القمة

مقال رأي: القمة العربية بين قبول ورفض

انتهت القمة العربية لكن الحديث عنها لم ينته. الآراء متباينة حول كل ما يتصل بها. هذا غير مقتنع أصلا بالقمة ولا بالمنظمة الاقليمية التي يندرج ضمن نشاطها(جامعة الدول العربية) ولا يرضيه ما ينبثق عنها من قرارات، وهذا لا يستسيغ حضور هذا القائد أو ذاك، وآخر لا يتمنّى النجاح لمن استضافها، وآخرون بات اهتمامهم مركّزا على من غادر ومن حضر… والجلسة الافتتاحية في طور انعقاد. وهكذا.
وإذا شئنا أن نجمل المواقف فإنه يمكن تلخيصها في موقفين. الأول يعتبر أن العلاقات الدولية تقوم على القوة، ويكاد يزهد في الأدبيات والبيانات والاجتماعات التي تستعيض بهذه الأنشطة عن مظاهر القوة المحققة للحقوق والمدافعة عنها. والكثير من القائلين بهذا الرأي يعتبرون الجامعة العربية من هذا النسيج الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. أما الموقف الثاني فيعتبر أن القوة تتلازم مع العمل الديبلوماسي، وهو في أحيان كثيرة يعضدها وقد يأخذ مكانها لدى بعض الدوائر والأوساط، وقد يأتي بما لا تستطيعه هي. والعمل الديبلوماسي الذي له مجالاته ورجاله وآليات عمله وأحكامه، يعطي الانطباع الايجابي لدى بعض دوائر الرأي العام عن القضية العادلة التي يدافع عنها، وتستسيغ هذه الدوائر أن تتم مخاطبتها بالقول والمنطق والحجة، مثلما حصل بالنسبة إلى القضية الفلسطينية،على مدى عقدي السبعينات والثمانينات، عندما اكتسحت شرائح واسعة من المثقفين وقادة الرأي وأمالت مواقف دول غربية كثيرة لصالحها بالإقناع والحجة.
ما الذي جعل رأيا أثبت نجاعته وكسبت منه الثورة الفلسطينية وعديد القضايا العادلة في العالم، يضمر أمام رأي لا يستند إلى سند ويستعدي منظومات قائمة تصعب زحزحتها بدل أن يستفيد مما تتيحه للدفاع عن قضاياه والتعريف بها.
لا شك في أن ما جري على الساحة العربية في السنوات الماضية (تقلّص الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتساهل العرب تجاه غزو العراق وتحطيم كيان الدولة في كل من سوريا وليبيا واليمن) قد باعد بين الرأي العام العربي وبين كل ما هو رسمي، سواء كان ذلك مؤسسات حكومية أو هياكل عمل مشترك، ومنها الجامعة العربية.
وليس من الغريب في أجواء كهذه أن ينفر الرأي العام من أنشطة ومبادرات تجمع قادة الدول العربية وممثليها. لكن الغريب حقا أن ينساق قادة الرّأي إلى مواقف من هذا القبيل، تثبيتا لهذا الشعور السلبي وترسيخا لعوامل النفور الطافية على السطح، وتجاهلا لعناصر إيجابية بدت خلال القمة في معالجة القضايا المطروحة على القادة العرب.
وأول هذه العناصر الإيجابية إقرار البيان الختامي أنّ الخلافات والصراعات في المنطقة استنزفت الطاقات والإمكانيات العربية، وتسببت في إضعاف التضامن العربي وأثّرت في الأمن القومي العربي، محوّلة المنطقة العربية إلى ساحات للصراعات الدولية والإقليمية والنزاعات المذهبية والطائفية، وملاذات للتنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار والتنمية فيها. وهو ما يجعلنا ننتظر أن تقلع الدول العربية الضالعة في هذه السياسات عن الانخراط فيها مستقبلا.
العنصر الإيجابي الثاني يتمثّل في أن القادة ورغم وعيهم بما أصبحت عليه أحوالهم، قد تمالكوا أنفسهم ولم يتنازلوا عن المواقف التي التزموا بها سابقا، سواء تعلّق الأمر بالقدس أو حل الدولتين أو الجولان أو غيرها.
العنصر الإيجابي الثالث تجسّد في الحضور عالي المستوى للقادة العرب لأشغال المؤتمر، وهو ما يؤشّر إلى أن التزام الدول بهذه المراجعات سيكون مؤكّدا. لكن تونس التي ستمتد رئاستها للقمة لسنة كاملة وتقبّلت هذا الحضور العالي كتشريف لها ستكون مسؤوليتها كبيرة لا فقط من أجل تكريس التزامات الأشقاء، ولكن أيضا في تثبيت المنعرج الذي عبّر الجميع عن الحاجة الماسة إليه ويتطلّب جهدا استثنائيا لوضعه موضع التنفيذ.
العنصر الإيجابي الرابع يقوم على إعلاء شأن العمل الاقتصادي والتنموي المشترك عبر تفعيل قرارات القمم الاقتصادية، وهو التمشّي الذي باشرته قمة عمان في 1980 من خلال رفع شعار تحييد العمل الاقتصادي عن الخلافات السياسية، لكن الدول العربية أهملته وأودعته في سلة المهملات.
هذه العناصر الإيجابية التي هي،حقا، ثانوية أمام انهيار الأوضاع العربية ، هي في الواقع واعدة تحتاج إلى تطوير ليشتد عودها وتنمو، وتعيد الأمل للمؤمنين بالعمل العربي المشترك.
أبوالسعود الحميدي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer