ندوة « المنتدى الدبلوماسي » حول « تركيا في محيطها الإقليمي والدّولي »

ندوة « المنتدى الدبلوماسي » حول « تركيا في محيطها الإقليمي والدّولي »

0
PARTAGER

تقديم السّفير محمد لسير، رئيس المنتدى الدّبلوماسي

أريد قبل كلّ شيء أن أشكر أصالة عن نفسي وباسم المنتدى الدبلوماسي الأخ الهادي جلاب المدير العام لمؤسّسة الأرشيف الوطني الذي تكرّم باحتضان هذه النّدوة حول « تركيا في محيطها الإقليمي والدّولي » وسخر لها هذه القاعة الجميلة والتسهيلات اللوجستيّة لإنجاحها، كما أرحّب بزملائنا السّفراء والمدراء وكافة الأخوات والإخوة الذين أتوا لحضور هذه النّدوة في هذا اليوم الممطر، لهم جميعا جزيل شكرنا وامتناننا.

كما تعلمون سبق للمنتدى الدبلوماسي أن عقد ندوة بعنوان: « أي سياسة خارجيّة لتونس الغد » شاركت فيها مجموعة من الكفاءات السياسيّة والفكريّة الوطنيّة والأجنبيّة ولقاء صحفي لمزيد التعريف بأهداف المنتدى.

ندوة اليوم تندرج ضمن نفس الإطار الذي يهدف إلى توفير  أرضيّة لتبادل وجهات النّظر وإجراء النّقاشات التي تمكن الدبلوماسيين والباحثين والجامعيّين وكذلك رؤساء المؤسّسات والجمعيّات وكلّ المهتمّين بموضوع العلاقات الدّوليّة من صياغة رؤية أشمل لعلاقات تونس مع البلدان الشقيقة والصّديقة في العالم. ولعلّه من المفيد أن أذكر بأنّ الدبلوماسيات العريقة تستعين في أداء مهامّها وتستند في تحاليلها وتحديد توجّهاتها إلى بحوث المراكز والجمعيّات المتخصّصة التي يمكن أن تضطلع بدور هامّ في مساعدتها على وضع سياساتها وصوْن مصالح بلدانها واستشراف مستقبل العلاقات الدوليّة.

ندوتنا حول تركيا تأتي في ظرف دقيق وخطير تمرّ به المنطقة العربيّة ويهمّنا جميعا أن نتطرّق إلى سياسات هذا البلد الصّديق لما يمكن أن يكون لها من انعكاسات على الأوضاع في جوارنا.

نتائج الانتخابات التشريعيّة في 03 نوفمبر 2002، بتركيا كانت بمثابة الزلزال فقد فاجأ حزب سياسي (هو حزب العدالة والتنمية) تأسّس سنة فقط قبل هذه الانتخابات إثر انقسام داخل تيّار الإسلام السياسي فاجأ الجماهير التركيّة بتفوّقه على أحزاب عريقة مثل حزب الشعب الجمهوري الذي أسّسه كمال آتاتورك وتحصّل على 34% من الأصوات وهي أعلى نسبة في هذه الانتخابات.

وللذكر فإنّ القيادات التي دبّرت الانقلاب العسكري في سنة 1980 قد فرضت عتبة انتخابيّة بـ10% لمنع الأحزاب « المتطرّفة » من دخول البرلمان وضمان أغلبيّة مستقرّة في الوسط تحكم البلاد.

هذه النّسبة كان المقصود بها الأقليّة الكرديّة والإسلام السياسي لكن حسابات القيادة التركيّة من علمانيّين وقوات عسكريّة وسلك قضاء قد أفشلتها الأوضاع المتردّية لأحزاب اليمين التقليدي واليسار المعتدل التي أنهكتها الأزمة الاقتصاديّة والائتلافات العقيمة.

إضافة إلى النّسبة العالية من الأصوات التي تحصّل عليها حزب العدالة والتنمية فإنّ خصوصيّات القانون الانتخابي التركي سمحت للفائز في كلّ دائرة بأن يحصل على باقي الأصوات ممّا جعل حزب العدالة والتنمية يفوز بثلثي مقاعد البرلمان والمعارضة تنحصر في الحزب الآتاتوركي القديم.

وقد فتح هذا الانتصار الباهر آفاقا عريضة أمام الحزب الفائز تخوّل له إمكانيّة صياغة دستور جديد لتركيا يلغي مكاسب العلمانيّة وثوابتها التي عانى منها الإسلام السياسي التركي منذ نشأة الجمهوريّة التركيّة.

لكن أنصار العلمانيّة رغم الهزّة العنيفة التي سبّبها فوز حزب العدالة والتنمية، لديهم من المؤسّسات والإجراءات القضائيّة ما يكفي لطرد هؤلاء « الدّخلاء » من الحكم باللّجوء إلى المحكمة الدستوريّة أحد معاقل العلمانيّة بتهمة معاداة اللاّئكيّة  التي ينصّ عليها الدّستور.

وفعلا هنالك عدّة أمثلة على هذا التمشّي في تاريخ الدّولة التركيّة ففي سنة 1995 فاز حزب « الرفاه » الإسلامي بالانتخابات التشريعيّة بنسبة 21% من أصوات الناجحين وشكل حكومة ائتلافيّة مع Tansu ciller زعيمة حزب اليمين الليبرالي « الطريق القويم » لكنّه لم يعمّر طويلا في هذا المنصب حيث تألبت عليه القوى العلمانيّة بنخبها العسكريّة والإداريّة وكافة مؤسّساتها وتمكنت من إصدار حكم بحلّه كما فعلت في 1971 و1980 حين تمكنت من حلّ حزب النّظام الوطني وحزب الخلاص الوطني الذين أسّسهما تباعا نجم الدين أربكان، وذلك بداعي القيام بأنشطة مناهضة للعلمانيّة.

لكنّ حكم حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان فاجأ جميع الملاحظين في الدّاخل والخارج بقدرتهما على الصّمود أمام التيّار العلماني وبأخذ المبادرة على مراحل آخرها فوز أردوغان بمنصب رئيس الجمهوريّة في أوت 2014 في أوّل انتخابات رئاسيّة بالاقتراع العام. وقد تعزّز حكم أردوغان مع مرور السّنين بتسجيل نسب انتخابيّة عالية سمحت لحزبه بعدم الدّخول في ائتلافات حكوميّة. خلال هذه الفترة  الطويلة مارس أردوغان الحكم بالاعتماد على سياسة تمزج بين الهويّة الإسلاميّة والديمقراطيّة في حدودها الانتخابيّة متوخيا مسارا محافظا سياسيّا وثقافيّا يمزج بين اقتصاد السوق والقوميّة والواقعيّة السياسيّة إلى درجة أنّ البعض قارن حنكته السياسيّة وقدرته على تغيير المجتمع التركي بقدرة مصطفى كمال أتاتورك مؤسّس الجمهوريّة التركيّة العلمانيّة الحديثة لذلك أشار أردوغان نفسه وإطارات حزبه في عديد المناسبات إلى نشأة تركيا جديدة تبرز ملامحها في السّعي في المراحل الأخيرة من هذا الحكم إلى إحياء التاريخ العثماني بالرّجوع إلى القيم التقليديّة التي مثلها الإسلام وبالعمل على انصهار الأغلبيّة الاجتماعيّة في تركيا (الإسلاميّة السنيّة والناطقة بالتركيّة) في صلب الدّولة التركيّة. هذا المشروع يهدف بعبارة أوضح إلى تحويل الأغلبيّة الاجتماعيّة في تركيا إلى أغلبيّة سياسيّة دائمة تشكّل العمود الفقري لسياسة حزب العدالة والتنمية.

لكن هذا التحوّل المنشود قد لا يعتبر كافيا للخروج من بؤرة السلطويّة التي بدأت تميّز الحكم الحالي في السنوات الأخيرة والتأسيس لنظام ديمقراطي ينسجم مع النّظم الديمقراطيّة في بلدان الاتحاد الأوروبي الذي تطمح تركيا في الانضمام إليه.

من ذلك أنّ بعض المتابعين للشأن التركي يتساءلون عن الأسباب الحقيقيّة من وراء الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي فالبعض  يرى في مسار الانضمام أداة لتطوير البلاد والبعض الآخر يرى فيها أداة مثلى لتحجيم سلطة المؤسّسة العسكريّة ومنعها نهائيّا من التدخّل في شؤون الحكم طبقا لمعايير الاتحاد وقد نجح أردوغان في الحدّ من سيطرة هذه المؤسّسة على مراحل آخرها الحملة الشرسة ضدّ من اشتبه في ضلوعهم في الانقلاب الفاشل (15 جويلية 2016) وذلك بذريعة احترام المعايير الأوروبيّة. وقد يكون من المفيد التذكير بأن عسكرة السياسة عامل أساسي في منظومة الحكم في تركيا منذ نشأة الجمهوريّة التركيّة. فالدستور الذي أشرفت على صياغته الحكومة العسكريّة تحت قيادة الجنرال كنعان أفرين في بداية الثمانينات من القرن الماضي يقرّ هذا المبدأ ويثبته وتبقى المؤسّسة العسكريّة هي الوصيّة على الدستور والضامنة لتواصل النّظام العلماني  إلاّ أنّ وصول الإسلام السياسي إلى الحكم وفوز حزب العدالة والتنمية في  الانتخابات في 2002 رافقه سعي دائم إلى مراجعة بعض ثوابت سياسة أتاتورك وخياراته الثقافيّة والحضاريّة والذي بدأ محتشما في بداية حكم أردوغان لكنّه تدعّم خلال السنوات الأخيرة.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى تصريح ياشار ياكيش أوّل وزير خارجيّة لتركيا بعد انتخابات 2002 يقول فيه  » كنّا حذرين جدّا عند إعداد برنامج الحزب قبل الانتخابات حتّى لا نذكر في مرجعيّتنا ما يرمز إلى الدّين. لكنّني ألاحظ اليوم أنّ الرّموز الدّينيّة حاضرة بكثافة في مجتمعنا » [من ذلك إعادة فتح مدارس الأئمّة والخطباء وإضافة عدّة حصص دينيّة اختياريّة في البرامج التعليميّة والسّماح للفتيات بارتياد المدارس وهنّ محجبات بعد سنّ العاشرة وتنشيط دور رئاسة الشؤون الدينيّة والأئمّة في تأطير المجتمع. وتقدّم عمليّة التفريق بين الإناث والذكور في المؤسّسات التّعليميّة وتفاقم مظاهر نشاط شرطة الأخلاق خاصّة في الأوساط الطلابيّة والفضاءات الثقافيّة وقد نادى أردوغان عدّة مرّات بداية من 2012 بضرورة تكوين الشباب دينيّا لوقايته من خطر الضياع والتسكّع].

كذلك أشار دنقير مير فرات أحد المقرّبين من أردوغان وأحد مؤسّسي حزب العدالة والتنمية إلى المرحليّة في سياسة أردوغان وتوظيف الديمقراطيّة في علاقاته مع الداخل والخارج بالقول في لقاء بتاريخ 26 أكتوبر 2014 « إنّ الديمقراطيّة في مفهوم أردوغان لا تعني سوى نهاية الضغط المسلّط على المسلمين » ممّا يعني أنّ اللجوء إلى الديمقراطيّة لا يشكل خيارا سياسيّا ثابتا بقدر ما يعتبر أداة لنيل ثقة المجتمع.

ويعدّ الدّخول في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي بداية من 2005 جزءا لا يتجزّأ من خطة أردوغان لنيل ثقة الناخبين في الداخل وشركاء تركيا في الخارج وقد تمكنت حكومة حزب العدالة والتنمية من توظيف هذا المسار لإعطاء صورة مغايرة للإسلام السياسي في تركيا توحي بالانفتاح على الغرب، وبدعم الديمقراطيّة وبالتعامل باقتصاد السوق وباحترام القيم الكونيّة ومن ضمنها حقوق الإنسان، وهو ما دفع بالمستثمرين الأجانب إلى الانتصاب بتركيا وبمجموعة العشرين إلى دعوة تركيا للانضمام إليها إلى جانب بروز تركيا تدريجيّا كقطب اقتصادي وعامل استقرار في المنطقة وقد سعت تركيا في هذا المناخ الملائم إلى توسيع شبكة توزيعها الدبلوماسي وحضورها الاقتصادي والثقافي في العالم العربي وإفريقيا على وجه الخصوص. عامل الثقة هذا مهمّ جدّا بالنّسبة للقيادة الجديدة لمنع النّظام القديم من العودة إلى الحكم بأساليب الإقصاء والاعتماد على المعسكر العلماني الذي سعى في مناسبات عدّة إلى حلّ حزب العدالة والتنمية.

وإذا كان ملفّ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد وفّر للقيادة الجديدة أفقا واسعا للتعبئة الشعبيّة حتّى سنة 2008 بالاعتماد على الإصلاحات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وتحقيق نسب نموّ مرتفعة أدّت إلى الحديث عن مثال تنموي إسلامي تركي فإنّ الثقة المكتسبة وشعور القيادة التركيّة بابتعاد الخطر التقليدي واتّساع قاعدة المساندين للحزب أوعزت لمنظري الإسلام السياسي في تركيا بإعادة تموقع السياسة الخارجيّة التركيّة مع نهاية العشرية الأولى وصياغة أهداف جديدة تهمّش تدريجيّا مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتدرج البلاد في مسار جديد يعتمد عقيدة جيواستراتيجيّة تنبني على مفهوم « العثمانيّة الجديدة » وخلق فضاء إسلامي تحكمه القيم المشتركة وتكون فيه تركيا المركز المشعّ والرّيادي. هذا الخطاب الجديد بقطع النّظر عن مدى واقعيّته، يهدف إلى التحكّم في المخيال الاجتماعي والإيحاء بعظمة تركيا التي تطمح أن تكون من ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم مع حلول 2023 الذكرى المائويّة لتأسيس الجمهوريّة التركيّة وقد صرح أردوغان منذ 2011 بأنّ بلاده قد عقدت العزم على بلوغ ناتج محلّي خام يعادل 2000 مليار دولار مع حلول 2023 مقابل 750 مليار دولار سنة 2011 ودخل فردي يساوي 25000 دولار مقابل 10.000 دولار في بداية العشرية الحالية ممّا يتطلب نموّا اقتصاديا بـ10%.

كما يشير أردوغان في سياق العقيدة الجيواستراتيجيّة التي نظر لها أحمد داوود أغلو وحاول تطبيقها عندما كان وزيرا للخارجيّة من 2009 إلى 2013 وبعدها في منصب رئيس الوزراء إلى محطّات تاريخيّة تذكّر بأمجاد العثمانيّين مثل 1453 تاريخ احتلال القسطنطينيّة و1071 تاريخ انتزاع الأناضول من قبضة البيزنطيين. هذه التواريخ 2023 و2053 و2071 تدرج حزب العدالة والتنمية في مسار زمني يتمّ بمقتضاه إحياء الحضارة العثمانيّة ولا يحتلّ فيه كمال أتاتورك مؤسّس الجمهوريّة التركيّة سوى هامشا صغيرا هل نجحت هذه العقيدة الجديدة في تحقيق الأهداف التي وضعها لها منظّرو حزب العدالة والتنمية؟؟ ما نعرفه هو أنّها وتّرت العلاقات مع الجوار القريب والبعيد في العالم العربي وخارجه وابتعدت عن السّياسة الخارجيّة الحذرة عموما التي كانت تسلكها الحكومات التركيّة السّابقة المتشبّثة بإرث أتاتورك. وفي ظلّ انكسار الإرادة العربيّة واستفحال الاختلافات السياسيّة والمذهبيّة وتواتر الأزمات في العالم العربي، ارتأت قوى إقليميّة غير عربيّة من ضمنها تركيا أنّها حريّة بحكم الجوار أن تلعب دورا وازنا في تحديد مستقبل هذه المنطقة.

كذلك أدّت تفاعلات السياسة التركيّة الجديدة وزوال دور الوصيّ التاريخي الذي كانت تلعبه المؤسّسة العسكريّة  على نظام الحكم في تركيا وإعادة أسلمة المجتمع التركي ومراجعة عديد الخيارات السياسيّة التي كانت من البديهيّات في تاريخ الجمهوريّة التركيّة كلّ ذلك أدّى إلى بروز « تركيا جديدة » تطمح إلى الاستقلاليّة في القرار وإلى عقد تحالفات غير تقليديّة هي الآن محطّ أنظار الدّارسين.

السبت 21 جانفي 2017

 

                                                                                            

 

 

 

 

 

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire