذا ما أسأنا الاستعداد لهذا الموعد وانتهى بنا الأمر الى خلق عداوات عوض الحصول على صداقات جديدة مما سيكون له أسوأ الأثر على مكانتنا وعلى مصالحنا.
وفي نظري يبدو من المتعيّن في باب الاستعداد لضمان كسب العضوية في مجلس الأمن بأكبر قدر من الإقناع بأن يقع أوّلا وضع خطة للقيام بحملة انتخابية فعالة تضمن لبلادنا الحصول على أكبر قدر من التأييد داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة وخارجها. وتقع هذه الحملة المكثفة في أروقة المنتظم الاممي وفي مختلف العواصم التي لنا بها مراكز دبلوماسية وتلك التي ليس لنا بها حضور قار. وهنا والى جانب ما ستدعى بعثتنا الدائمة في نيويورك وبعثاتنا الأخرى وكذلك المصالح المركزية للقيام به فقد يكون من المفيد التفكير في تعيين مبعوث تونسي خاص لمجلس الأمن برتبة سفير، مهمته الاتصال المباشر ببعض الدول الفاعلة قبل الانتخابات وبعدها.
والاستعداد يكون أيضا في نظري بأن تفكر وزارة الشؤون الخارجية منذ الآن في ان ترسل الى بعثتنا الدائمة بنيويورك العدد الكافي من الدبلوماسيين المحنكين والمتقنين للغات بما فيها اللغة الانجليزية لتغطية مختلف أنشطة المجلس وهي كثيرة على ان يقع ذلك في وقت مبكر حتى يتمرسوا على ما ينتظرهم من عمل طويل ومضني.كما ينتظرأنيكون على رأس البعثة سفير له الخبرة الضرورية مع مساعدأول برتبة سفيرله من المؤهلات ما يمكنه من القيام بمسؤولية التنسيق داخل البعثة وتمثيل تونس أحسن تمثيل في صورة غياب المسؤول الأول عن مقعده في قاعة المجلس.
والاستعداد يكون أخيرا في نظري بأن يوجد على مستوى الإدارة المركزية بتونس فريق متعدد الاختصاصات له القدرة على متابعة أعمال المجلس بصفة مستمرة وتزويد البعثة بالمعلومات والتوجيهات في الوقت المناسب والتنسيق بين هذه الأخيرة والمراكز الدبلوماسية التونسية الأخرىوالتي هي مدعوة بدورها للبقاء مجندة للمساعدة في هذه المهمة. وينتظر من فريق نيويورك وفريق تونس أن يكون لهما ملفات جاهزة حول القضايا المعروضة على المجلس خاصة تلك التي تهمنا بصفة مباشرة وان يحددا بتنسيق كامل بينهما وتحت اشراف أصحاب القرار السياسي موآقف واضحة من تلك القضايا وتطوراتها الممكنة.
                                           ……………………….
يمكن أن نقول إذن بأن نجاح الدبلوماسية التونسية في هذه المشاركة بمجلس الأمن سيجعلها تبرزمن جديد ما تمتاز به من قدرات خدمة لتونس وللأمن والسلم الدوليين. وسيتجلى ذلك أكثر لدى ترأس بلادنا مرة أو مرتين، حسب التسلسل الأبجدي، لأعمال المجلس حيث ستستقطب الانظار في الامم المتحدة وفي العالم خاصة لما توجه الاهتمام-كما يحق لها ذلك-نحو قضايا أساسية تختارها بعناية لحوار أو حوارات رفيعة المستوى. وسيكون هذا لعمري مدعاة للفخر والاعتزاز ويشكل أفضل تتويج لفترة في تاريخ الدبلوماسية التونسية ستكون حافلة باللقاءات الهامة الني ستحتضنها بلادنا عسى أن تؤدي إلى توضيح الرؤية بالنسبة لعدد من المسائل والى إعادة اللحمة بين دول انتماءاتنا الجغرافية والسياسية وتسهل علينا بالتالي التكليف الأممي القادم.
                                       وشكرا

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer