الحرب الكبرى

مشاركة الجندي التونسي في “الحرب الكبرى” 1918-1914

محمّد فريد الشريف
دبلوماسي تونسي وسفير سابق

 

ان من أبرز الأحداث التي عرفها التاريخ خلال القرن 20 قيام حربين عالميتين الأولى 1914-1918 و الثانية 1939-1945 و قد أثرت هاتان الحربان تأثيرا مريعا و مؤلما في العالم بأسره و دمرت منجزات كبيرة و ثمينة و خلّفت ضحايا بالملايين

فالحرب العالمية الأولى التي سميت “بالحرب الكبرى” كانت بين الامبراطوريات المركزية في ذلك العهد (ألمانيا و النمسا-المجر) من جهة و الوفاق البريطاني الفرنسي من جهة أخرى و قد امتدّت هذه الحرب من جويلية 1914 إلى 11 نوفمبر 1918 و انتهت بهزيمة ألمانيا و النمسا المجر.

وقد تدخّلت الولايات المتحدة إلى جانب انغلترا و فرنسا مما جعل هذه الحرب لأول مرة في التاريخ تنعت بالعالمية كما أن عدد الضحايا و الخسائر التي تسبّبت فيها جعلها تكنّى “بالحرب الكبرى” فالإحصائيات الرسمية تؤكد بأن هذه الحرب خلّفت في كامل الجيوش المتحاربة أكثر من ثمانية مليون قتيلا و ما يفوق مليوني جريح أما فيما يخصّ  المدنيين فلا أقل من عشر ملايين بشر ذهبوا ضحيّة هذه الحرب التي استعملت فيها الأسلحة الفتّاكة مثل “غاز الخردل” المميت الذي أصبح سلاحا محرّما فيما بعد

و لم تكن هذه الحرب نهاية المأساة التي كانت و لازالت تعيشها الشعوب من قهر و ظلم التي ساهمت فيها دولها أو كانت سببا فحسب بل تخطتها الى عديد الشعوب المسالمة التي كانت عرضة للبطش و الاحتلال و الاستغلال ووجدت نفسها دون ارادتها منخرطة فيها و ضحية لسيطرة الدول الكبرى و الأيديولوجيات البغيضة مثل الفاشية و النازية و هو ما عشناه في تونس في “معركة تونس الشهيرة” ( حملة تونس أو معركة تونس هي مجموعة معارك وقعت في تونس أثناء الحرب العالمية الثانية من ضمنها معركة القصرين من 17 نوفمبر 1942 إلى 13 ماي 1943 ) هذه المعركة التي دفعنا ثمنها باهظا زهقت فيها ألاف من الأرواح في قضية لا تهمنا وليس لنا دخل فيها

فما ان انتهت الحرب و غادرت قوات المحور الأراضي التونسية حتى عادت سلط الاستعمار الفرنسي و نصبت المحاكم العسكرية في كافة أنحاء البلاد انتقاما من الشعب التونسي متهمة اياه بالتعاون مع قوات الجيش الألماني لما كان محتلا تونس و حكمت على جلّهم بالإعدام رميا بالرصاص و كان هذا التصرف من باب التّشفي الرخيص و محاولة وظهور المستعمر بمظهر المنتصر إلا أن الأمور كانت واضحة و كانت عملية الاعدام تهدف الى ارهاب الشعب و محاولة ردعه عن المطالبة بالحرية و الاستقلال.

كما أن عملية عزل محمد المنصف باي ملك تونس الوطني الغيور و نفيه تدخل في عملية ردّ اعتبار السّلطة الفرنسية و استعراض العضلات و لكننا كنا نعرف أيضا أن فرنسا دولة مهزومة من قبل ألمانيا و قد تناست ما قدمته تونس من اسهامات بشرية كبيرة في هذه الحرب حيثما كانت الى جانب اخوانهم المغاربة و الجزائريين و الأفارقة السود.

و تميّزت هذه المساهمة بتضحياتها و سخائها في هذه الحرب عندما كتب الأفارقة الزنوج و خاصّة أبناء المغرب العربي صفحات مجد في مقاومة الفاشية و النازية في معركة ” مونتي كاسينو” و غيرها في صقلية (ايطاليا) التي كانت منعرجا استراتيجيا في الحرب بعد انزال الحلفاء في ايطاليا و في هذا الصدد صدر كتاب لمؤلفين فرنسيين السيد ” ايريك ديرو” و السيد “بسكال لوبوترومات” بعنوان “أبطال من تونس” جاء في بعضه ما قمت بترجمته حرفيا وهو ما يلي  “ان التاريخ العسكري الفرنسي في جلّ معارك القرن العشرين مرتبط ارتباطا وثيقا بولاء جيش المستعمرات التونسي الذي لم يتردد في خوض الحربين العالميتين و عدّة نزاعات مسلحة أخرى باسم الجمهورية الفرنسية ( 1855-1956) اشتمل الجيش الفرنسي على تسع فيالق من الجنود التونسيين و استحقّت هذه الفيالق العرفان و الاكبار بنيلها 17 راية موّسمة و طوال هذه المدّة أظهر الجنود التونسيون خصالا عديدة أبرزها الشجاعة و الانضباط و الجلد و الصبر على قساوة الظروف المناخية .

في غرب فرنسا و في شدّة الشتاء القاسي و في ظروف غير إنسانية التي عرفت بها الحرب الكبرى( 14/18) شارك الجندي التونسي بكفاءة عالية و أبلى البلاء الحسن في حرب فرنسا ضدّ ألمانيا تلك الحرب التي في الواقع لا تعنيه مباشرة . فيما بين 1939-1945 برهن الجندي التونسي على نفس الشجاعة و الكفاءة في حرب ضروس أفقدت العالم الغربي توازنه و امتدّت أثارها لفترة طويلة إلى المنطقة المغاربية و في هذه الظروف بصفة خاصّة فان الباقين على قيد الحياة لهذا التاريخ المشترك بين تونس و فرنسا يشعرون بضرورة التسجيل في الذاكرة أثار ما قاموا به من تضحيات جسام و في الوقت الذي تطالب به الأجيال الصاعدة على ضفّتي المتوسط بمعرفة ما تحتويه ذاكرة الأحداث فان تاريخ الجنود التونسيين غني بعظمته و تضحياته و العبر التي يجب أن تستخلص منه.

و يضيف المؤلفان ” أن التونسيين الذي شاركوا في الحرب الكبرى (14/18) بلغ عددهم 80.000 أي ما يقارب 3 بالمائة من السكان  في ذلك العهد ( حسب الأرشيف الفرنسي و الإحصائيات الرسمية) و منهم 10.500 لقوا حتفهم في ساحة الوغى إضافة إلى عدد كبير من الجرحى و الأسرى ففي 19 سبتمبر 1915 وسّم رئيس الجمهورية “بوانكاراي” الفيلق التونسي بشرف الوسام الحربي و في “فيردان” بعد العمليات البطولية أضيف وسام عالي إلى راية الفيلق لما أظهره من قدرة و شجاعة في هجوم 20 أوت 1917 و نال الوسام العسكري الثالث على رايته.

و بالنظر الى مجموع عمليات الفيالق التونسية الى حدود نوفمبر 1918 يكون مجموع الأوسمة ستّة بالإضافة الى الوسام الحربي ووسام جوقة الشرف العسكري لسنة 1919 تمّ بمشاركة هذا الفيلق في استعراض 14 جويلية 1919 و كان وسام الشرف الذي قلّده رئيس الجمهورية الفرنسية ” بوانكاراي” على راية الفيلق التونسي مكتوب عليه  ” راية مجد خفقت فوق جميع معارك الحرب الكبرى”.

أما الجنود التونسيون المشاركون في الحرب العالمية الثانية مع الجيش الفرنسي كانوا في حالة مزرية من حيث رداءة اللباس و ضعف التجهيزات اللوجستية و الوسائل العسكرية لكن كل هذه المعوقات لم تثن من عزم الجندي التونسي الذي أظهر كفاءة قتالية عالية و صلابة في المعركة و الجدير بالملاحظة أن التونسيين الذين شاركوا في معارك الحرب العالمية الثانية بلغ عددهم 30.000 جندي ” (انتهت الترجمة).

 

مقتطفات مترجمة من مشاركات الجنود التونسيون في الحرب العالمية الثانية

تمكن الجنود التونسيون بالاشتراك مع الجيش الفرنسي  في 19 نوفمبر 1942 من إيقاف الجيش الألماني ” أفريكا كوربس” في منطقة مجاز الباب في الشمال الغربي التونسي كما خاض الفيلق الرابع التونسي معارك شرسة من إيطاليا إلى ألمانيا مرورا بفرنسا.

تميّز الجندي التونسي بصلابة عوده في معارك “مونتي كاسينو” و سهول روما و جبال “الفوج” و سهول الألزاس و منها إلى ألمانيا و شارك الجنود التونسيون رفقة الفيلق الجزائري في معارك شرسة في مجموعة من المناطق الفرنسية من اجل استرجاعها و تحريرها من الألمان و في نهاية المطاف دخل منتصرا الى الأراضي الألمانية حيث استقرّ بمدينة ” شتوتقارت” و بعد انتهاء الحرب و مشاركته في استعراض النصر في 14 جويلية 1945 بباريس عاد الى الأراضي التونسية حيث استقبل استقبال المنتصرين و هو فخور بما قدّمه و بالأوسمة التي نالها و ومما يذكر أن محمد الأمين باي هنّأ الجنرال “شوفييان” بنجاحات الفيلق التونسي.

انتهت هذه الحرب بانتصار الحلفاء على دول المحور و استسلام اليابان بعد القاء قنبلتين ذرّتين على مدينتي “هيروشيما” و ناكازاكي” من قبل أمريكا سنة 1945 و لكن ألمانيا و اليابان اللتين خسرتا الحرب استطاعتا بفضل مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية اعادة بناء اقتصادهما و تبوءا المراكز الأولى بأوروبا و آسيا على الصعيدين الاقتصادي و المالي خلال حقبة قصيرة من الزمن و استعادت الدول التي ساهمت في هذه الحروب عافيتها بفضل ” مخطط مارشال” الأمريكي. لكن العالم دخل مرحلة جديدة بعد سنة 1945 سميت بالحرب الباردة بين القطبين واشنطن وموسكو و تداولت الأزمات بينهما في صراع وصل أحيانا حافية الهاوية إلاّ أنهما استخلصتا العبرة من الحربين السابقتين و أصبحتا تتحاشيان الصدام المباشر و تعويضه بحروب اقليمية في مناطق أخرى تذهب ضحيتها شعوب غيرها.

و الظاهرة الملفتة للانتباه تلك الحملات المتوالية لنزع السلاح و الحدّ من انتشاره و قيام معاهدات ضدّ أسلحة الدمار الشامل و كذلك منع زرع و استعمال الألغام المضادّة للأفراد و هي مواقف أخلاقية سامية و عمل انساني جدير بالتشجيع و الاحترام إلا أنه يثير في ذات الوقت تساؤلات عن جدية الدول التي تتزعم هذه الحركة و لكونها في ذات الوقت من كبار صانعي هذه الأسلحة و مصدّريها بكل أنواعها لما تدره على خزينتها من الأموال الطائلة و توفر لها الامكانيات المادية و التكنولوجية لتطويرها بتصريف الترسانات القديمة بما يشجع على الحروب الاقليمية و الفتن المحلية و الأمثلة على ذلك كثيرة في شتّى أنحاء المعمورة و القارة الإفريقية بوجه خاص.

في 08/11/2018

محمّد فريد الشريف

دبلوماسي تونسي وسفير سابق.


Crédit Photo: Photographie publiée dans Héros de Tunisie, Spahis et tirailleur, d’Éric Deroo et Pascal Le Pautremat publié aux éditions Cérès en 2005.

 

 

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer