مرئيات سفير سابق لسياسة تونس الخارجية المنشودة في ظل الرئاسة الجديدة…

بقلم: محمد إبراهيم الحصايري

يحتوي هذا المقال على جملة من الأفكار والمقترحات التي أحببت أن أدلي بها، أو أجدّد الإدلاء بها، في بداية الفترة الرئاسية الجديدة، عسى أن تجد آذانا صاغية من رئيس الجمهورية الذي يختصّ، دستوريا، بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، وهو يستهلّ، على بركة الله، عمله على رأس تونس التي نسأل الله أن يُؤْتِيَهَا من لَدُنْهُ رحمةً وأن يُهَيّئَ لها من أمرها رَشَدًا حتى يتسنى لها الخروج من وضعها الصعب الراهن.

ومما حفزني على الإدلاء بهذه المرئيات ما لاحظته من نَفَسٍ تَجْدِيدِيٍّ رافق الحملة الانتخابية الرئاسية، وبدا واضحا في خطاب القسم فيما يتعلق بمختلف شؤون البلاد عامّة، وبسياستها الخارجية خاصّة.

وفي البداية، وانطلاقا من أنني أؤمن بأنّ مُحَدٍّدَات السياسة الخارجية لأي دولة من دول العالم هي واقِعُهَا ومَوْقِعُها وَوَقْعُ السياقين الإقليمي والدولي على سياقها الوطني، فإنني أعتقد أن سياسة بلادنا الخارجية باتت، ونحن على أبواب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بكل ما حمله ويحمله من متغيّرات وطنية وإقليمية ودولية عميقة، بحاجة ماسّة إلى جملة من المراجعات الضرورية والمتأكدة التي نفصّل الحديث عنها فيما يلي:

1) لمّا كانت الدبلوماسية هي الأداة التنفيذية لسياسة البلاد الخارجية، وبالنظر إلى أن إمكاناتها المادية والبشرية ليست بالكبيرة، فإنّ وزارة الشؤون الخارجية مدعوّة، باستمرار، إلى ترشيد التصرّف في هذه الإمكانات، وإلى إحكام توظيفها في خدمة أهدافنا الوطنية بأقصى قدر من النجاعة والفاعلية…

ومن هذا المنطلق، وفي ظل المتغيّرات العميقة التي طرأت على موازين القوى الاقتصادية في العالم، وبالنظر إلى حاجة بلادنا الأكيدة إلى التأقلم مع مستجدّات الظّرفية الاقتصادية العالمية الجديدة، فقد بات من الضروري أن تقوم وزارة الشؤون الخارجية بمراجعة خريطة تمثيلنا الدبلوماسي في مختلف القارات، وذلك بإعادة نشر البعثات الدبلوماسية في الخارج وفقا لأهداف المرحلتين الراهنة، والمقبلة على المَدَيَيْن القريب والبعيد.

وفيما أرى، فإنّه سيكون من المهمّ أن تبدأ المراجعة المطلوبة بخريطة تمثيلنا الدبلوماسي في بلدان القارة الأوروبية، فمثلما هو معلوم، أصبح قسم كبير من التعاون التونسي الأوروبي يمرّ عبر قناة الاتحاد الأوروبي، وليس عبر قناة العلاقات الثنائية التي تربطنا بكل بلد من هذه البلدان، وبناء على ذلك، فقد بات من الممكن أن يتمّ، بالارتكاز على دراسة دقيقة وموضوعية، التخفيض من عدد الدبلوماسيين العاملين في بعض بعثاتنا الدبلوماسية في عدد من العواصم الأوروبية، على أن تقع إعادة نشرهم، إما لتعزيز بعض بعثاتنا الدبلوماسية القائمة، ومنها مثلا بعثتنا ببروكسيل باعتبارها عاصمة أوروبا لا عاصمة بلجيكا فحسب، وإما لافتتاح عدد من البعثات الجديدة في القارّتين الإفريقية والآسيوية وفي أمريكا اللاتينية…

والحقيقة أن الحديث عن هذه المراجعة الضرورية والأكيدة ما فتئ يتردد على الألسنة منذ سنوات عديدة، غير أن أيّ اجراء عملي لم يُتَّخَذ في هذا الصدد، ولو ألقينا اليوم نظرة سريعة على خريطة تمثيلنا في إفريقيا ما وراء الصحراء، أو في آسيا، أو في أمريكا اللاتينية، للاحظنا بسهولة أن هذا التمثيل محدود أو هو محدود جدا سواء من حيث الكمّ أو من حيث الكيف، فعدد بعثاتنا في بلدان كل منطقة من هذه المناطق الهامّة يكاد يعدّ على الأصابع، ثم إن هذه البعثات لا تتوفّر، في الغالب، على ما تتوفر عليه البعثات في البلدان الأوروبية من إمكانات مادية وبشرية…

لكل ذلك، أعتقد أن الوقت حان للتوقّف عن الحديث، والشروع، على الفور، في العمل على إنجاز المراجعة المطلوبة، ذلك أن تعزيز تعاوننا مع البلدان الإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية ونفاذنا إلى أسواقها الواسعة رهينان ببذل جهد ميداني صبور، مثابر، طويل النفس لا يمكن أن يتحقّق إلا على أيدي بعثات دبلوماسية قارّة وذات إمكانات بشرية مقتدرة…

ولا بد هنا من التنبيه إلى أن عملية المراجعة المقترحة لن تكون هيّنة، فهي ستحتاج إلى خطة عمل يستغرق تنفيذها عدة سنوات، كما إنه من المنتظر أن تصادف شيئا كثيرا من « الممانعة » وحتى « المقاومة »، أولا لأنّ تغيير العادات الراسخة عند البَشَر أمر في غاية الصعوبة، وثانيا لأن البديل عن الحياة السهلة المرفّهة في أوروبا لن يكون مغريا لأسباب عديدة… ولذلك فإنه سيكون من الضروري تجديد عقيدة الدبلوماسية التونسية حتى تكون دبلوماسية « مناضلة »، بكل ما في النضال من معنى.

2) في ظل التحولات الجذرية العميقة التي شهدتها تونس والمنطقة والعالم في غضون أكثر من جيلين من الزمن مرّا على الاستقلال، أحسب أن بلادنا تحتاج اليوم إلى مراجعة العلاقة « الاحتكارية » أو « شبه الاحتكارية » التي ربطتها ماضيا، وتربطها حاضرا، ويراد أن تربطها مستقبلا بأوروبا عموما، وبفرنسا خصوصا… وذلك من منطلق الوعي بأنّ هذه العلاقة غير منصفة ولا متوازنة وهي لا تراعي مصالحنا بالقدر المطلوب، وقد حان الوقت للشروع في العمل، بالتدريج، على التخفيف من حِدَّة « احتكاريتها » على مختلف الأصعدة وخاصة على الصعيد الاقتصادي.

والأمر المؤكد، وفقا لما يقرّ به خبراء الاقتصاد، أن استعادة قدرتنا على انتقاء حرفائنا، وفي نفس الوقت اختيار مزوّدينا، من شأنها أن تمكّن بلادنا من تحسين شروط مبادلاتها التجارية بيعا وشراء…

ومن المهمّ في هذا السياق بالذات أن تعمل بلادنا على أخذ الجدل الحادّ الذي يثيره « اتفاق التبادل الحر المعمّق والشامل (الأليكا) » بعين الاعتبار في مقاربة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول هذا الاتفاق، حتى تتم المفاوضات على أسس جديدة تراعي واقع بلادنا اليوم، وتقدم مصلحتها على ما سواها من الاعتبارات مهما كانت الضغوط التي قد تُسلَّط عليها.

3) بالموازاة مع ما تقدّم، يحتاج مجمل العمل الخارجي التونسي، هو أيضا، إلى المراجعة، من أجل ترشيده وإحكام التنسيق بين تحرّكات كافة المتدخلين فيه، بما يحدّ من إهدار الأموال العمومية من ناحية، ومن تشتّت الجهود وربما تضاربها من ناحية أخرى.

وهذه القضية قضية معقّدة وشائكة، لأنها تتعلّق بتراكمات مسلكيّات منحرفة أدت إلى تجريد وزارة الشؤون الخارجية والبعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج من وظائفها الأساسية… حيث تمّ العمل، في فترة ما ولأسباب وغايات متعددة، على توزيع هذه الوظائف على العديد من الوزارات والهياكل الأخرى، على غرار وزارة التعاون الدولي والاستثمار الخارجي والهياكل المتفرعة عنها كالوكالة التونسية للتعاون الفني ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، وعلى غرار مركز النهوض بالصادرات، والديوان الوطني للسياحة التونسية، وديوان التونسيين بالخارج… وقد أصبحت لهذه الهياكل المختلفة ممثّلياتها بالخارج التي تعمل، في الغالب، باستقلالية عن البعثات الدبلوماسية، ووفقا لقواعد تختلف عن قواعد عملها، كما تتمتع بامتيازات تتجاوز أحيانا امتيازات البعثات الدبلوماسية والقنصلية، وهو ما جعل هذه الهياكل تتبارى في التوسّع في فتح المزيد من الممثّليات بمبرّر، وبغير مبرّر…

ودون الدخول في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى هذه التراكمات، فإنّ ما ينبغي التأكيد عليه هو أن انتشار ممثّليات هذه الهياكل في الخارج باهظ الكلفة بالنسبة إلى المجموعة الوطنية، وهو، كما تمّ ويتمّ حتى اليوم، يكرّس تشتّت الجهود التي تبذل من أجل خدمة مصالح تونس الاقتصادية…

ومن هذا المنطلق، فإنّني أرى أنه بات من الضروري أن تعكف كافة الأطراف المعنية بالعمل التونسي في الخارج على دراسة السبل الكفيلة بترشيد هذا العمل وفقا لمقاربة جديدة تساعد، من ناحية أولى، على تحقيق التناغم المطلوب بين كافة المتدخّلين فيه، ومن ناحية ثانية، على تأمين المردود الذي يتناسب مع حجم الإنفاق عليه…

ومن أجل معالجة هذه القضية، فإن المقترح هو أن يتم النظر في السبل الكفيلة بتمكين وزارة الشؤون الخارجية من استعادة وظائفها الأساسية، ومن تدعيم البعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج حتى تكون بعثات متعدّدة الاختصاصات، تحتضن مختلف الهياكل الممثّلة في الخارج وتوفّر لها الظروف الملائمة للعمل مع بعضها البعض في إطار جماعي تكاملي مثمر، لا فردي تنافسي عقيم…

وفي الأثناء، لا بد من خلق آلية تمكّن من التوقّي من حالة « الانفلات » التي تبيح لبعض الهياكل توسيع نطاق تمثيلها في الخارج بشكل غير مدروس ولا مضمون النتائج، وذلك، مثلا، من خلال تحجير افتتاح أية ممثلية لأي هيكل في الخارج دون موافقة مجلس نواب الشعب على افتتاحها

4) لأن « الثورة » لم تقم، كما قد يبدو في الظاهر، في وجه الظلم والاستبداد الداخليين فحسب، وإنما قامت أيضا في وجه الظلم والاستبداد الخارجيين اللذين وصلا إلى ذروتهما في ظل « العولمة » المتوحّشة… فإن تحقيق تطلّعاتها إلى إحقاق حقوق الانسان التونسي، وتأمين أسباب حريته وكرامته، يقتضي حتما، وفي آن واحد، وبنفس القدر، مراجعة سياستَـيْ تونس الداخلية والخارجية على حد سواء…

ومعنى ذلك أن بلادنا التي بيّنا أنها بحاجة مَاسّة إلى إعادة نشر إمكانات دبلوماسيتها المادية والبشرية في مختلف أرجاء العالم، هي أيضا بحاجة مَاسّة إلى مراجعة مرتكزات سياستها الخارجية وأهدافها، حتى تتلاءم مع مرحلة ما بعد النظام المستبدّ في الداخل، وما بعد النظام آحاديّ القطبية في الخارج…

وفي رأيي، فإن هذه المراجعة التي لا مهرب منها، ينبغي أن تضع في حسابها الاعتبارات الأساسية التالية:

– أن تونس ما بعد « الثورة » مدعوّة إلى رسم خياراتها الخارجية وفقا لمنطق الدولة، وليس منطق « الثورة »، مثلما تنزع بعض الأطراف إلى فعل ذلك… وبعيدا عن تداخلات المبدئية المتحجّرة، والمنفعيّة المفرطة، والأدلجة المتحزّبة قصيرة النظر…

* أن من حقّها، بالرغم من أنها بلد صغير الحجم، محدود القوة والثروة، أن تطمح، بالاعتماد على ذكاء أبنائها، إلى الاضطلاع بدور القاطرة في العديد من الشؤون الإقليمية والدولية، لكن شريطة أن تزن الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها بميزان الذهب، وأن تنتقي المعارك التي يمكن أن تخوضها بتبصّر حتى لا تتحوّل، عن قصد، أو عن غير قصد، إلى مطية لمآرب لا ناقة لها فيها ولا جمل…

ويُعَدّ هذا الأمر في غاية الأهمية خاصة في أفق عضوية تونس في مجلس الأمن خلال السنتين المقبلتين.

* أنها بحاجة إلى مقاربة الظرفية الدولية الجديدة من منطلق الوعي بأن العالم اليوم، أفاق من حالة الغيبوبة التي وقع فيها طيلة عقدين من الزمن، وأن عودة روسيا وصعود الصين جاءا لدقّ أجراس نهاية مرحلة الآحاديّة القطبية الأمريكية، والإعلان عن بداية مرحلة جديدة هي مرحلة التعدّدية القطبية التي ينبغي أن نعمل بكل ما في وسعنا على الاستفادة منها…

* أنها، مع الحرص على تعزيز علاقاتها مع مختلف دول العالم، تحتاج إلى انتخاب شركائها في السياسة كما في الاقتصاد انتخابا حصيفا، من بين الدول التي تشبهها، وتلتقي معها في نفس المواقف والخيارات…

وفي هذا الصدد، ينبغي أن تتجنّب السقوط، ولو مرحليا، في تناقضات الواقع العربي الرديء الراهن.

* ثم إنّها، قبل ذلك وبعده، تحتاج في كل موقف تقفه إلى درء الشبهات التي يمكن أن تحفّ بموقفها وبالتوقيت الذي تختاره لوقوفه… لا سيما إذا كانت تعلم أن موقفها يمكن أن يُوَظَّفَ في عكس ما أرادته منه…

5) إذا انتقلنا الآن إلى المادة التي تشتغل عليها السياسة الخارجية، فإنّه من الضروري، في نظري، تسديد خيارات هذه السياسة حتى يتسنى لتونس الجديدة أن تتبوأ المكانة التي هي جديرة بها بين الأمم، وأن تعزّز دورها على الصعيدين الإقليمي والدولي، وأن تؤمّن لنفسها، في ذات الوقت، أسباب الأمن والنمو.

والمطلوب في هذه المرحلة، هو العمل على مواءمة خيارات السياسة الخارجية التونسية مع انتماءات تونس الجغرافية والحضارية…

ومعنى المواءمة، فيما أرى، هو أن تبني بلادنا سياستها الخارجية المستقبلية على عدد من  القواعد الأساسية التي يتمثّل أهمها، في نظري، في القواعد الأربع التالية:

* إن الاستقلال لا يعني الانعزال، ومعنى ذلك أن محافظة تونس الجديدة على مقوّمات استقلالها، في عالم كعالم اليوم متداخل، وثيق الترابط، متشابك المصالح، لا ينبغي أبدا أن يدفعها، إلى أي شكل من أشكال التقوقع والانطواء على الذات، بل إن المطلوب لكي تفرض حضورها على ساحة محيطيها الاقليمي والدولي أن تعمل على المساهمة، بفعالية، في معالجة أمّهات القضايا التي تشغلهما سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها…

وما من شكّ أن الانتقال الديمقراطي السلمي الهادئ الذي تميزت به بلادنا عن سائر البلاد العربية التي هبّت عليها رياح ثورات ما سمّي بالربيع العربي أعطى للسياسة الخارجية وللدبلوماسية التونسية قوة دفع خارقة عندما حرّرها من القيود التي كانت تكبّل قدرتها على التحرك، والمبادرة، ومقاربة الكثير من المسائل والقضايا، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الانسان، بما ينبغي من الأريحية والثقة في النفس…

* إن الاندماج في العالم لا يعني الانسياق لنزعات العولمة، وإنما يعني بذل كل ما أمكن من الجهود الفردية والجماعية من أجل المشاركة، قدر الإمكان، في « سياقة » هذه النزعات إلى ما ينفع البشرية ولا يضرّ بها…

والسياسة الخارجية التونسية المستقبلية ينبغي أن تكون سياسة لا تكتفي بالانفعال بل تفعل، ولا تقتصر على التأثّر بل تؤثّر…

* لمّا كانت السياسات الخارجية الفاعلة والفعّالة هي السياسات التي تُرْسَم وتُنَفَّذ باتّزان وعقل ومنطق، فإن سياسة تونس الخارجية المستقبلية بحاجة إلى تطليق العجلة والعاطفة والمزاج في تحديد توجّهاتها، وإلى انتباذ كافة الممارسات الفردية الارتجالية العشوائية التي طبعت، في الفترة الأخيرة، جانبا هاما من تحركاتها، وقراراتها التي كانت عبارة عن ردود فعل متسرّعة كلّفت البلاد خسائر فادحة ماديا ومعنويا…

* إن مصلحة تونس ينبغي أن تكون وأن تظل دائما وأبدا فوق مصلحة الأشخاص، ومعنى ذلك أن الفعل السياسي الخارجي التونسي المستقبلي لا بدّ أن ينبذ الشخصنة، وأن يكون في خدمة الوطن ومصالحه العليا، ولابد أن تكتسي تحركات تونس ومبادراتها والأهداف التي تعمل على تحقيقها طابعا وطنيا لا طابعا شخصيا مثلما كان الشأن في مرحلة ما.

6) إن العمل الدبلوماسي يشكّل، في الدول التي تسمّى عن حق دول قانون ومؤسسات، اختصاصا مهنيّا مستقلّا بذاته، لا يحذقه إلا من تمرّس به يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى اكتسب من المهارات ما يؤهله لتمثيل البلاد خير تمثيل…

وحتى يتم تحصين هذا العمل ضد التشويه بهيمنة « الدخلاء » عليه، مثلما حدث ذلك في الماضي، سيكون من الضروري وضع قانون أساسي جديد للوزارة، يُحَدَّدُ فيه بكل دقة، مثلما هو الشأن في أغلب الدول المتقدمة، عدد البعثات التي يحِقُّ لرئيس الدولة أن يعيّن رؤساءها، غير أن هذا التعيين لا ينبغي أن يظل مُرْسَلا، بلا ضوابط أو قواعد، حيث يمكن مثلا  إخضاعه لموافقة مجلس نواب الشعب، من خلال  الاستماع إلى مرشحي الرئيس وإلى برامج عملهم لتطوير العلاقات مع البلدان التي يرشّحون للعمل فيها.

وربما كان من الضروري تعميم هذا الأسلوب على كافة المرشحين لتمثيل تونس في الخارج سواء كانوا من داخل الوزارة أو من خارجها، وذلك حتى لا ينتقل الإطلاق من يد رئيس الدولة، كما كان الأمر في مرحلة ما، إلى يد الوزير، وكم من وزير تجاهل مقاييس الكفاءة والنزاهة والنظافة ليختار ممثلين من بين متزلّفيه، ومنافقيه، ومناصريه ظالما ومظلوما، والساعين بين يديه معتبرين أحلامه أوامر حتى قبل أن تصدر.                                          

7) انطلاقا من أن الحضور التونسي في المنظمات الدولية والإقليمية يكتسي أهمية كبيرة، ويمكن أن يعود على بلادنا بفوائد جمّة، حيث أنه يستطيع أن يسهم في مدّ إشعاعها في مختلف مناطق انتمائها، وفي شتّى أرجاء العالم، وأن يشارك، بصورة أو بأخرى، في خدمة أهداف سياستها الخارجية، والدفاع عن مواقفها وتكريس توجّهاتها، فإنني أعتقد أن الدولة التونسية، وفي طليعتها وزارة الشؤون الخارجية، مدعوة إلى العمل على تعزيزه كلّما وحيثما أمكن تعزيزه.

غير أن تعزيز الحضور التونسي في المنظمات الدولية والإقليمية على مختلف أصنافها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو متخصصة، يتطلب، أولا وقبل كل شيء، جعله هدفا من أهداف سياستنا الخارجية، كما يتطلب، بعد ذلك، رسم معالم خطة دقيقة وطويلة الأمد من أجل تحقيقه.

ولعل عماد هذه الخطة، كما أرى، هو المبادرة بإنشاء هيكل أو جهاز إداري خاص، في وزارة الشؤون الخارجية، يُعنى بما يمكن أن نسمّيه ملف انتشار الكفاءات والخبرات التونسية في المنظمات الدولية والاقليمية.

ومن المهم أن ينتهج الجهاز أو الهيكل المطلوب إنشاؤه، عند إحداثه، سياسة « اقتحامية » للمنظمات الدولية والاقليمية، وهو، في تقديري، قادر على أن يفعل ذلك، فتونس اليوم، تزخر بالكفاءات والخبرات التي تستطيع أن تنحت لنفسها منزلة أثيرة في هذه المنظمات…

8) من الضروري، بالإضافة إلى كل ما تقدّم، وفي إطار الإعداد لمستقبل الدبلوماسية التونسية السّهر على إعداد العدّة لدخول الأكاديمية الدبلوماسية حيّز العمل قريبا بصياغة وإصدار قانونها الأساسي وتحديد الوظائف التي ستضطلع بها، وضبط القواعد التي ستعمل على أساسها…

ومن المهمّ هنا ألاّ تقع الأكاديمية الدبلوماسية في نفس الإشكاليات التي وقع فيها « المعهد الدبلوماسي للتكوين والدراسات » حيث أنه:

  • لم يتمكّن من التحليق عاليا في فضاء العمل الدبلوماسي، لأنه لم يحاول تفعيل الوظيفة الأساسية الثانية الملقاة على عاتقه وأعني بها وظيفة البحث والدراسة، وإنما حاول الطيران بجناح واحد هو جناح التكوين… في حين أنه كان يمكن أن يكون فضاء للتفكير الجماعي « المعمّق والشامل » في خيارات سياستنا الخارجية وتوجهاتها المستقبلية…

وفي هذا السياق سيكون من الضروري أن تعطي الأكاديمية هذا الجانب حقه من الاهتمام، وأنا أقترح منذ الآن أن تبدأ التخطيط لإصدار مجلة سنوية يمكن أن تسمى « حولية الأكاديمية الدبلوماسية » (على غرار « حوليات الجامعة التونسية »)، فمن شأن ذلك أن يفعّل هذا الجانب من عملها، وأن يحفز أهل الميدان على الإدلاء بدلوهم في إعداد الدراسات التي تحتاجها الوزارة أو البلاد في مجالي السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.

  • ما فتئ، منذ إنشائه، يعاني مما أسمّيه حالة « ترحال » إدارته العامة ومجلسه العلمي، ذلك أنه بحكم انتماء مديريه العامين وأعضاء مجالسه العلمية إلى سلك السفراء خصوصا، أو السلك الدبلوماسي عموما، يظل عرضة إلى تغيّرهم في أي لحظة، وربما أكثر من مرة خلال السنة الواحدة…

واعتقادي أنه سيكون من الضروري لضمان التواصل في عمل الأكاديمية مستقبلا معالجة هذه المشكلة، مثلا بإبقاء الرئيس أو المدير العام الذي يُعيّن على رأسها لمدة خمس سنوات، كما جرت العادة بالنسبة إلى السفراء، على أن يتمتع بنفس الصفة ونفس الامتيازات.

  • إلى ذلك ينبغي ضبط جملة من المقاييس الموضوعية الدقيقة لانتقاء الأساتذة الذين يدعون الى التدريس في الأكاديمية حتى لا يتواصل انتقاؤهم على أساس اعتبارات هي في الغالب أقرب الى الذاتية.
  • ومن باب استشراف المستقبل، والاستعداد لمتطلبات التعاطي مع العالم المتشكّل الجديد، سيكون من المفيد العمل على تنويع الدورات التكوينية التي يرسل طلبة المعهد لمتابعتها في الخارج، لا سيما وان العروض تأتي من مختلف أنحاء العالم وليس من بعض الدول الاوروبية وحدها…

9) سيكون من المفيد، على صعيد آخر، تفعيل الجمعيات المهتمّة بالشأن الخارجي، حتى تشكّل، بالفعل، قوّة تفكير واقتراح، وحتى تدلي بمرئيّاتها فيما ينبغي أن تكون عليه سياسة تونس الخارجية المنشودة حاضرا ومستقبلا…

ومن الممكن، في هذا النطاق، أن تُرْسِيَ الأكاديمية الدبلوماسية تعاونا بين وزارة الشؤون الخارجية وبين هذه الجمعيات، وأن تحتضن الأنشطة المشتركة التي يمكن للجانبين أن ينظّماها بهدف التفكير الجماعي في خيارات سياستنا الخارجية وتوجّهاتها المستقبلية….

وغني عن البيان أن ديناميكية السياسة الخارجية التونسية لا يمكن أن تكون حقيقية ومثمرة إلا إذا جاءت نتيجة عمل جماعي، وانبنت على توجّهات يتم تصوّرها ورسمها ثم تنفيذها بشكل جماعي…

وفي هذا الاطار فإنّني أودّ أن أجدّد المقترح الذي كنت تقدّمت به يوم الأربعاء 03  ماي 2017، بمناسبة  الاحتفال بذكرى إحداث وزارة الشؤون الخارجية الحادية والستين، ودعوت فيه مختلف الجهات المعنية بسياسة تونس الخارجية دعوة إلى المشاركة، بالتفكير والعمل، في إنشاء ما يمكن أن نسميه بـ »المجلس التونسي للشؤون الخارجية » كهيكل جديد مكمّل لوزارة الشؤون الخارجية لكنه مستقل عنها، على أن يضم بالأساس قدامى الدبلوماسيين التونسيين ولا سيما رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية السابقين، وذلك بهدف الاستفادة من خبراتهم ومن العلاقات والصداقات التي تربطهم بمختلف بلدان العالم وتوظيفها في خدمة مصالح تونس، وفي مقاربة  القضايا الاقليمية والدولية ذات العلاقة بهذه المصالح مقاربة مجدية ونافعة.

وفي رأيي، فإن تونس باتت بحاجة إلى مثل هذا المجلس الذي يمكن أن يرفد جهود وزارة الشؤون الخارجية الرامية إلى إعادة إرساء سياسة البلاد الخارجية على قاعدة من الثوابت الراسخة التي لا تتبدل بتبدّل الأشخاص أو الأحزاب أو الاطراف الممسكة اليوم أو التي يمكن أن تمسك غدا بزمام العمل الدبلوماسي التونسي.

كما إن المجلس يمكن أن ينخرط في الجهود الرامية إلى معالجة الأخطاء المرتكبة وإلى تلافي ارتكاب المزيد منها لا سيما في ظل تعدّد « الدبلوماسيات الموازية » للدبلوماسية الرسمية وتضارب آراء ورؤى الفاعلين على الساحة السياسية التي ما تزال تعاني من الاضطراب.

وحتى يحقق المجلس المقترح انشاؤه أهدافه، فإنه يستطيع، في رأيي، أن يضطلع بجملة من الوظائف المتنوّعة التي يمكن أن أعدّد منها التالية:

* توفير منبر حر ومحايد تستطيع مختلف الأطراف السياسية والفكرية أن تبحث في كَنَفِهِ أمّهات القضايا الخارجية التي تهم تونس وأن تناقشها من أجل الإسهام في فهمها فهما عميقا وموضوعيا يمكن أن يلقي عليها أضواء إضافية تساعد على إنارة الطريق للتعاطي معها التعاطي المجدي المطلوب.

* التعاون مع الجمعيات العديدة التي تنشط في حقل الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية والعمل على إحكام التنسيق معها وفيما بينها قصد تجنب التشتّت في أعمالها وتلافي التضارب بين أنشطتها…

* الإسهام في أنشطة الأكاديمية الدبلوماسية التي ينتظر أن تحل خلال سنة 2020 محل المعهد الدبلوماسي للتكوين والدراسات سواء فيما يتعلق بتحديد برامج ومناهج عملها، أو فيما يتعلق بتدريس وتأطير دفعات المنتدبين الجدد للعمل في وزارة الشؤون الخارجية، أو فيما يتعلق بإعداد الدراسات والمحاضرة والمساهمة في الملتقيات والندوات التي تنظمها.

والى جانب ذلك يمكن لأعضاء المجلس أن يشاركوا في الدورات التكوينية التي تنظمها الأكاديمية لفائدة الطلبة القادمين إليها من الخارج، أو في الدورات التكوينية التي تنظمها لهم في بلدانهم.

* المساهمة، عند الاقتضاء، في معالجة بعض المسائل التي تشغل تونس من خلال القيام بمهمات غير رسمية إما بمبادرة من المجلس أو بإيعاز من الوزارة لكن دوما بالتنسيق معها.

أما عن الوسائل التي يمكن للمجلس تسخيرها لتحقيق أهدافه فيمكن أن نذكر منها التالية:

* العمل إما بصفة منفردة أو بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث والجمعيات التونسية المختصة على عقد سلسلة من الندوات وحلقات النقاش والورشات حول القضايا والمسائل التي تتطابق مع أولويات تونس على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها…

 

وسيكون من المحبّذ ألا تقتصر هذه الأنشطة على العاصمة وأن تمتدّ إلى مختلف أنحاء البلاد.

* عقد لقاءات مع أعضاء الحكومة والقيادات الحزبية وكبار المسؤولين في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية بهدف محاورتهم حول أوضاع البلاد ومتطلبات التحرك الناجع في اتجاه الخارج.

* توثيق الصلات مع السلك الدبلوماسي المعتمد في تونس والتحرّك في اتجاهه كلما دعت الحاجة الى ذلك لكن بصورة ودية وغير رسمية بما يوسع من هامش التعبير عن المواقف والرسائل التي يراد إبلاغها.

* السعي إلى التواصل ومد جسور التعاون مع الهياكل المماثلة في المنطقة والعالم بهدف التحاور معها حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، والسبل الكفيلة بتعزيز العلاقات بين بلدانها وبين تونس.

وسيكون من المفيد أن ينظّم المجلس مع المجالس المماثلة بعض الفعاليات المشتركة وأن يتبادل معها المشاركات في أنشطته وأنشطتها…

* بالتنسيق مع الوزارات أو الجهات المعنية، استضافة ومحاورة بعض الشخصيات البارزة التي تزور تونس حول العلاقات بين بلدانها وبين تونس وحول أهم القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

* العمل على إصدار نشريّات أو كراسات عن أهم قضايا الساعة للتعريف بمواقف تونس منها، أو شرحها.

ومن المهم أن يصدر المجلس آخر كل سنة تقريرا يستعرض فيه أهم منجزات الدبلوماسية التونسية خلالها سواء على صعيد التعاون مع مختلف بلدان العالم أو على صعيد المساهمة في معالجة أهم القضايا التي شغلتها وشغلت الساحتين الإقليمية والدولية.

وغني عن البيان أن ما تقدم ليس سوى جملة من التصورات المبدئية التي يمكن إثراؤها وتجويدها إن حظيت فكرة احداث « المجلس التونسي للشؤون الخارجية » بالتبني، وأنا أرى أنها جديرة بذلك لأن هذا المجلس يمكن أن يقدّم لسياسة تونس الخارجية وللدبلوماسية التونسية خدمات جُلَّى حاضرا ومستقبلا بفضل هامش الحرية والموضوعية الذي سيميز عمله وهو ما سيجعله، دون شك، قادرا على الدفع نحو التعديل والترشيد والإصلاح.

10/ أخيرا لا بدّ من التنبيه إلى المشهد السياسي في تونس اليوم تغيّر بشكل كبير، كما إن الدستور الجديد وزّع الصلاحيات على مكوّنات السلطة التنفيذية بصورة ثبت بالتجربة أنها خلقت حساسيات وأشكالا مستجدّة من التداخل، والتجاذب وحتى التنافر بين رئاستي البلاد والحكومة، وهو ما يضع وزير الشؤون الخارجية الذي يختاره رئيس الجمهورية ولكنه يمارس مهامه مع رئيس الحكومة بين نارين.

وسيكون من الضروري إيجاد صيغة ما لتجاوز هذه الإشكالية التي من شأنها أن تلقي بظلالها على سير عمل الدبلوماسية التونسية.

كما سيكون من الضروري من ناحية أخرى العمل على إيجاد حل لإشكالية ما يسمّيه البعض « الدبلوماسية الشعبية ».

فهذه الدبلوماسية التي أفرزتها مرحلة ما بعد « الثورة »، تتّجه نحو الترسّخ والتوسّع خارج أي قواعد أو ضوابط، خاصة وأن الجغرافية الحزبية القائمة الآن تريد أن تفرض أسلوبا جديدا في التعاطي مع شؤون البلاد في الداخل والخارج، وهي تعتبر أنه أصبح من حقها أن تشارك في رسم وتنفيذ سياسة تونس الخارجية، مثلما أصبح من حقها أن تشارك في رسم وتنفيذ سياستها الداخلية.

وإذا كنّا لا ننكر على الأحزاب حقها في أن تتحرك خارجيا، في اتجاه ما يماثلها من الأحزاب، فإننا ننكر عليها أن تتجاوز تحركاتها ذلك إلى التواصل مع السلطات الرسمية في البلدان الأخرى بدءا من وزراء الشؤون الخارجية ومرورا برؤساء الحكومات ووصولا إلى رؤساء الدول…

وإذا لاحظنا أن لبعض الأحزاب التي تمارس « الدبلوماسية الشعبية » رؤى وأهدافا قد لا تتناغم بالضرورة، بل هي قد تتناقض أحيانا تمام التناقض مع سياسة الدولة الرسميّة، فإن المفترض أن يسارع رئيس الجمهورية الذي أوكل له الدستور مهمة تمثيل الدولة وضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي… وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة » بالعمل على وضع ضوابط لهذه الدبلوماسية وإيجاد آلية للتواصل المنتظم والتنسيق المستمرّ وتبادل المعلومات السابق واللاحق بينه وبين الأحزاب حتى يكون الجانبان باستمرار على بيّنة مما ينفع تونس ولا يضرّها./..

م.ا.ح

تونس في 01/11/2019

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer