سياسة المحاور

مقال رأي : سياسة المحاور تطلّ برأسها من جديد

طفا النقاش حول سياسة المحاور من جديد إثر احتداد الصراع مؤخّرا بين طرفي النزاع في ليبيا.الرافعون لشعار مناهضة سياسة المحاور يعيبون على أصحاب المواقف المنحازة لهذا الطرف أو ذاك عدم جدوى مواقفهم وانخراطها في تأجيج الصراع أكثر منها في إيجاد حلول للأزمة الناجمة عن التصعيد الأخير.
والتحليل المناهض لسياسة المحاور يستند إلى معطى أساسي يقوم على أن الحل يكمن في تجميع الأطراف وتفعيل صيغ التواصل السلمي بينها ودفع آليات الحوار بدل التقاتل والاحتراب. وهذا التقدير ينطلق أيضا من أنه لا يمكن لأي من الطرفين أن يلغي الطرف الآخر ويستأصله كتمهيد لإيجاد الحل المأمول الذي يتطلّع إليه الشعب الليبي. يمكن للطرف الذي يرى أن خصمه يحتمي بمجموعات إرهابية أو بميليشيات أو بمجموعات إجرامية أن يطلب منه فكّ هذا الارتباط الذي لا يتماشى مع الالتزامات المشتركة من أجل تهيئة البلاد لخوض الاستحقاق الانتخابي وتدشين مرحلة جديدة من بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. ولكنه لا يمكن أن يراهن على عمليات عسكرية تهدف إلى تدمير الخصم وإيقاع عشرات الضحايا من المدنيين. وفي المقابل لا يمكن لمن يعلن التزامه بالمشروع الديمقراطي ومن خوّلته الإرادة الدولية إدارة المرحلة الانتقالية أن يضع يده في يد أطراف مشبوهة لا تنتمي إلى نفس المشروع والرؤية السياسية. وحري بالأول أن يطرح هواجسه بوضوح، وعلى الثاني أن يجيب عنها ويرفع اللبس الذي يكون قد علق في الأذهان جرّاءها بوضوح أيضا.
ليس العيب الوحيد لسياسة المحاور كونها غير مجدية. إنها مدمّرة ولا تخلّف أرضية لحل إيجابي. ولقد تم تجريبها في السابق على الساحات العربية والإفريقية ولم تخلّف سوى اقتتال بين الأشقاء وإضعاف لكل الأطراف.
كانت تجربة النضال من أجل الاستقلال الوطني على الساحتين العربية والإفريقية وتحرير فلسطين ومواجهة العنصرية والأبارتهايد في جنوب إفريقيا تجربة غنية جعلت كل شعب يخوض معركته حسب ظروفه الملموسة وعبقريته الخاصة. وقد أدّت هذه التجارب المتنوعة إلى تحقيق الأهداف الوطنية بصيغ متنوعة أيضا. وبالتوازي مع الجهود التي بذلها كل شعب لتكريس مطامحه في التنمية والتقدّم ظهرت اجتهادات لا ترى ما تحقق بل تنظر إلى ما تم التقصير في تحقيقه أو حالت موازين القوى العملية عن الوفاء به. وبدل أن يؤدّي هذا التنوع إلى ثراء للمشهد يكون مدخلا للاستلهام والتكامل بين شعوب المنطقة على مستويات البناء السياسي والخبرات التنموية، أصبح عنصر استقطاب. أصبح قطاع واسع من النخب العربية والإفريقية تتباهى براديكاليتها وبحجم التضحيات البشرية والمادية التي بذلتها لنيل استقلالها، وتنظر بعين الريبة للاستقلالات التي تم نيلها بجهد أقل وبتضحيات متواضعة. واسترسالا في هذا المنطق ظنت هذه النخب، وهي ماضية في أوهامها، أن النتائج التي سيتم تحقيقها للشعوب على مستوى الرفاه وارتفاع مستوى العيش ستكون على قدر التضحيات المبذولة في معركة نيل الاستقلال. وباعتبارنا أصبحنا نتطوّر من وهم إلى وهم، ارتأت هذه النخب أن الخلاص للمنطقة بأكملها يكون عبر تأليب الأنظمة التقدمية على الأنظمة الرجعية. وقد عاشت منطقتنا العربية وقارتنا الإفريقية مرحلة مريرة من الاستقطاب، كرّستها سياسة المحاور سيئة الذّكر طوال عقود. ورغم أن الأوهام بعلوية هذا عن ذاك وبالشرعية الثورية التي تجعل هذا يرسم الطريق لذاك قد تلاشت وانقضت، إلا أن سياسة المحاور مازالت جذوتها تشتعل، وظهرت في السنوات الأخيرة تحت شعارات جديدة من نوع « الثوريون ضد الرجعيين » و »الإسلاميين ضد الحداثيين » إلى آخر القصة المعروفة. وأصبح الملاحظ يستشف بسهولة أن الحل الذي تقترحه الأطراف المختلفة هو تأجيج الصراعات بين هذه المحاور من أجل إجلاء الصورة تمهيدا « لتحقيق أهداف الثورة ». ولعل آخر فصول هذا المشهد ما تعيشه الشقيقة ليبيا.
أبوالسعود الحميدي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer