الإرهاب

مقال رأي : نقاط غامضة في المعركة الدولية على الإرهاب

ظاهرة الإرهاب في المنطقة العربية مازالت تسيل الكثير من الحبر. بروز المجموعات الإرهابية الحاشدة والمتمرّسة وتحقيقها أهدافا كبيرة في غفلة من الزمن جعلت العارفين بالأنشطة السياسية والأمنية يطرحون على أنفسهم أكثر من سؤال. من أين جاءت هذه الجموع؟ ومن درّبها في هذا الظرف الوجيز؟ ومن أتاح لها الاطلاع على أدق المعلومات الأمنية في عديد البلدان بما يسّر لها احتلال مناطق واسعة من شمال العراق وشمال سوريا وفي ليبيا والتمركز في مدن مثل الموصل والرقة والاستيلاء على أسلحة متطوّرة وآبار ومصافي نفط وسدود كبرى؟ كيف أمكن لهذه المجموعات الشابة وحتى المراهقة القادمة من أرياف المناطق العربية ومن القوقاز وآسيا الوسطى والأحياء الشعبية في المدن الأوروبية أن يقيموا دولة بهياكلها ومؤسساتها لمدة تزيد عن الأربع سنوات؟
وإذا تأمّلنا سير المعارك الأخيرة في جيب الباغوز، آخر الجيوب الجهادية في المنطقة، شمال سوريا، والأعداد الهائلة التي استسلمت أو فرت منه على مدى الشهرين الأخيرين (استسلام حوالي 30 ألف مقاتل وفرار 5 آلاف من داعش، حسب ما أعلنت عنه “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)مؤخّرا)، نكتشف أن ما بقي من هذه الفلول يكفي لتسيير جيش نظامي لدولة متوسّطة الحجم.
قوة البروز وسرعة التوسّع فسّرها البعض بالفراغ الذي تولّد عن انهيار الدولة في كل من سوريا والعراق وليبيا خلال السنوات الماضية. وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ كما يقولون، فإن هذه المجموعات الإرهابية استغلته للتمركز في هذه الفضاءات الواسعة وإدارتها تحت مسمّى الخلافة الداعشية. التوافد الكثيف للجموع الإرهابية من أصقاع الدنيا فسّره نفس العارفين بالجاذبية الناجمة عن تشكيل السلطة الناشئة وما بدا لهذه الجموع من حاجة إلى أعوان لتسييرها، وما قد تتيحه للوافدين من مزايا الحكم والسطوة دون ضابط ولا رقيب. أما القدرات الأمنية والعسكرية التي أظهرها القائمون على الخلافة المزعومة فيفسّرها نفس المختصّين بما تراكم لدى الحركات الجهادية من خبرات منذ تصدّيها للغزو السوفياتي لأفغانستان بداية ثمانينات القرن الماضي، فضلا عن الإضافات التي حملها معهم بعض المسؤولين الأمنيين والعسكريين من بقايا الأنظمة المنهارة وخاصة في العراق وتسخير أنفسهم لخدمة هذا المشروع نكاية في الغزاة الأمريكان بعد حل الجيش واجتثاث الحزب الحاكم (حزب البعث العربي الاشتراكي).
إن تفسيرا من هذا القبيل لا يسلّط الضوء إلا على الجوانب البارزة من الظاهرة دون إحاطة بما هو عميق فيها. فالفراغ الذي حدث في العراق على سبيل المثال حصل في محافظتي الأنبار ونينوى، وفي سوريا في محافظات محاذية، مما جعل الجهاديين الذين التحمت جموعهم عبر الحدود يتحدّثون منذ انطلاق الأزمة في 2014 عن أن مشروعهم يهدف إلى إزالة حدود سايكس- بيكو لسنة 1916، وهذا المشروع الأعلى سقفا مما هم قادرون على تجسيده، يتقاطع مع مشاريع أوسع مدى كانت تهيّأ للمنطقة في دوائر وغرف مظلمة في أماكن قصية. كما أن قانون الجاذبية الذي يمكن أن يفسّر توافد شرائح من الشباب المحبط في بلاده والمتطلّع إلى لعب دور متقدّم في كيان مستحدث ومعادلة سياسية جديدة يتيحان له تحقيق الذات والاستمتاع بمزايا السلطة لا يمكن أن يفسّر توافد هذه الأعداد المهولة التي لا يكاد ينقطع لها حبل. أما في خصوص القدرات التي برزت أثناء سير المعارك، فلا يمكن ربطها بهذين المصدرين المذكورين(الخبرات الجهادية بأفغانستان وخبرات الأنظمة السابقة في المنطقة)، بل فيها ما هو جديد، ومرتبط بتغيّرات ساحة العمليات في تفاعلاتها المستجدة.
كل هذه الأسئلة والملاحظات تجعلنا مقتنعين بأن توسّع قوى الإرهاب وجهود الحرب عليها هي جزء من أجندا قائمة تحركها أطراف من داخل المنطقة وخارجها، تستغل وهن الكيانات الوطنية وتطوّع نزوع التمرّد عليها لأهداف معينة.
أبوالسعود الحميدي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer