الدبلوماسية الثقافية

مقال رأي: الدبلوماسية الثقافية إحدى أدوات القوة الناعمة

شرفتني الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين بأن طلبت مني الحديث في هذه الندوة التي خصصتها لموضوع الدبلوماسية الثقافية بإشراف وتعاون من وزارة الشؤون الخارجية ووزارة الثقافة. وقد سبق للزميلين محمد جنيفان وخالد الزيتوني أن كتبا في هذا الموضوع. ولا أراني، في هذا المجمع، إلا كجالب التمر إلى هجر. وقد رأيت أن أبدأ حديثي إليكم بالتذكير بتعريف الثقافة واستعراض القوى الناعمة، ومن بينها الثقافة، لأتوسع في استخدام هذه القوة في المجال الديبلوماسي في ما بات يعرف بالديبلوماسية الثقافية، دونما حاجة إلى عودة تعريف الديبلوماسية العامة التي أضحت الديبلوماسية الثقافية إحدى مقوماتها.
الثقافة في اللغة هي الحذق والفهم يوصف بهما الفرد، كان يقال رجل ثَقْف وثَقِف وثقيف. ويقال رجل ثَقْف لَقْف رام راو، بمعنى أنه يجمع ملكات الحذق والفهم، ويختطف المعاني ويتلقاها طائرة بسرعة، ويصيب عند الكلام والحوار، حافظ واع يستعرض ما فهمه وأحاط به. ويقال رجل بيّن الثقافة واللقافة، إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به. وثقف الرجل أي صار حاذقا خفيفا فطنا. والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، واللقف سريع الأخذ الممتلئ. ومن معنى ثقف التسوية وتقويم الاعوجاج. وقيل إن اسم ثقيف القبيلة التي كانت تسكن الطائف، إحدى القريتين كما في الآية 31 من سورة الزخرف وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ على رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم »ٍ من هذا المعنى. فقد عرف أهلها « بالمناكير » كتابة عن الذكاء والفطنة والفصاحة ومن أبرزهم المغيرة بن شعبة والحجاج بن يوسف، الأول انتهازي كبير بالمعنى السياسي والثاني أحد رجال الدولة المرموقين.
الخصال المتقدمة في التعريف تجمع الامتلاء معرفة، والإحاطة والممارسة الحاذقة والأسلوب البليغ، وسرعة الخاطر وحضور البديهة والفطنة والذكاء والإصابة عند كل مناظرة وفي كل محاورة، وسرعة الإدراك والتعلم، والتقاف المعاني والأفكار والحفظ والرواية. وهذه الخصال مجتمعة في الفرد تسمى قديما « الأدب » بمعنى الأخذ من كل شيء بطرف كما في تعريفه عند الجاحظ وبعده ابن خلدون. وقد كان مدار الأدب على الشعر بوصفه « ديوان العرب » كما قال عنه عمر بن الخطاب، وصاغه أبو فراس الحمداني في إحدى فخرياته. ولن يظهر مفهوم الثقافة كمجال متميز إلا في العصر الحديث، عند الاتصال بالغرب في عصر النهضة. وأصبح هذا المفهوم في صيغته الحديثة دالا على التشبع بالقيم والمعاني السائدة في المجتمع والمشاركة فيها بالترويح والتعليم والإنتاج، وصيانة الأصيل وإذكاء جذوته، وتنقيته من الشوائب وتطوير مكوناته لمواكبة العصر بإثرائه بأفضل ما عند الآخر من باب طلب العلم ولو في الصين، كما في الحديث النبوي، تأصيلا للقيم وتفتحا على العالم، وفق ماهو مطلوب من المثقف الملتزم أو المثقف العضوي كما سماه غرامشي.
ولمفهوم الثقافة في الغرب مسار متأخر، يسمو فيه التعريف العربي ودلالته عما هو هنالك. فهو مشتق في الأصل من ميدان الزراعة والفلاحة عامة. ويدل هذا الاسم على العناية بالحيوانات والنباتات، وبقيت دلالته بيّنة في تعريفهم ووصف الفرد بكونه cultivé، والتفريق بين الطبيعة والثقافة (nature et culture) في إشارة إلى فعل الإنسان في الطبيعة والتسامي من المادي إلى المعنوي. وظل هذا الوصف مقصورا على الأفراد ذوي الاطلاع والإلمام الواسع واكتساب الأدب، فيسمى الواحد منهم الرجل الكامل (l’honnête homme). ومع الموسوعيين استعمل لفظ ثقافة لأول مرة ولكن بصيغة المفرد، قريبا من معنى الحضارة. وفي أعقاب الهزيمة الفرنسية سنة 1870 أمام بروسيا تنبهت نخبة فرنسية إلى الحاجة إلى ما يعيد الثقة إلى النفوس، وحماية الهوية الوطنية، ونشر صورة المواطن المتوازن والبلد المتميز بآدابه وعلومه، فتنادت سنة 1883 لإنشاء « الرابطة الفرنسية (l’alliance française)». ومن يومها ستتواصل الجهود الفرنسية في تسويق الثقافة والآداب الفرنسية في العالم، عبر هذه الرابطة وأخواتها من المراكز الثقافية. وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت صفة المثقف (l’intellectuel) لأول مرة عندما وقّع بهذه الصفة فرنسيون عريضة مناصرة لدريفوس (Dreyfus) في قضيته المشهورة.
وفي العصر الحديث أصبحت الثقافة ثقافات. وصار للثقافة محامل عديدة بين المعنى الحصري والمعنى الواسع. فهي بالمعنى الأول مقصورة على الآداب والفنون الجميلة، وبالمعنى الواسع جمّاع الآداب والفنون والأفكار والقيم والتقاليد والمعتقدات، شاملة لكل المنتجات الفكرية والصناعات الحرفية والكمالية والسمعية البصرية والتطريز الفني والتصميم والترويق، وفن العمارة والتعمير واللباس والطعام وفن المطبخ والتراث الشفوي من أساطير وخرافات وحكايات شعبية وأحاج وآداب السلوك والمعاملات، كما يذهب إلى ذلك علماء الاجتماع والانسيات. وهي بهذه المقومات كل ما يساعد على بناء الشخصية وينمي الحس النقدي والذوق والحكم، بما يحيل على معنى الهوية التي يعرف بها الإنسان نفسه وغيره بالمفارقة، ويتدرج في معرفة ما عند ذلك الآخر، فيتقرر عنده التنوع والاختلاف. وعلى هذا الأساس تنعت الثقافة نعوتا مختلفة بالنسبة إلى حقبة تاريخية أو جهة جغرافية، أو عرق بشري أو فرع من العلوم، أو طائفة من الناس: ثقافة قديمة أو حديثة، وعربية أو غربية ويونانية أو صينية، وعلمية أو فلسفية، وشعبية أو عالمة، وأدبية أو موسيقية إلى حد الابتذال أحيانا.
وقد سرت في تعريف الثقافة مقولة أدوار هاريو (Edouard Herriot 1857-1872) السياسي الفرنسي « الثقافة هي ما يبقى بعدما يكون المرء قد نسي كل شيء » وهو تعريف يخص الفرد، ومقدمته مناقضة لنتيجته. ولم تعد الثقافة وقفا على الفرد بقدر ماهي شاملة للجماعة والشعب، وإذا فهمت المقولة حرفيا تصبح نقيصة بدل أن تكون خصيصة: إما فقدان الذاكرة (amnésie) وإما التردي في الأمية الحضارية أو الأمية الثقافية (illettrisme). والتخريجة المناسبة هي فهم النسيان على أنه التمثل (assimilation) والاستيعاب بدل الاستحضار المكتسب والمحصّل على علاته وعواهنه ودون صياغة جديدة طريفة لذلك المكتسب وإلا فإنه يكتفي بالرصف والتجميع دون سدى ولحمة، وفق ما سماه ابن المقفع « صاحب الصحيفة الصفراء » الداعي إلى النفور منه وازدرائه.
مؤدي عبارة قوة ناعمة قديم قدم العلاقات البشرية والعلاقات بين الجماعات وبين الدول من غير أن تصبح اصطلاحا للتعبير عن أداة مخصصة في تلك العلاقات، شأنها شأن الكثير من المعاني القديمة لتصبح مفاهيم اصطلاحية، وكان المعروف أكثر منها في العلاقات هو مبارزة السيف والقلم والعصا والجزرة ولكن تهذيب الفكر ورقة الحضارة أفضيا إلى هذه التسمية اللطيفة في ظاهرها على الأقل، فيما يتوخى من تحقيق جاذبية البلد من البلدان ونشر ثقافته وقيمه، وتحقيق إشعاعه بالخارج ودعم التبادل والتعاون في المجال الثقافي. وهذه القوة الناعمة عند الدول هي القدرة على الجذب والضم لتحقيق التأثير الضامن لتحقيق المصلحة، وكسب الحليف والنصير بطواعية وتلقائية. لذلك أصبحت هذه القوة مادة درس جامعية بالولايات المتحدة وببعض المعاهد الديبلوماسية في نطاق دراسة العلاقات الدولية.
وأول من أصّل مفهوم القوة الناعمة هو جوزيف ناي (Joseph Nye) أستاذ العلاقات الدولية ومسؤول الأمن والدفاع الأمريكي السابق. ففي سنة 1990 خطرت في ذهنه هذه الفكرة فصاغها سنة 2004 في كتاب بعنوان: القوة الناعمة سبل النجاح في السياسة الدولية. وقد استخلص هذه الفكرة من تأمله في سياسة بلاده الخارجية ومن مطالعة مؤلفات أثارت جدلا عند نشرها. سياسة خارجية قائمة على الحروب والهيمنة الاقتصادية التي تمثل ما سماه القوة الصلبة أو الخشنة، ومؤلفات تدعو إلى صدام الحضارات كما هي عند صمويل هانتنغتن الذي يرى أن الصراعات القادمة يكمن أصلها في قلب الثقافات، وعند فرنسيس فوكاياما القائل بنهاية التاريخ والإنسان الأخير، وكلاهما مطمئن إلى دوام الهيمنة الغربية ورسوخ قيمها، وكتاب ثالث لبول كيندي المؤرخ الأمريكي بعنوان « نشأة القوى العظمى وانهيارها » يعتبر فيه أن انهيار الولايات المتحدة انهيار نسبي.
جوزيف ناي وهو يستقرئ ما تقدم، رأى أن زمن الهيمنة قد ولى وأن القوى الصلبة ليست كافية نافعة ما لم ترتفق بالقوة الناعمة، فتتكامل مع بعضها بعضا في ما سماه القوة الذكية. وفي اعتقاده أن من الحري ببلاده أن تسعى في تولي زعامة العالم بدل الهيمنة عليه، وأن تعرض نهائيا عن الأحادية في سياستها بقدر إعراضها عن الانعزالية. وعلى هذه الأساس فإن القوة الناعمة هي قوة قبل كل شيء، ونعومتها قصدية نفعية وليست خيرية إنسانية.
القوى الناعمة كثيرة متنوعة، وهدفها جميعا تحقيق المصالح الوطنية بأقل التكاليف المادية والبشرية، على خلاف القوة الصلبة، ومن أبرز هذه القوى:
القوة السياسية المتكونة من المنهج السليم والكفاءات المقتدرة والقيم الفضلى المتساوقة داخليا وخارجيا. وهي من أقدم القوى وأشملها المعتمدة في الديبلوماسية العامة، قبل أن يتم تفريعها إلى مجالات بالفصل بين مواضيعها، رغم ما بين تلك الفروع من تداخل وتكامل.
الإعلام والاتصال وما يعتمد فيهما من وسائل تقليدية وحديثة من صحف وإذاعات وقنوات تلفزية وأنشطة وتسجيلات، باعتبارها حاملة لمضامين متنوعة تهدف إلى الترويج والإشهار، والمنافحة والحجاج والدعاية والمغالطة. وقد كثرت في النصف الثاني من القرن الماضي المطالبات بإقامة نظام إعلامي عالمي جديد، في محاولة من البلدان النامية للتخلص من هيمنة النظام الإعلامي السائد في ذلك العهد.
وقد أضافت هيلاري كلنتون في مذكراتها « الاختيارات الصعبة » (2014) القوة الرقمية إلى القوى الناعمة، وهي وإن كانت وثيقة الاتصال بالإعلام فإن مبررها تزايد أهمية الوسائط المرقمنة ومحمولاتها، وأبرزها ما يعرف بالخمسة الكبار أو GAFAM(غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون وميكروسوفت) وثمة من يضيف إليها إ.ب.م لتصبح GAFAMI. وهي اليوم في مواجهة شرسة مع مؤسسات YANDEX الروسية ومؤسسة BATX الصينية، إلى جانب ما تتعرض إليه من مطالبات جبائية بالنظر إلى ميزانياتها التي تفوق الناتج الداخلي لبلدان مثل ألمانيا، ومن مساع لتفكيك شركاتها.
ومن القوى الناعمة ترسانات القوانين العامة والخاصة، ومدونات حقوق الإنسان التي يفترض فيها تنظيم حياة الأفراد والجماعات والشعوب بطريقة سلمية. وهي قوة ناعمة قديمة هي الأخرى منذ أن ابتكر الإنسان فض النزاعات بغير القوة البدنية والسلاح.
والفكر الديني هو أيضا قوة ناعمة عوّض نشر الأديان بالطرق العنيفة، بإبراز السماحة والاعتدال في الدعوة والتبشير، وفي الرد على الملل والنحل الأخرى عند المواجهة والاختلاف. وفي تاريخ بلادنا القريب ما قام به رجال الدين المسيحيون لطمس الهوية ومسخ الشخصية على يد الكاردينال لا فيجري في الجزائر وتونس، وهو مؤسس جمعية الآباء والأخوات البيض، كان يدعوهم إلى مخاتلة مخاطبيهم بقوله: « تكلموا لغتهم وكلوا من طعامهم والبسوا ثيابهم » وقبله ارنست رينان، وبعده برنار لويس، ثم بنديكتوس XIII الذي اعتبر في محاضرته براتسبون (2006) أن الدين الإسلامي يغيب فيه العقل خلافا للنصرانية، وقد زعم برزسنكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقا في خطبة ألقاها في المجاهدين لحثهم على محاربة الكفار بأفغانستان أنه رأى الله في المنام، فقال له أرسل جيوشا إليهم ترافقهم في معاركهم. وهو توظيف لقوة الفكر الديني جعل بعض الغافلين يستفيقون متأخرا ليقولوا « لقد أخذوا منا بغداد وأعطونا البغدادي، ويريدون تأبيد احتلال الجولان فأبرزا لنا الجولاني ».
وأخيرا المجال الرياضي وما يحيطه من أنشطة سياحية وثقافية وتواصلية، جعلت منه هو الآخر اليوم قوة ناعمة ذات تأثير بالغ في صورة البلد المنتظم وشعبه، كما تجلى ذلك، على سبيل المثال في الألعاب الأولمبية التي احتضنها بيكين سنة 2008 ومباريات كأس العالم لكرة القدم التي جرت بروسيا الاتحادية في العالم الماضي التي غيرت نظرة العالم إلى روسيا، بما فيه الدول الغربية المناهضة لها، علاوة على مكاسب الدولتين الفائزة بالكأس ووصيفتها.
وانطلاقا من أهمية هذه القوى الناعمة أصبح لها هي الأخرى، على غرار القوة العسكرية والاقتصادية، مراصد متابعة وتقييم تتولى، فيما اطلعت عليه، قوة الدول الناعمة وفق مؤشر عام يشمل مجالات التعليم والصحة والشفافية والإعلام والثقافة والحكامة والسياحة وحرية المبادرة. وهاتان المؤسستان هما: معهد البحوث GMI (global market insite) الذي ينشر تصنيفا كل ثلاثية للدول، ومؤسسة بورتلاند للاتصالات المحدثة سنة 1990 التي تصدر global ranking of soft power التصنيف الشامل للقوة الناعمة في 30 دولة، تتصدرها دائما الدول الغنية مثل السويد واليابان والولايات المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا وألمانيا في ما تغيب عنها الدول النامية، مثلما هو حالها في تصنيف سائر المجالات.
وقد اعتُبرت الثقافة منذ الستينات القرن الماضي البعد الرابع في السياسة الخارجية، بعد الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية، في ما اعتبرها البعض الآخر الركن الرابع في كل سياسة مع الاقتصاد والمجال الاجتماعي والبيئة المستدامة. وفي الاعتبارين تفصيل يقتضيه المنهج التحليلي أكثر ما هو مترتب عن تباين المجالات، لأنها في الواقع متكاملة. وعلى هذه الأسس فإن للثقافة حضورا في الديبلوماسية على قدر حضورها في السياسة الداخلية. وحضور الثقافة بالخارج مرتبط بمدى العناية بها والاهتمام في الداخل، من حيث هي مورد للتصدير والبيع، بالمعنى المجازي والحقيقي، وأداة تحقيق المنافع المادية والمعنوية من الخارج، عبر توفير الصناعات الثقافية، وضمان إشعاع مصدرها وإكسابه الصورة اللائقة والسمعة المرتجاة، على شرط وجود تلاؤم وتناسب بين السياسة الثقافية والسياسة العامة. فالحكم المتسلط أو العدائي قلما يصلح في ترويج ثقافة الحرية والسلم، والأمثلة كثيرة أهمها الجواب عن السؤال الأمريكي « لماذا يكرهوننا؟ »
ومن أهم من توكل إليهم مسؤولية الترويج والتعريف بالثقافة في الخارج الديبلوماسيون في ما بات يعرف بالديبلوماسية الثقافية، التي هي جزء من الديبلوماسية العامة. وعلى قدر ثقافة الديبلوماسي وإيلائه الأهمية لهذا الجانب من عمله يكون نجاحه في النهوض بهذه الدبلوماسية الثقافية ينجح في أداء مهمته حين يكون مثقفا محيطا بثقافة بلده قادرا على التعبير عن هوية بلاده. ومن شروط نجاحه أيضا أن يكون معتمدا في بلد يعرف ثقافته ولغته، ويعرف مدى قابلية بلد الاعتماد لثقافة بلده، وأي جانب من تلك الثقافة يناسب تطلعات جمهور بلد الاعتماد وفكره ومعتقده. وإذا ما استأنس الديبلوماسي بثقافة بلد الاعتماد، وعرف تقاليد شعبه وفنونه وتصوراته سهل عليه القيام بمهمته، لا سيما إذا حرص على إبراز ما يوجد من تشابه أو تمايز إيجابي في خصائص ثقافة البلدين، وما قد يكون بينهما من تثاقف. وهذا مدخل إلى القلوب والعقول أداته اللغة.
واللغة أداة التواصل الأولى وعنصر من العناصر الدالة على الهوية. وقد قيل إن الانقليز لو خيّروا بين الهند وشكسبير لاختاروا شكسبير. وما من سبيل أقصر وأنجع لتحقيق الغايات من اتقان لغة بلد الاعتماد، لأنها هي الطريقة التي يتمثل بها عالمه ويصنفه ويعبر بها عنه، كل لغة نظام متميز للعالم، ولها خاصيات تسمى عبقرية اللغة، المعبرة بصورة جماعية عن الأمة بأكملها. والفرنسيون غالبا ما يقيسون الآخر، بالدرجة الأولى، بمدى إجادته للغتهم، بغض النظر عما قد يكون له من ملكات ومؤهلات. والألمان لا يحبون أن يسألهم الأجنبي سؤالا بغير لغتهم. وأغلب الشعوب ترتاح لمن يخاطبها بلغتها، وترى في ذلك تقديرا وإكبارا واستحبابا. وبتوفر الإحاطة بالثقافتين، وبلغة بلد الاعتماد ينشأ التواصل وبتسيير الاتصال بالآخر، فيكون مستعدا بشكل لا شعوري لاقتناء ما يريد اقتناءه أكثر مما يقتنيه من مصدر لا يعرف أهله، بقدر استعداده، عند الاقتضاء، لدعم بلد الديبلوماسي الثقافي خاصة، والديبلوماسي عامة، حين يعتبر أنه على صواب في القضايا والمواقف السياسية، ولتجنب مؤاخذته أو معاقبته إذا ما رآه مخطئا.
وفي بيت الديبلوماسي وعند سيدة البيت مجال لإبراز صورة البلاد الثقافية، من خلال الألبسة والأطعمة والأشربة التي تقدم، والموسيقى التي تعزف، والأشرطة التي تعرض والرسوم والألواح التشكيلية والفضيات والمنحوتات والكتب الفاخرة التي تزين ذلك البيت.
وللدبلوماسي الثقافي في بلاده إمكانات جمة قابلة للاستغلال من الماضي والحاضر في مجالات متعددة من تاريخ وحضارة، انطلاقا من قرطاج المسالمة وأعلامها وأثارها والقيروان وجامعها وأيمتها، وتونس وجامع الزيتونة ومتحف باردو، وابن خلدون، وفي مجالات السينما والمسرح والموسيقى والصناعات التقليدية ومدرسة الرسم التونسية والمالوف، والإسلام الوسطى المعتدل. وهي مجلات أوسع وأكثر من أن تحصى في هذه المناسبة.
ويعوّل الديبلوماسي الثقافي في عمله على مخرجات السياسة الثقافية ببلاده. وهي مخرجات في حاجة إلى تنظيم وبلورة من خلال إحداث هيئة وطنية ثقافية، تنظم القطاع العام والخاص، وتتولى تعديل نشاطهما وتنميته، وفق خطة شاملة أو مشروع ثقافي متكامل البنية بأهداف مضبوطة وميزانية مناسبة. وقد يكون من المفيد أن تنشئ وزارة الخارجية ضمن مصالحها إدارة أو دائرة ثقافية تكون مجمعا لجهود كل الفاعلين الثقافيين بتنسيق مع وزارة الثقافة، واللجنة الوطنية لمنظمات الثقافة والتربية والعلوم في صلتها بوازرتي التربية والتعليم العالي والجامعات والجمعيات الثقافية، وبذلك يتم تجاوز ما قد يظهر من تشتت الجهود وتلافي الازدواج في أداء المهام الثقافية، ويتيسر تبعا لذلك للبعثات الديبلوماسية الاعتماد على مخاطب واحد ومصدر جامع، وقد لا حظنا بوادر في هذا الاتجاه في الدورة الأخيرة لندوة السفراء، التي خصصت جلسة ضمن جدول أعمالها لتدارس العمل الديبلوماسي الثقافي بإشراف الوزيرين وبعض مسؤولي الشأن الثقافي.
والأمل معقود على العمل الثقافي الداخلي بطريقة أفقية بين كل المسؤولين والفاعلين الثقافيين وعلى إدراكهم أن ما جد ببلادنا في مطلع سنة 2011 هو في ظاهرة ناجم عن البؤس الاجتماعي، وتفاوت التنمية في الجهات والركود السياسي، ولكنه في المعلن كما في المستبطن المطالبة بالكرامة بما هي تحقيق الذات معنويا وانبعاث الأمل ولذة الحلم أكثر من توفير الشغل والخبز. وقد انصرف اهتمام الحكومات المتتالية منذ ذلك الحدث إلى محاولة حل الإشكالات السياسية في المقام الأول، من غير كبير التفات إلى الشأن الثقافي الذي هو الرهان الحضاري الحقيقي القائم على التربية على المواطنة وإعلاء شأن قيم العمل والمبادرة والتضامن والتقدم.
وهذه هي في تقديري دعائم السياسة والاقتصاد. واعتبار الثقافة « القريب الفقير » تبخيس لتلك القيم وتفريط في أساس التنمية الشاملة المتضامنة الدائمة وإلا فإن ما بعد ذلك التاريخ سيكون تكرارا لما قبله، ويصبح مجرد انتقال للسلطة السياسية والمالية من يد إلى أخرى.
والهيكل الثقافي الموحد الذي ندعو إلى إقامته، سواء أكان وكالة ثقافية أم مجلسا وطنيا للثقافة سيكون مزود الديبلوماسي الثقافي بما يحتاج إليه في عمله، بما يلقيه من محاضرات، ويشارك به في الندوات، وفي الكتابة والمحاورة، وتوزيع الكتب والمنشورات، وفي الإشراف والمتابعة للفرق الفنية والفنانين وأساتذة الجامعات الذين يفدون على بلد الإعتماد، فيترتب لهم اللقاءات مع نظرائهم وجمهورهم. وإذ نثني على ما ذكرنا من بداية مبادرات، ونأمل تواصلها وترسخها، فلأن في ذلك فائدة بالغة في العمل الديبلوماسي الثقافي، ولأن تجربتنا في الديبلوماسية الثقافية كانت قائمة بالأساس على الجهد الشخصي والطاقة الذاتية وفي النفس حسرة لما رأيناه عند الكثير من نظرائنا من إمكانات تمدهم بها بلدانهم التي لم تكن دائما أقدر من بلدنا على ذلك إن لم نقل إن بلادنا أحسن حالا منها. وفي التلميح كفاية عن التوضيح، لأن مدار الأمر على العزم على التدارك وتصويب المسار.
وتقديرا لأهمية الديبلوماسية الثقافية ودورها في الدبلوماسية العامة تعيّن بعض الدول مثقفين بارزين سفراء أو ملحقين ثقافين من أمثال خير الدين الزركلي ونزار قباني، وأكتافيو باس (Octavio Paz) وكارلوس فوينتوس ( (Carlos Fuentesالمكسيكيين وسانجون بارس (Saint-John Perse) وستندال (Stendhal) الفرنسيين، وكلود ليفي ستروس (C.Lévi-Strauss) الذي كان ملحقا ثقافيا بسفارة فرنسا في واشنطن وقد أدركت بالرباط محمد الفيتوري السوداني الليبي بمكتب الأخوة الليبي مستشارا إعلاميا وسياسيا. وهي أمثلة من المفيد الاقتداء بها متى سمحت الظروف المادية والبشرية بذلك، لأن هؤلاء المثقفين المبدعين يكونون بذواتهم تجسيما حيا لصورة الحياة الثقافية ومدى الاهتمام بالمثقفين، بقدر ما يمثلون زملاءهم وينسجون العلاقات مع نظائرهم ويتولون زرع ثقافة بلادهم ونشرها.
وقد تتولى هيئات القطاع الخاص والمجتمع المدني وجمعيات الصداقة القيام بنفس المهمة مع ضرورة التنسيق مع الهيئات الديبلوماسية أو بصورة منفردة وفق اختيارات الدول وسياساتها إذ أن بعضها يفضل الابتعاد عن المباشرة ضمانا لمزيد نجاعة الاتصال الثقافي متخفيا لإبراز استقلالية تلك الهيئات وأفرادها فيكون تأثيرها أعمق، ونفاذها أوسع، في حين لا تتردد المؤسسات الاقتصادية الكبرى في دعم العمل الثقافي بالداخل والخارج، مشاركة منها في المجهود الوطني، وتحقيقا لمصالحها وإبراز دورها المعنوي.
وفي حالات أخرى وهي الغالب، تعمد الدول الغنية ذات السياسية الطموحة الشاملة، الحريصة على حضورها الكامل في الساحة الدولية إلى إحداث مؤسسات ثقافية عمومية بالخارج لترويج ثقافتها، إدراكا منها لتأثير الثقافة وأهميتها في دعم سياساتها الخارجية واقتصادها وسائر مصالحها. ولبعض هذه الدول مراكز ثقافية، ومعاهد ثقافية وتعليمية ومبرات، تشرك في أعمالها أبناء بلدان الاعتماد، وتدعم أنشطتهم الموجهة وجهتين منفصلتين في الظاهر، مجمعتين على نفس الغاية، وهما معرفة ما يجري في بلد الاعتماد من حراك ثقافي وسياسي واجتماعي، وما يدور فيها من أفكار تستفيد منها في رسم سياستها تجاه ذلك البلد، وتخدم مصالحها السياسية والثقافية بما فيها اللغة، والاستهلاك للصناعة الثقافية من موسيقى ومؤلفات وسينما وغيره، ومحاولة توجيه نخبة بلد الاعتماد وجهة موافقة لمصلحة البلاد الموفدة، وترويج أفكارها وقيمها بينهم.
ومن أدوات تنفيذ القوة الناعمة، اتفاقيات التبادل والتعاون الثقافي، وإقامة المعارض والمهرجانات والمؤتمرات والندوات ومنها استقبال الطلبة الأجانب وتسجيلهم بالجامعات الوطنية، ليكون المتخرجون منها خير سفراء بعدما يكونون قد قضوا ريعان شبابهم في ذلك البلد، حيث تشبعوا بقيمه وآدابه وكرعوا من مناهل علمه. ولتونس في هذا الباب تجربة رائدة مع الطلبة الموريتانيين بالخصوص. وتكون الجامعات موئل تبادل الأساتذة والمنشورات وإنجاز البحوث والدراسات المشتركة، والإشراف المشترك على الأطاريح والشهائد. كما أن مراكز البحوث والدراسات السياسية والاجتماعية مصدر ثري لتفعيل القوة الثقافية معرفة وتعريفا، ولكنها غير متاحة لكل الدول بالنظر خاصة إلى تفاوت الإمكانات بينها.
وبالإمكان أيضا الاستفادة من الجاليات بالخارج، من خلال تأطيرها وتنظيم صفوفها في نطاق جمعيات ثقافية مستقلة تتولى السلطة الوطنية دعمها ماديا. وما مبادرة وزارة الشؤون الاجتماعية بتنظيم ندوة المبدعين المغتربين إلا بداية نأمل تواصلها بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والثقافة وأن تكون أعمال الجمعيات الثقافية للجالية موجهة بالأساس إلى بلد الإقامة، لتسهم بدورها في التعريف بالثقافة الوطنية هنالك.
حينما تطالع أدبيات القوة الناعمة بما فيها الثقافة ستجد إجماعا على كونها تهدف إلى تأكيد الذات والبحث عن السلم وتنميتها، وتبادل وجهات النظر، وتشجيع معرفة أفضل للآخر وثقافته، ومد الجسور بين المجموعات والجامعات البشرية، وبناء نظرة إيجابية إلى التنوع الثقافي باعتباره مصدر إبداع وتطور وسلام. ولكن هذا المفهوم يستخدم ويفهم بطرق متعددة، وهو مرتبط دائما بالمصالح التي تريد تحقيقها السياسة الخارجية لبلد من البلدان وبمنهج تحقيقها، وسترى أن الصراع قائم، في الواقع على قدم وساق متخفيا وراء الخدعة الناعمة التي تلبسها تلك القوة، ولا يغرنك ووصفها بالنعومة لأن وراء الابتسامة دائما أنيابا، كما نبه إلى ذلك المتنبي.
إنه صراع ثقافي ظهرت بداياته في العلن منذ ثلاثينات القرن الماضي. فقد حاولت ألمانيا النازية تحقيق اختراق ثقافي وإيديولوجي في أمريكا اللاتينية للتضييق على الولايات المتحدة. فقررت هذه الدولة وضع برنامج ثقافي رسمي من الداخل، سنة 1938ركزت فيه على قيم التحرر في معناه الشامل المنافي للنزعة الاستعلائية المسماة الاجتماعية الوطنية. وفي سنة 1934 أنشأت المملكة المتحدة المجلس الثقافي البريطاني، كما ستقيم ألمانيا الاتحادية معهد غوته سنة 1951 وفق سياسة مغايرة للتوجه النازي الذي سبب هزيمتها. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية أدركت الأمم المتحدة أن « الحرب تولد في العقول » فبادرت سنة 1946 إلى إنشاء منظمة اليونسكو التي ورد في نصها المؤسس: « تنشأ الحروب في عقول الناس. ولذا يجب أن تبنى قلاع الدفاع عن السلام في تلك العقول. » وتوالت منذئذ إعلانات هذه المنظمة عن أهمية الثقافة ودورها في نشر التعارف والتفاهم بدل التصادم والحرب. ولكن نشأة هذه المنظمة لم تحل دون قيام مواجهة بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقية في نطاق الحرب الباردة، ووقع التجاذب بين ما عرف بنظرية ترومان، الرئيس الأمريكي الأسبق الداعية إلى التحرر الفكري والاقتصادي، ونظرية جدا نوف السوفياتي الداعية إلى قيم الاشتراكية والتضامن والعدل.
وفي سياق الحرب الباردة جندت الدول الغربية كل وسائلها الثقافية وسائر قواها الناعمة منتصرة لقيم الحرية والديمقراطية على ما تسميه عوامل السلط والاستبداد، رافعة رسالة إلى العالم تدعوه فيه إلى السير في ركابها، واعتناق ثقافتها، وأنماط تفكيرها، على منوال مسؤولية الرجل الأبيض في نشر الحضارة والرقي، كما كان يبشر بذلك جول فيري (Jules Ferry) عند احتلال تونس. وجندت تلك الدول من ضمن ما جندت الإذاعات، مثل صوت أمريكا (1942) وقبلها هيئة الإذاعة البريطانية (1922) وإذاعة أوروبا الحرة (1949-1950) موجهة برامجها إلى البلدان الشيوعية، والدول المستعمرة والنامية يومئذ. وستفلح هذه الوسائل في تفويض الدعاية السوفياتية إلى حد إسقاط النظام السوفياتي لاحقا، كما أفلحت في استدراج من سماهم فرانز فانون (Franz Fanon) ذوي « البشرة السوداء والأقنعة البيضاء » في كتابه المنشور بهذا العنوان سنة 1952. ولتحقيق مزيد من الإغراء وضعت الولايات المتحدة غداة الحرب العالمية الثانية مخطط مارشال لإعادة بناء ما هدمته بالتوازي مع برنامج فولبرايت للتربية والتعليم حتى تضمن توازي بسط نفوذها الاقتصادي والثقافي. وأنشأت سنة 1953 وكالة للأنباء (USIA) في « خدمة ديبلوماسيتها العامة وضمان المصلحة الوطنية الأمريكية بتعميق الحوار بين الأمريكيين ومؤسساتهم مع نظائرهم في الخارج » وذلك بالتوازي مع عمل وكالة المخابرات المركزية المعنية هي أيضا بالشأن الثقافي. وقد ألفت الكاتبة والمؤرخة البريطانية ف.س.سوندرس (F.S.Saunders) سنة 1999 كتابا بعنوان « من دفع للزمار: الحرب الباردة الثقافية  » كشفت فيه بالوثائق والشهادات أن وكالة الأنباء التي كانت مهمتها أن تفهم وتعلم وتؤثر في الجمهور الأجنبي قد استخدمت 60 ألف موظف وميزانيتها السنوية مليار دولار، وتولت تجنيد العديد من الفاعلين الثقافيين بعلم منهم وبدونه، لإنجاز تلك المهمة طوال الحرب الباردة، ولم تتوقف إلا في نهاية القرن الماضي عن العمل.
ورغم التحولات السياسية العالمية وزوال القطبية الثنائية فإن الصراع الثقافي ما يزال قائما، ولكن هذه المرة بين عدة قوى سياسية غربية وأخرى منضوية تحت اسم بريكس (BRICS) البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا جامعة بين كل القوى الناعمة والصلبة. وانضافت إلى أدواتها التقليدية من وكالات أنباء وإذاعات وتلفزات، مثل قناة الحرة، وقناة روسيا اليوم التي تواجه صعوبات في اختراق المجال السمعي البصري الغربي، أدوات مرقمنة جديدة حاملة لثقافات متنافسة، على غرار ما هو جار اليوم من نزاع بين شركة غوغل الأمريكية وشركة هيواي (huawei) الصينية. وحظ الدول في هذا الخضم بالغ التفاوت. فالثورة الرقمية أو الصناعية الثالثة قد حطمت كل الحدود، ومفاهيم السيادة الوطنية التقليدية. واستخدمت هذه الأدوات الجديدة في الظاهر باسم الكونية لتحقيق التجانس والتقارب والتفاهم من خلال انسياب المعارف والفنون. ولكنه في حقيقته ابتداع لنظام جديد من الهيمنة يزيد في عجز الدول الضعيفة عن التحكم في تدفق الأفكار وانتشار القيم. وقد تأتّى ذلك للأقوى بفضل التقنية العالية والإخراج المشوق، والوفرة المالية الضخمة، والكفاءات الفنية والفكرية المقتدرة التي يستورد بعضها المستنجب من الدول الضعيفة للعمل في إمبراطوريات سمعية بصرية وازنة تركز على الترفيه، « تعلم الناس وهم يلعبون » لتسويغ المواقف والقيم التي تعسر ممانعتها. والدول الصناعية تملك حولي 97% من مجمل المنتجات الخاضعة لاتفاقية الحماية الفكرية التي هي احدى بروتوكالات منظمة التجارة العالمية.
وينظر إلى الثقافة على أنها في غاية التنوع، وما من أحد يصرح بالمفاضلة بين ثقافة وأخرى أو بترتيبها جودة وثراء. ولكن الواقع يدل، بين الخفاء والتجلي، على مفاضلة حقيقية تقوم على الهيمنة والسطوة. وقد قرر ابن خلدون أن المغلوب مولع بتقليد الغالب فيما هو مادي وروحي وأدبي. ودلائل ذلك كبيرة اليوم في اللغة واللباس والهيئة السلوك والطعام والشراب وفي التفكير والفلسفة والتدين. وقد ذهب أحد رؤساء فرنسا حديثا إلى الزعم أن إفريقيا لم تدخل التاريخ بعد، ناهيك عما تعبر عنه بعض العامة في الغرب من اشمئزازها من روائح الطعام الصادرة من مطابخ الجالية، ومن طريقة عيش تلك الجاليات وسلوكياتها وتصرفاتها الفكرية والاجتماعية. وقليلة هي الدول والشعوب التي لا تشتكي من الاكتساح الثقافي الناجم عن الهجرات، وانتشار وسائل الاتصال.
وقد سبق لليفي ستروس أن دعا إلى ضرورة صيانة الثقافة الوطنية وتحصينها ضمانا، في رأيه، للحفاظ على التنوع الثقافي. وقد أثارت تلك المحاضرة التي ألقاها باليونسكو سنة 1971 ثم ضمنها في كتابه « العرق والتاريخ « سخطا شديدا عليه. وهذه فرنسا التي لها « الرابطة الفرنسية » وفي خدمتها المنظمة الفرنكوفونية وأكثر من 150 مركزا ثقافيا في العالم تلح وتعمل على الاستثناء الثقافي، سعيا منها في المحافظة على اللغة والثقافة والمصالح الاقتصادية والسياسية الفرنسية في وجه المد الثقافي الصناعي الأمريكي الذي تشتكي منه كندا أيضا.
وفي عالمنا العربي الإسلامي جدل قديم متجدد حول ما يسمى الغزو الثقافي والتثاقف، والحاجة إلى تحصين الهوية من الاغتراب والاستلاب، بالتمسك بالخصائص وعدم الإيمان بمصداقية القيم الكونية. مما يفضي أحيانا إلى التقوقع والارتداد وما يتنامى من تفكير متطرف يتغذى أيضا من الهيمنة الاقتصادية وعدوانية السياسة الغربية. وعلى خلفية تنامي النزعات القومية والتيارات الدينية المتشددة وأدواتها الإعلامية المتمثلة في الشبكة العنكبوتية والفضائيات العشوائية أكدت اليونسكو في إعلان عالمي لها سنة2001 أنه لا يمكن التعلل بالتنوع الثقافي لتبرير انتهاك الحقوق البشرية المصونة في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وجاء في هذا الإعلان أيضا « تجدد الدول تأكيدها أن الحوار بين الثقافات والحضارات يمثل خير ضمانة للسلم ، وللنبذ المطلق لنظرية الصراعات الحتمية بين الثقافات والحضارات، وتعلي التنوع الثقافي إلى منزلة التراث المشترك للإنسانية باعتباره ضروريا للجنس البشري ضرورة التنوع البيئي، وتعتبر الدفاع عنه واجبا أخلاقيا لا ينفصل عن احترام كرامة الإنسان ٌ.وفي ذات الغرض بادرت إسبانيا ودول أخرى إلى إنشاء تحالف الحضارات للأمم المتحدة سنة 2004، لمواجهة التطرف بالوسائل السلمية مقابل مواجهته عسكريا كما فعل الرئيس الأمريكي السابق في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص.
لم تكن بلادنا تملك في تاريخها إلا القوة الناعمة المعنوية، وإن كان لها في بعض مراحل هذا التاريخ الطويل قوة صلبة واحدة متمثلة في قدراتها الاقتصادية والتجارية منها خاصة. ولم تلجأ إلى القوة العسكرية الصلبة إلا لرد العدوان وصد الهجوم. وقد ظلت مذكورة مشهورة منذ أشاد أرسطو بديمقراطية قرطاج ودستورها، وبفضل إشعاع مراكزها الروحية من القيروان وتونس، وبمشاهير علمائها وأعلامها من ابن خلدون إلى أبي القاسم الشابي. وكان لها غداة الاستقلال حضور فاعل في المحافل الدولية منذ أن تولى المنجي سليم رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتخابها لأكثر من مرة عضوا بمجلس الأمن واختيار بعض ديبلوماسيها أمناء عاميين مساعدين للأمين العام لهذه المنظمة. ومن المناسب في هذا المقام تهنئة بلادنا وديبلوماسيها وأبنائها بهذه المكاسب الجليلة.
وفي اعتقادنا أن تأسيس الأكاديمية الديبلوماسية في المدة الأخيرة سيكون موئلا لتنشئة الديبلوماسيين الشباب واستفادتهم من قوة بلادهم الناعمة، حتى لا تسقط من جديد في ما كان وصفها به ابن ابي الضياف في عصره من أنها بلاد « فقيرة حسا ومعنى ». وهي مسؤولية مشتركة بين النخب وقادة الرأي والديبلوماسيين تتمثل في دعم الرصيد الحضاري والثقافي الذي تزخر به، وليس ذلك بصعب المنال لما عرف به التونسيون من همة وذكاء وحس وطني وقاد في توسط المنهج واعتدال الموقف والجنوح إلى السلم وخدمتها، فتصبح « تونس تؤنس ».
صالح البكاري.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer