موكب وفاء وثناء من وزارة الشؤون الخارجية التونسية نحو السفير الراحل صلاح الدين الجمالي بتاريخ يوم الجمعة 20 سبتمبر 2019

أقامت وزارة الشؤون الخارجية التونسية عشيّة يوم الجمعة 20 سبتمبر 2019 بمقرها موكب وفاء وتكريم للسفير الراحل صلاح الدين الجمالي ولعائلته حضره السيد وزير الشؤون الخارجية وكاتب الدولة السيد صبري باشطبجي والسيد الطاهر صيود الوزير والسفير السابق رئيس الجمعية التونسية لقدماء السفراء والسيّد أحمد ونيّس وزير الخارجية الأسبق وشارك في الموكب إلى جانب إطارات الوزارة جمع غفير من قدماء السفراء وعدد من أصدقاء الفقيد.
وجرى خلال موكب الوفاء للراحل إلقاء كلمات من قبل السيد خميّس الجهيناوي وزير الشؤون الخارجية والسيّد الطاهر صيود رئيس الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين والسيّد أحمد ونيّس وزير الخارجية الأسبق وقدم الهادي بن نصر كاتب عام الجمعية شهادة شخصية عن الراحل وختم الموكب بكلمة امتنان وشكر من عائلة الفقيد قدمها ابنه الأكبر طبيب القلب والشرايين الدكتور محمّد الجمّالي.
ويطيب لصحيفة الدبلوماسي التونسي الإلكترونية أن تنشر الكلمات التي ألقيت خلال الموكب التكريمي للراحل.

كلمة السيد الوزير في تأبين
الدبلوماسي الراحل، المرحوم صلاح الدين الجمالي

(الجمعة، 20 سبتمبر 2019)

بسم الله الرحمن الرحيم: « يا أيتها النفس المطمئنة اِرجعي إلى ربك راضية مرضية، وادخلي في عبادي وادخلي جنتي » صدق الله العظيم.

 

السيدات والسادة،

أيها الحضور الكريم،

 نقف اليوم في هذا الموكب الخاشع وفاء وتقديرا لروح زميل عزيز وأخ كبير، المغفور له بإذن الله تعالى، السفير صلاح الدين الجمالي، فقيد الدبلوماسية التونسية الذي لبى داعي ربه يوم الجمعة 13 سبتمبر 2019.

كان المرحوم من خيرة رجالات وزارة الشؤون الخارجية، وأحد المساهمين البارزين في المحافظة على إرث الآباء المؤسسين وترسيخ ثوابت الدبلوماسية التونسية وتعزيز إشعاعها طيلة مسيرته المهنية والسياسية الحافلة، وذلك بفضل غزارة عطائه وحنكته وإيمانه بالدولة الوطنية وبمؤسساتها.

 تغمده الله بواسع رحمته وعظيم غفرانه، وتقبله في فسيح جنانه ورزق أهله وذويه وكافة العائلة الدبلوماسية جميل الصبر والسلوان.

لقد التحق المرحوم صلاح الدين الجمالي بوزارة الشؤون الخارجية في شهر نوفمبر سنة 1968 وهو متحصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا من جامعة السوربون بفرنسا. وامتدت مسيرته المهنية إلى غاية شهر جانفي سنة 2012، تقلب خلالها في العديد من المناصب والمسؤوليات العليا داخل الوزارة وفي البعثات التونسية بالخارج، حيث تم تكليفه بمهام كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية للشؤون المغاربية والعربية والافريقية سنة 2004، ومثّل هذا المنصب تتويجا طبيعيا لمسيرة الفقيد وشهادة على تخصصه وإلمامه الكبير بكنه العمل الدبلوماسي وبالملفات العربية والإسلامية بصفة خاصة. فقد شغل الفقيد مهام سفير لتونس في أهم العواصم العربية، وهي دمشق والرياض والقاهرة وطرابلس، بالإضافة إلى تعيينه قبل ذلك على رأس قنصليتي تونس العامتين في جدة وباريس.

وتقديرا لقيمة الفقيد وخبرته في القضايا العربية ومعرفته الدقيقة بالساحة الليبية، واعتبارا لمحورية الملف الليبي في أولويات الدبلوماسية التونسية، اقترحت دون تردد على الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، رحمه الله، ترشيح المرحوم صلاح الدين الجمالي في منصب مبعوث خاص لجامعة الدول العربيّة في ليبيا. وكان رد الرئيس الباجي، « لقد أحسنت الاختيار، أعرف الرجل وباشرت خبرته في ليبيا عندما كنت وزيرا أولا وفكرت مثلك في نفس الإسم بالنسبة إلى هذا المنصب ».

 وأنتم تعلمون أن هذا الترشيح حظي بإجماع الدول الأعضاء في إطار رئاسة تونس سنة 2016 للدورة 146 لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري، في اعتراف عربي واسع بإمكانيات الدبلوماسية التونسية للإسهام الفاعل في فض النزاعات على المستويين الإقليمي والدولي، وتقديرا لخبرة الفقيد صلاح الدين الجمالي وقدرته على المساهمة في حل الأزمة الليبية. وقد قدم الفقيد في هذا الصدد مبادرات ومقترحات قيمة لدعم دور الجامعة العربية في حل هذه الأزمة، بما يحفظ مصالح الشعب الليبي الشقيق ويعيد إليه الأمن والاستقرار.

 وكالعديد من الشخصيات الدولية الهامة، أشاد السيد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية في نعيه للفقيد بخصاله ودوره كممثل خاص له في ليبيا حيث أكد « التزامه بدعم الشعب الليبي والوقوف بجانبه والعمل بكل إخلاص لحلحلة الأزمة الليبية واخراج هذا البلد العزيز من حالة الصراع والانسداد السياسي التي يمر بها ».

ولم تكن المهام السامية والصعبة التي تحملها الفقيد في إدارة الملف الليبي في إطار جامعة الدول العربية، لتثنيه عن النشاط الوطني خدمة لتونس ومصالحها، سواء عبر مساهماته المقدرة في نشاط جمعية قدماء السفراء والقناصل العامين أو من خلال تقديم النصح والمشورة للدبلوماسية التونسية في معالجة عدد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية. وأتذكر في هذا الشأن آراءه المتميزة في تناول بعض القضايا العربية التي أدلى بها خلال تحضيرات الدورة الثلاثين للقمة العربية العادية، التي احتضنتها بلادنا يوم 31 مارس 2019.

شخصيا عرفت الفقيد صلاح الدين الجمالي منذ التحاقي بالوزارة سنة 1979 وهو المشهود له منذ ذلك التاريخ بالاطلاع والتخصص في قضايا العالمين العربي والإسلامي. ثم تأكدت لي سمعته المهنية الطيبة حين كُلفت بالعمل معه في خلية الأزمة التي شكلت تحت إشراف السفبر صلاح الدين عبدالله، شفاه الله، إثر اجتياح العراق للكويت سنة 1991. ليتسنى لي إثرها مزيد الاطلاع على الإمكانيات المهنية الكبيرة للفقيد سنة 2005 بصفتي رئيسا للديوان وبصفته كاتب دولة، حيث أثبت، بإجماع من نالهم شرف العمل معه، سعة اطلاع، وكفاءة مهنية استثنائية، وروحا وطنية عالية، وحرصا شديدا على تقديم الأفضل. وهي خصال انعكست بوضوح في أدائه في مختلف المناصب والمسؤوليات التي تقلّدها طيلة مسيرته في المجال الدبلوماسي.

كما وجدت، كرئيس ديوان، لدى الفقيد كل التشجيع والمساندة والنصيحة والتعامل الأخوي. ويُقر له كل من عرفه عن قرب، بمن فيهم محدثكم، بدماثة الأخلاق وطيب المعشر وروح الدعابة التي لم تكن تفارقه. واسمحوا لي أن أذكر في هذا الخصوص بعضا من حديث طريف دار بيننا سنة 2014 إثر وفاة المرحومين، أحمد بن عرفة ومحمد عمامو، رحمها الله، حين قال لي: « سي خميس، سأعتكف في داري في منزل بوزلفة ولن أعود إلى تونس العاصمة، يبدو أن ملك الموت مهتم هذه الأيام بالدبلوماسيين ».

رحم الله « سي صلاح »، فبرحيله فقدت الدبلوماسية التونسية أحد أبرز أعلامها، سخر حياته ومسيرته في خدمة هذه المهنة النبيلة ومثل بلاده خير تمثيل، هاجسه الاجتهاد في إعلاء راية تونس والدفاع عن مصالحها.

وإن كان لنا عبرة نستخلصها من توديع الأحباء ورفقاء الدرب في هذه الوزارة العريقة، فهي روح التضامن والتآزر التي تميز العائلة الدبلوماسية من خلال هذا الموكب الجليل، والذي أردنا أن نعرب فيه عن مدى محبتنا وتقديرنا للفقيد الزميل والأخ صلاح الدين الجمالي، وكذلك عن حرصنا الشديد على دعم التواصل بين الأجيال المتعاقبة من إطارات الوزارة وأعوانها، وترسيخ قيم العمل والتفاني في خدمة تونس حتى تظل الأسرة الدبلوماسية التونسية عائلة موحدة ومدرسة في المهنية والوطنية.

ختاما، أعزي مجددا عائلة الفقيد صلاح الدين الجمالي بأخلص مشاعر المواساة، وأعزي نفسي والعائلة الدبلوماسية التونسية برحيله، سائلا العلي القدير أن يتغمّده بواسع رحمته وجميل غفرانه.

و،  « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ».

                                                                        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer