مساهمة في استذكار الواقع الدولي المعاصر واستشراف آفاقه بمناسبة الذكرى...

مساهمة في استذكار الواقع الدولي المعاصر واستشراف آفاقه بمناسبة الذكرى الستين لإنشاء وزارة الشؤون الخارجية في أول حكومة للدولة التونسية المستقلّة (1956) مقدمة من الهادئ بن نصر دبلوماسي متقاعد وسفير سابق

0
PARTAGER

توطئة :

شهدت الإنسانية طوال تاريخها بأرض المعمورة قيام كيانات لحضارات و ثقافات شتّى وعرفت حراكات الحضارات الإنسانية المختلفة ومستصاراتها أطوارا من  التنافس  والتصارع والتصادم المرير ؛ وكذلك التفاعل الذي أضاف دوما روافد  خدمت حركة  ارتقاء المجتمع البشري ومسيرته في سلّم التمدن الذي  أفرز منظومات من  القيم السامية الإنسانية المشتركة التي ما فتئت تترسخ على مرّ الزمن .

ولم تخل مسارات تلك الحضارات الإنسانية المختلفة  من فظائع وويلات  كانت تقترف بتصميم مسبق رافعته الأساسية وقوته الدافعة ذهنيّة الغلبة وبسط الهيمنة على الشعوب أو الأمم الأخرى المصنفة في منزلة المنافس أو الطرف  المهدد للوجود أو للمصالح والمرشح للإخضاع حتى بالسحق خدمة لمصالح الطرف الأقوى.

و  بتفحص وضع الإنسانية المعاصر يبرز للأسف  أن سجلها ما يزال يشهد تجليات للأنساق الداروينيّة في صلب علاقات الدول  والتي  تنتاب  خاصة الدول والأمم الكبرى ومن تمظهراتها الأساسية ،  صنوف  الطغيان والإستبداد وبسط الهيمنة على أساس التميز العرقي أو الديني أو الحضاري الثقافي  ولتحقيق المصالح على حساب كيانات الدول الأضعف ، وفرض القهر  والحرمان من الحقوق  الأساسية والوطنية  وفي طليعتها حق تقرير المصير على شعوب مسالمة لم يؤثر عنها الاعتداء أو غزو أوطان غيرها . والشعب الفلسطيني حاضرا وأصله القديم الأعرق على أرضه  الشعب الكنعاني يجسدان الضحية المثلى للظلم  والتسلط  الغاشم ذي النفس الإبادي  في منظور الطرف الغالب.

 

I  –طور إزدهار النفس الإنساني المسالم . *(تراجع حولية الأمم المتحدة 1946/1947 – المجلد الأوّل ).

أثناء فترة الحرب العظمى الثانية التي شهدها القرن العشرين لاسيما بين أمم أروبا   وأمريكا وآسيا الصناعية الكبرى المتقدّمة ، راود وجدان شعوب المعمورة إعتقاد بأن الإنسانية حريّة بأن تثوب الى الرشد والحكمة ،وتركن الى السلام والتعايش الدائم والخلاص من ويلات الصراعات المدمرة ، وأن الأمم الكبرى  جديرة باستخلاص العبرة والتصميم على]  وضع ميثاق لأمم كوكب الأرض كافة  » يرسي الأسس الكفيلة بقيام منظمة دولية تبتغي صون السلام والأمن الدوليين ، ونسج علاقات ودّية بين الأمم ، والنهوض بالتقدم الإجتماعي ، وتحسين مستويات المعيشة ومراعاة حقوق الإنسان. »[ .

وقد لاحت بوادر  » الثوبان الى الرشد  » منذ أواسط سنة 1941 عندما عقد ممثلون عن 14 دولة (جلّها أروبية  إضافة إلى كندا وأستراليا وجنوب إفريقيا )   والمتحالفـــة ضــــــــــدّ    » محور دول القوميات ذات الوطنيات المـتأججة الفاشية ألمانيا وإيطاليا واليابان  » بلندن اجتماعا في قصر القديس دجيمس (في شهر حزيران/ جوان) تمخض عنه الإعلان على  » أن الأساس الحقيقي الوحيد لإحلال السلام الدائم ، هو التعاون الطوعي  بين الشعوب الحرّة في العالم ،الذي سيتيح للجميع ، بعد إزاحة خطر العدوان ، التمتّع بالأمن الإقتصادي والإجتماعي « وأنّهم يعتزمون  » العمل معا ،ومع سائر الشعوب الحرّة ،سواء في السلم أم الحرب ، لتحقيق هذه الغاية  »   .

وفي غمرة هذه الحالة الوجدانية التائقة الى السّلم  حصل في شهر أوت/ آب كذلك سنة 1941 لقاء بين فرانكلين روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (الّتي لم تكن بعد آنذاك منضمّة إلى الحلف المحارب للمحور )  ورئيس الوزراء للمملكة المتحدة البريطانية ونستون تشرشل أرسيا فيه ما يعدّ أساس « ميثاق الأطلسي » وذلك في نطاق نظرتهما  ورؤيتهما المشتركة لاستشراف  » مستقبل أفضل  » حيث خلصا الى ما يلي :]الإمتناع عن الأعمال التوسعية ،الإقليمية منها وغير الإقليمية ؛ وعدم إجراء أيّ تغييرات إقليمية تتعارض مع إرادة الشعوب المعنية بالأمر ؛ واحترام الحق في الحكم الذّاتي وإعادة هذا الحق للمحرومين من ممارسته ؛ وإتاحة فرصة التجارة والحصول على المواد الخام لجميع الدول ، على قدم المساواة ؛ والتعاون الإقتصادي من أجل تحسين معايير العمل وتكييف الإقتصاد وإرساء الأمــن الإجتماعي ؛ وكفالة السكن الآمن والتحرّر من الخوف والفاقة ؛ وكفالة الملاحة البحرية دونما عوائق ؛ ونبذ جميع الأمم استخدام القوّة ، مع العمل على نزع سلاح الأمم المعتدية ،  » ريثما يتم إنشاء نظام أمن عام يكون دائما أوسع نطاقا « [ .

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire