مساهمة في استذكار

مساهمة في استذكار الواقع الدولي المعاصر واستشراف آفاقه بمناسبة الذكرى الستين لإنشاء وزارة الشؤون الخارجية في أول حكومة للدولة التونسية المستقلّة (1956) مقدمة من الهادئ بن نصر دبلوماسي متقاعد وسفير سابق

II  ربيع  » الإنسانوية  » العابر  !

لقد كان للحرب العظمى الثانية في القرن العشرين وقعها العميق على جلّ أمم وشعوب المعمورة ونظم حكمها بما حفز القناعات بضرورة تكاتف الجهود لصيانة السلام بكل ربوع الأرض.وقد أثمر ذلك إنشاء منظمة الأمم المتحدة وترجم ميثاقها الرغبة العميقة التي تحدو الأسرة البشرية جمعاء للقطع مع الواقع المرير للصراعات والحروب المدمرة للكيان الإنساني.

و بعد سنوات قليلة عادت نذر الصراع لتطغى مجددا على الواقع الدولي بانقسام العالم الى معسكرين متعاديين غربي وشرقي  شطرت بمفعوله دول قارة أروبا  الى كتلتيـــــــــن احداهما انضوت في فلك نفوذ الإتحاد السوفياتي الذي كان في منزلة القوة المهيمنة على كتلته والأخرى دخلت في فلك الحلف الأطلسي  بسيطرة الولايات المتحدة الأميريكية .

واندلعت الحرب في شبه الجزيرة الكورية كأحد تجليات التصادم الفعال الحامي بين المعسكرين .وبعد الهزيمة العسكرية الفرنسية بالهند الصينية أقدمت أمريكا على التدخل العسكري وشن حرب شاملة  بالفيتنام لسنوات عديدة بغاية التصدّي  للمد ألشيوعي في بلدان  جنوب شرقي آسيا لتي كانت في فلك سيطرة دول الغرب ولاسيما فرنـــســــــــــــا أو بريطانيا.

 

و كانت مرحلة مابعد الحرب العظمى الثانية  في منتصف القرن المنقضي فترة عصيبة على الشعوب المولّى عليها خاصة  بقارتي آسيا وافريقيا ولاسيما بلدان الهند الصينية وشمـــــــــال افريقيا .

وفي غضون هذه الحقبة فرض على الشعب الفلسطيني مباشرة بعيد الحرب العالمية الثانية تسديد « غرم اضطهاد اليهود » من قبل دول الغرب المسيحي وخاصة ألمانيا في عهدالنازيـــــــة بفرض إقامة دولة الكيان الإسرائيلي على قسم من ترابه الوطني ب »شرعنة »- ويا للمفارقة- من قبل منظمة الأمم المتحدة ، التي قضت في سنة 1947 بإ قرار التقسيم لأرض فلــسطيــــــــن « تكريسا لمشيئة كلّ من  ايديولوجية الحركة الصهيونية ، ومهدها وحاضنتها أروبا منذ مؤتمر بال بسويسرا  في أواخر القرن 19 ، و  » للمكرمة المتمثلة في وعد بلفور  » الذي تخلق في رحم اتفاق سايكس بيكو لسنة 1916 بين بريطانيا العظمى وفرنسا  الدولتين الأوروبيتين الإستعمارتين الكبريين  » و( بلدي ثورة الماغنا كارطا  والثورة الفرنسية  العظمى) .

و فرضت كذلك ضريبة الدم في  عقد الخمسينيات من القرن ال20 من  طرف بريطانيا  وفرنساودولة الكيان الإسرائيلي على مصر( المتطلعة لقيادة دول الوطن العربي المنضوية في منظمة جامعة الدول العربية االتي بعثت للوجود في وسط عقد الأربعينيات من نفس القرن) بشنّ الحرب  الثلاثية عليها و المعروفة بحرب قناة السويس.كما شنت فرنسا  حربا على الشعب الجزائري الثائر على احتلالها الممتد لمايفوق القرن ، وواصلت فرنسا تعنتها لإدامة بسط هيمنتها على كل من تونس والمغرب رغم مداومة الحركة الوطنية في البلدين على مكافحة نفوذها الاستعماري بالنضال السياسي والإجتماعي والنقابي وكذلك الكفاح المسلح منذ انتهاء الحرب العـــظمــــــى الثانية .

وساد قانون الصراع مناخ العلاقات الدولية بفعل غلبة هذا القانون على واقع العلاقات بين كتلة الدول الصناعية الكبرى بغرب أروبا وشمال أمريكاوأستراليا ،  وهي دول ذات نظم سياسية واقتصادية قائمة على العقيدة الليبيرالية بقيادة الولايات المتحـــــــدة الأميريكية  ، وكتلة الدول المقابلة لها ذات النظم القائمة على العقيدة الإشتراكية  ببلدان أروبا الشرقية بقيادة الإتحاد السوفياتي.وصنفت حقبة النصف الثاني من القرن العشرين في جلّها بكونها فترة الحرب الباردة والانشطار بين الغرب والشرق.

 

وفي خضم الواقع الدولي الجديد القائم على الصراع بين المعسكرين نحى العديد من دول غرب القارة الأروبية إلى التجمع أوّلا في بدايات عقد الخمسينيات  في  نطاق إتفاق تعاون وتكامل  اقتصادى (اتفاقية روما للفحم والصلب) .وهو التجمع الذي جاء بمثابة  » الخلية الجذعية  » لبعث كيان الإتحاد الأروبي تاليا.

وأمام تفاقم الصّراع بين المعسكرين الغربي والشرقي المهيمنين على الساحة الدوليـــــــــة اضطرت دول الجنوب  بقارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية الى تشكيل منظومة بلدان عــدم الانحياز في أواسط عقد الخمسينيات من القرن العشرين  سعيا للإفلات قدر الإمكان من الوقوع في قلب رحى صراع المعسكرين الدوليين المتـضـادّيـــن من جهة ، ومن جهة أخرى  لمعاضدة العديد من بلدان الجنوب  في كفاحها ضد الإستعمار الغربي  ولامتلاك  شعوبها الحق  في تقرير مصيرها وكسب حريـــــــــــتـها واستقلالها .

ولم تخل  علاقات الدول المنضوية  في تكتل  دول العقيدة السياسية الإشتراكـــــــــية من الخضوع الى معادلة هيمنة الدول الأقوى في صلبها كماكان شأن الإتحاد السوفياتي ضمن حلف  فرصوفيا حيث سحق سنة 1956 الثورة الشعبية المجرية الرافضة لهيمنته؛وكذلك كان سلوكه  إزاء انتفاضة « ربيع تشيكسلوفاكيا  » سنة 1968. وأيضا إزاء بــولـونيـا أثناء إنبعاث حراك المعارضة للنظام الشيوعي في من طرف حركة  « سوليدارنوش » بقيادة النقابي لاش فاليزا.

واستغلت الولايات المتحدة الأميريكية الإختلالات الإجتماعية والإقتصادية  داخل دول كتلة حلف فرصوفيا والتشققات في صلبها لممارسة سياسات تطويق وكذلك استنزاف مستهدفة دولة الإتحاد السوفياتي القائدة لهذا الحلف لاسيما عبرسباق التسلّح والتركيز على بسط الهيمنة الجغراسياسية  والإقتصادية وحتى العسكرية بفضاءات المعمورة  الحاوية لأهم موارد الطاقة الأحفورية والثروات الطبيعية والمعدنية الخام .

وقد جاءت رجّة حظر النفط العربي على الغرب   في مطلع السبيعينيات من القرن العشرين ،  والذي انخرطت فيه السعودية (رغم التزامها  بعهد تحالف وثيق مع أمريكا تحمي بمقتضاه هذه الأخيرة المملكة وكيانها بمقتضى الميثاق المبرم بين العاهل السعودي والرئيس الأميريكي فرانكلين روزفلت على الباخرة كوينسي سنة 1945 والذي تعهدت فيه  المملكة بتأمين مد أمريكا بالنفط  والشراكة المتينة معها عبر فسح المجال لشركاتها لاستكشاف النفط وثروات باطن الأرض بالمملكة والتشارك في استغلالها)؛ لتدفع الولايات المتحدة الأميريكية إلى الحرص بنحو أشد على الإستمرار في ممارسة دور القوة الأكثر نزوعا لبسط هيمنتها على مستوى الكوكب ترجيحا لمصالحها ولتفوقها على أساس إدامة ميزان قوة راجح لكفتها بكامل مناطق العالم.

وفي نطاق هذه الإستراتيجية حرصت أمريكا على تطويق الإتحاد السوفياتي جنوبا في قلب آسيا الوسطى واستنزافه  عسكرياعلى أرض افغانستان ( باستغلال تورط الاتحاد السوفياتي العسكري هناك في نطاق الدعم للنظام شبه العلماني الذي قام بأفغانستان على أنقاض نظام ظاهر شاه ).وحشّدت أمريكا  في هذا المنظور  جلّ  دول الخليج  العربية وفي طليعتها المملكة السعودية لتأمين الدعم المالي وتجنيد » المتطوعين لجهاد الحرية  » من العالم العربي والإسلامي لشن حرب استنزاف غير تقليدية   » لإمبراطورية الشر السوفياتية الملحدة « المتسلطة على افغانستان  المسلمة المستضعفة إضافة الى العديد من بلدان آسيا الوسطى الإسلامية المغلوبة على أمرها داخل الإتحاد » .

وحُمّلت كلفة تلك الحرب الإستنزافية في جلّها من النواحي المالية والبشرية والتسليحية  غلى غير كاهل الولايات المتحدة الأميريكية. وفي رحم هذه الحرب تخلّق كيان التنظيمات الإرهابية التكفيرية وفي طليعتها تنظيم القاعدة  ومن ثمّة  أضحى مدها وانتشارها وتكاثرها ظاهرة سرطانية تتهدد كيان الدول واستقرارها ووحدة شعوبها وتآلف مجتمعاتها والتعايش بين كافة مكوّناتها العرقية والدينية أو الطائفية.

كما أنّ إسقاط النّظام الشاهنشاهي بإيران الحليف الرئيسي للغرب عامة ولأمريكا خاصة في 1979وإرساء نظام جديد بها يقوم على إديولوجية إسلامية شيعية ثوريّة ، حفّــز الولايات المتحدة الأميريكية الى مزيد التركيز على نفوذها ومصالحها في منطقة شبه الجزيرة العربية وشرق البحر الأبيض المتوسط وجنوبه ، ومن تجلّياته حثّ البلدان العربية الخليجية على التجمع في كتلة للتوقي من الهيمنة الإيرانية  بتأسيس مجلس للتعاون  فيما بينها، وبالموزاة حّثّ العراق على مجابهة النظام الجديد في إيران وبالتالي انجرار النظام العراقي القومي البعثي إلى حرب طويلة ضروس مع ايران طوال جلّ عقد الثمانينات من القرن ال20.مماخوّل استغلال الوضع الصراعي والتوترالعالي في منطقة الخليج لتنشيط صادرات السلاح  اليها  وابرام عقود ضخمة في هذا المجال معها.

وساعد تهور النظام العراقي السابق باحتلالة دولة الكويت على خلفية عدم قبول هذه الأخيرة مدعومة ببقية الدول الخليجية لتخفيض نسق الإنتاج ومعدلات تصدير النفط للحفاظ على مستويات اسعار مـُــــــزجية في السّــوق النـفــطيــّة ، أضحت الولايات المتحدة مطلوبة كقوّة حامية لتلك البلدان وتمكينها ، على هذا الأساس ، من تكثيف حضورها العسكري بالمنطقة وتعزيز قواعدها القائمة هناك أوالترفيع من عدد ها.( السعودية ،قطر، البحرين …الخ).

وفي ظلّ تفكك بنية النظام  الشيوعي الحاكم في الإتحاد السوفياتي ، وبالتالي إنهيار المعسكر الشرقي وتراجع ثقل  روسيا كدولة كبرى ذات ثقل وازن ،  تحفـزّت مجدّدا لدى المعسكر الغربي المنضوي في ايطار منظمة الحلف الأطلسي نوازع توطيد هيمنته بكل الأبعاد ولاسيما منها الإقتصادية والعسكرية وتربّعت الولايات المتحدة الأميريكية في منزلة إمبراطورية العصر العاتية والقطب الأوحد الأقوى في الكوكب ،وحوّلت مجلس الأمن الدولي  إلى مجلس إدارة لتصريف شؤون العالم  بسيطرة شبه تامة من قبلها وتسييره ببوصلة تدور إبرتها حول محور رؤيتها لترتيب النظام العالمي بما يضمن علوية مصالحها .

ومن تجلّيات نزوع الغلبة وسيطرتها كقوّة دافعة على واقع العلاقات الدولية ما شهدته منطقة شرق المتوسط وشبه الجزيرة العربيّة ووسط آسيا وغربها عموما من سياسة وإستراتيجية خارجية أمريكية « إقتحامية واكتساحية « في بعدها السياسي والإقتصادي والعسكري .

وبالفعل بعد انهاء أمريكا لحربها في الفيتنام( في عقد الستينيات من القرن الماضي) دون وصولها لمبتغاها المتمثل في الحيلولة دون سيطرة النظام الشيوعي عليها (  وهو نظام كان يقوده هوشي مينه)  حصل اعتقاد أنّ الدولة الكبرى المعنية أقلعت دون عود إلى « السلوك الإمبراطوري الغازي » ولكن مابالطبع لايتخلّف حيث أنّه بمجرّد أن لاحت أعراض الترنّح على الإتحاد السوفياتي ،في مطلع  عقد التسعينيات ، إغتنمت فرصة  إقدام النظام العراقي المتهوّر على غزو الكويت في مطلع شهر أوت 1990 للمسارعة  » بركوب صهوة مجلس الأمن الدولي  » إستاندا الى ميثاق الأمم المتحدة  لاستعادة الكويت لسيادته ،وجعل العراق عبرة لكل دولة  تراودها الجرأة على  » الذات الإمبراطرية  العليّة   » باقتراف  الغزو الذي هو تصرّف مسجّل حصريا ضمن امتيازاتها دون منازع .

واستخدم ميثاق الأمم المتحدة للتنكيل بالعراق »واعادته الى العصر ماقبل الصناعي كما هدد بذلك جيمس بيكر وزيرالخارجية الأميركي في عهد الرئيس بوش الأوّل نظيره العراقي طارق عزيز  عند تقابلهما في  جنيف سنة 1990  »  وهو مايتجلّى من خلال فرض ترسانة من قرارات مجلس الأمن  » المصفحة بالفصل السابع من الميثاق  » و التّي لامثيل لها من حيث الحزم والقسوة على الشعب العراقي سوغت إستباحة كل مقدّراته لأجيال عدّة بتأويل شديد التعسف لبنود الميثاق الأممي.

وحري في المقام استحضار الصرامة القياسية التي توختها أمريكا إزاء العراق  ونظامه بعد ارتكابه خطيئة غزو الكويت باحباط كل المحاولات الدولية الي رامت آنذاك حمله على الرجوع عن احتلاله  بطريقة سلميّة  ودون الإضطرار الى جبره على ذلك بحرب مدمرة كما عزمت على ذلك الولايات المتحدة التي رسخت في تقديرها آنذاك  » سانحية الحرب ووجوبيّتــها الحتمية  » لخدمة  منزلة الولايات المتحدة الأميريكية ومصالحها العليا كقوّة أعظم في المعمورة

كما نظّر لذلك  » كبار فقهاء شريعة التفوق الإستراتيجي الإمبراطوري الأميركي » وفـــــــي طليعتهم :

–  زبيغنيو بريجنسكي صاحب المؤلفات المرجع في هذا المجال ولاسيما ، رقعة الشطرنج الكبرى ، وعالم الفوضى ، والذي ثاب الى نوع من الفضيلة المتأخرة بعد كوارث الحرب الأميركية في افغانستان كرد فعل أهوج على  » بومرانغ تنظيم القاعدة في نيويورك  » في 09 سبتمبر/ أيلول 2001 حيث وضع كتاب  » هيمنة أو قيادة » وبعد حرب غزو العراق في 2003 ألّف كتاب  » العار The Shame  « .

– برنار لويس صاحب عقيدة تفتيت كيانات الدول الإسلامية منذ كان من رعايا بريطانيا العظمى وإصراره على التبشير بها بعد اكتسابه الجنسية الأميريكية وتحوله الى قطب في  » حياض ومحافل التفكير والتخطيط الإستراتيجي  » للمحافظين الجدد ولحواريي الإنجيلية الصهيونية.

– هنري كيسنغر عرّاب السلام بين اسرائيل والعرب  » والراعي ل  » حمل السلام الميمون الأول  بينها وبين مصر في كامب النبي داود   » .

– مادلان آلبرايت وزيرة الخارجية الأميريكية التي أفتت بأن ضحايا الشعب العراقي من المدنيين وخاصة الأطفال والنساء  بفعل الحرب  والعقوبات   » قرابين حلال  على مذبح صيانة الشرعيّة الدوليّة « .

– كونداليزا رايس  » داعية الفوضى الخلاّقة  »  المتنزّلة ضمن أحدث ابتكارات العقل الإستراتيجي الأميركي التي بذرت بأولويّة  في « حقول بلدان منطقة شرق المتوسط وجنوبه وشبه الجزيرة العربية ولاسيما سوريا والعراق واليمن وبشمال افريقيا   « وينتظر جني حصادها الوفير  » لقيام  » الشرق الأوسط الكبير ».

وفقه شريعة التفوق المعاصر غزير وجارف ومن باكوراته  » بعد تجربة الحروب بغطاء مجلس الأمن  ثمّ  بالأريحية والعزم « كفرض كفاية  » يُحلّ من الشرعية الدولية  أفضى  الى  » ابتكار الحرب عن بعد  »  بواسطة المناولة  بتخليق التنا قضات والإنشطارات في صلب العالمين العربي والإسلامي من  »  ذرّات اليورانيوم المخصّب لللإختلاف الديني والطائفي والعرقي  » واستدعاء الحروب الدينية فيه من أعماق ذخر أروبا القرون الوسطى  لمحاكاتها بالفضاء العربي الإسلامي  في هذا العصر مع سد ّ بوابة خروخ وستفالية منه بهذا الفضاء لأطول مدى ممكن بقصد  الجني القياسي لثماره على كل الصعد  لاسيما منها الإستراتيجية والإقتصادية.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer