مساهمة في استذكار

مساهمة في استذكار الواقع الدولي المعاصر واستشراف آفاقه بمناسبة الذكرى الستين لإنشاء وزارة الشؤون الخارجية في أول حكومة للدولة التونسية المستقلّة (1956) مقدمة من الهادئ بن نصر دبلوماسي متقاعد وسفير سابق

III- هل من سبيل لشعوب المعمورة للخلاص من « ناموس الداروينية وقانون الغلبة والهيمنة « ؟ 

 

ان الكيان السليم  للمجتمع الإنساني بكل مكوناته في العصر الحاضروكذلك المستقبل  هو في حاجة الى ديمومة الرفاه المادي والرقي المعرفي و الثقافي والرخاء الإقتصادي والتطور  الإجتماعي واتساع قاعدة هذا التطور والتقدم والرفاه  ليشمل كل شعوب الأسرة الإنسانية بحكم ترابط المصير وكذلك المصالح ضمن كوكب الأرض الذي هو الآن سفينة البشرية الوحيدة في محيط الكون الواسع .وسلامة هذه السفينة وكل ركابها تحتاج دوما لملاحة حكيمة واسطرلاب دقيق ليسوسها باستمرار نحو مرافئ السلامة .

ان التعايش بين شتى شعوب وأمم  المعمورة في كنف قيم العدالة والتعاون والتضامن هو الأساس المتين لرسوخ السلم واستمرار عجلة التقدم الإنساني الشامل .وجسر الهوّات في شتى الصّعد الإجتماعية والثقافية المعرفية والإقتصادية على امتداد المعمورة ضرورة لا مناص منها لخدمة صالح البشرية جمعاء وكرامتها وسموّها حاضرا ومستقبلا.

إن البشرية بعد مسيرتها الحضارية لما يزيد عن عشرة آلاف سنة  حرية بأن تقوم بالقطيعة مع كلّ نوازع الأنانيات والهيمنة ومركبات التفوق العرقي والإستغلال والاحتكام للقوة لفرض المصالح بميزانها وليس على أساس الشّراكة والتكافئ.

إن المجتمع الإنساني ، في واقع  العولمة أوما يوصف بمعنى أدقّ بالداروينية الكوكبية المعممة ، يبقى في حاجة قصوى  الى ترسيخ ثقافات وطنية « شامليّة « المنزع  ، تستحضر مختلف القيم الإنسانية المشتركة وتستلهم القيم السامية الروحية والإجتماعية الخصوصية  في سبيل  بناء ثقافة إنسانية جديدة أساسها   التعلق بقيم العدالة  والمساواة والإنصاف والتسامح وتعزيز أركان السلم  والتكاتف والتعاون والتضامن  من أجل الرفاه  الإنساني المشترك بكل أبعاده الإجتماعية والثقافية والإقتصادية.

والثقافة  ونظم التربية والتعليم عموما هي الوعاء الحاوي والأداة الفاعلة لغرس القيم  في المجتمعات والأمم ،وفي تربتها الخصبة ينبت الضمير الإنساني الفاضل ، وفي صلبها تنبني الهوية ويتحقق الانتماء وتتشكل الرموز، وعلى أساسها  يتكيف السلوك  والتصرف . و الثقافة  والبناء المعرفي المتين حقل  شاسع ، خصب ومتنوع، يشمل المحلي والوطني والكوني ؛ ويكمن فيه معين الطاقة المحركة المتجددة  « لمستصارات  »  التفاعل البناء والمثمر مابين شعوب وأمم المعمورة.

وفي سبيل أن تتحقق شروط هذا التفاعل البناء  يقع على كاهل سائر الدول والأمم السهر على الصعد الوطنية  على انخراط المجتمعات سواء عبر مؤسسات السلطة أو المجتمع المدني والتنظيمات السياسية والإجتماعية على إختلاف أنواعها وكذلك المنظمات الإقليمية والدولية مسؤولية العمل على:

 

  • تأمين الإنفتاح على القيم الإنسانية وتفادي الإنغلاق والتقوقع داخل حصون الأنا أو الإرتهان الى التحلل في الآخر لأن الحفاظ على التنوّع هو بمثابة ثروة و رصيد متعاظم دوما للإنسانية .
  • تحقيق التفاعل السليم ما بين الثقافات لدرئ هيمنة ثقافة أحادية .
  • القطع مع الارتهان إلى عقلية الأحكام المسبقة والتصنيفات التعميمية ازاء الآخر والحرص على تكثيف التبادل الثقافي في مابين المجتمعات وكذلك ما بين الفضاءات الحضارية والثقافية المختلفة على امتداد المعمورة من اجل ان تزدهروتغتني كل تلك الفضاءات دوما وبنحو متواز ومتكامل.
  • الحفاظ على الموروث الحضاري في شتى الفضاءات الحضارية ضمن الأسرة البشرية لأن في ذلك ضمان لأن تكون الكوكبية مشيمة ورحما للتفاعل والتقارب

والعمل المشترك من أجل الارتقاء  بالمجتمع الإنساني وتحقيق القيم الإنسانيةالمنشودة لرفاه الإنسان ورقيه في مختلف بقاع المعمورة دون أن يفقد ذاته المتميزة في كنف التعايش والاغتناء المتبادل في الآن نفسه.

خاتمة :

– إنّ التطلعات والأهداف والغايات المسرودة آنفا يمكن أن تبقى خلبية بالنسبة للعالم العربي خاصة لغلبة  » فيزياء النوترونات  والكوارك » على كيان شعوب الضفاف الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط التي تبقى أكثربقاع العالم  عجزاعن بناء نظام إقليمي وازن يحفظ كيانها وأمنها الإستراتيجي ورعاية نماء ورخاء بلدانها وشعوبها .فجامعة الدول العربية في حالة شلل وتفسخ والإتحاد المغاربي في حالة موميائية يعسر استخلاص خلية جذعية منها لبعثه مجددا الى الوجود .

إن أمام تونس تحديات كبرى ورهانات طموحة  في الحاضر والمستقبل تفرض تطوير المقاربات وتشخيص الخيارات لاسيما في حقل السياسة الخارجية  وكسبها ليس مستحيلا بالإستناد الى بوصلة دقيقة واسطرلاب عتيد لتخوض في خضم كوكبية حثيثة ومن بشائرها ارهاصات التعددية القطبية  التى تحركها الحاجة الملحة للتخلص من الإرتهان الى ناموس احتكار القوة من طرف قوة وحيدة غالبة لكافة أمم المعمورة.

 

 

الهادئ بن نصر

دبلوماسي تونسي وسفير سابق

 

 

 

 

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer