بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

و إذ بُعثت الوزارة من عدم، فقد تعيّن على الدولة الفتيّة أوّلا أن تعطي الإسم، فكان وزارة الشؤون الخارجية، و تهيّئ المقرّ، فكان بدار الباي بالقصبة إلى جانب مقرّ رئاسة الحكومة، و تعمل على تأثيثه، و تنتدب الموظفين، و تبتكر أسلوب العمل، و تضبط الصلاحيات، و توفّر الإمكانيات المادية و البشرية و المعنوية، أي تقِيم المؤسّسة بمركزها في الداخل و فروعها في الخارج.

الإنتدابات بوزارة الشؤون الخارجية:
بعد الفوج الأوّل من الموظّفين الذي تكوّن أساسا من ناشطين دستوريين في الأسابيع أو الأشهر الأولى لبدايات الوزارة سنة 1956، أصبح الإنتداب يتمّ بصفة فردية، حسب الطلب و حسب الشغورات، و باعتبار الحالة المدنية و المستوى الدراسي لطالبي الإلتحاق، بدون اعتبار الإنتساب الحزبي أو عدمه، خلافا لما يظنّ البعض، و دون تنظيم مناظرات، لقلّة الترشّحات و قلّة الإقبال على العمل الدبلوماسي، و رغم حاجة الوزارة و توفّر الشغورات فيها، و ذلك خاصة بسبب محدودية عدد خرّيجي الجامعات إذاك، و قد كانت أيضا تستهويهم توجّهات أخرى.
و من ذلك أنّي لا أذكر أنّ الوزارة انتدبت غيري، من خرّيجي التعليم العالي، في سنة 1958.
هيكلة الوزارة كما وجدتها سنة 1958:
و إذ تجاوزت الوزارة عند التحاقي بها السنتين من عمرها، فإن هيكلتها لا تزال إذّاك بسيطة و محدودة الحجم، كما ضبطها خميّس الحجري، الكاتب العام، الذي قام بالمهمّة التي كُلّف بها على أحسن وجه، بكفاءة و حزم. و هو لم يسع، لا هو و لا الوزير، إلى تضخيم جهاز الوزارة فوق الحاجة و فوق طاقة البلاد . (و لكنّ القدر لم يمهل السيد خميّس الحجري طويلا. فخلال زيارة تفقّدية للحدود التونسية الجزائرية في 31 ماي 1957 كلّف بالقيام بها في منطقة عين دراهم، صحبة السيد الباجي قائد السبسي، من ديوان وزير الداخلية، أصيب برصاص الجيش الفرنسي من الحدود الجزائرية، في اعتداء مركّز خلّف أيضا أربعة شهداء من الجنود التونسيين و ثلاثة من الحرس الوطني. و قد أكّد بورقيبة في تأبينه للضحايا في 1 جوان 1957 « تصميم تونس على خوض معركة الجلاء ». وبقي خميّس الحجري في غيبوبة تحت العلاج مدة شهرين ونصف إلى أن تُوُفّي في 14 أوت متأثّرا بجروحه. فكان أوّل شهداء الوطن من أبناء الخارجية.
وبقيت خطة الكاتب العامّ شاغرة إلى أواخر سنة 1958 عندما عُيّن فيها السيد الطيب السحباني على إثر القطيعة بين تونس ومصر وغلْق السفارة التي كان يشرف عليها بالقاهرة (و السفارة المصرية بتونس)، و بعد تعيين رئيس ديوان الوزير الذي كان، في الواقع، يقوم أيضا بمهامّ الكتابة العامّة، نجيب البوزيري، سفيرا بروما).
و إلى جانب كاتب الدولة (الوزير)، الدّكتور الصادق المقدّم (الذي عُيّن في هذا المنصب في 29 جويلية 1957، إثر إعلان الجمهورية، و قد كان قبل ذلك سفيرا بالقاهرة منذ جوان 1956. و يحق اعتباره باني أسس الخارجية إذ سهر على ترتيب عملها و توجيه نشاطاتها في الداخل و الخارج إلى سنة 1962، و قد بلغت الرشد و أكثر )، كانت الخطط الرئيسية في الوزارة، بقطع النظر عن شغور خطّة كاتب عام للوزارة منذ أكثر من سنة، تنحصر في:
– رئاسة الديوان (السيد نجيب البوزيري، الذي كان يشغل هذه الخطة منذ أفريل 1957 مع الوزير بورقيبة و واصلها مع الدّكتور المقدّم)،
– وبعض الدوائر السياسية: – دائرة أميركا والأمم المتحدة والمنظّمات الدولية ( يرأسها حسين الغويّل، بالنيابة عن زهير الشلّي الذي كلّف برئاسة ديوان كاتب الدولة للإعلام، مصطفى الفيلالي، ثم عاد إلى رئاسة الدائرة في بداية سنة 1959، و التي أُلحِقتُ بها، خلفا للسيد حامد عمّار، الذي نُقل إلى وكالة كتابة الدولة للتخطيط )، – و دائرة أوروبا: (رضا القليبي)، – و دائرة إفريقيا و المشرق: ( سليم بن غازي ، ومعه عبد السلام بوقطفة.) و ممّا يذكر بخصوص سي سليم، أنه تمّ سنة 1958 عقد اتفاق تعاون مع الشقيقة ليبيا و كان يحمل توقيع « سليم بنغازي » عن الجانب التونسي و توقيع « السفير سليمان الجربي » عن الجانب الليبي ، و في ذلك دلالة على مدى القرابة بين الشعب التونسي و الشعب الليبي (و قد عُيّن سليمان الجربي، بعد سفارته بتونس، وزيرا لخارجية المملكة الليبية سنة 1961، و في ذلك دلالة على أهمية تونس بالنسبة إلى ليبيا )،
– و عدد من الأقسام و المكاتب: مستشار قانوني:(مصطفى عبد السلام)، – وقسم تجاري: (علي بنّور)، – وآخر ثقافي: (ابراهيم التركي وعبد الرزاق شطّا)، – وثالث: قنصلي (المحامي المرزوقي و محمد الهيلة)، و مكلّف بالصحافة (صالح الأدغم) – والقسم المركزي للشؤون الإدارية والمالية: (محمد البودالي ويساعده في الشؤون المالية عبد الحي بن طاهر، و في الشؤون الإدارية أحمد بن براهيم)، – وقسم التشريفات (حمادي البحري، ثم عبد العزيز المهيري)، – و الإتصالات (تلكس وشفرة : محمد التميمي)، – ومكتب ضبط وحقيبة: (علي بلقاضي)، – ومكتبة يشرف عليها محمود بو علي. ( و لم يكن بالوزارة بعدُ خطّة مدير أو كاهية مدير. و لن يتمّ اعتماد الخطّتين إلاّ سنة 1960). وتشتمل كل دائرة أو مصلحة على موظّفَيْن اثنين أو ثلاثة موظّفين على أقصى تقدير، بالإضافة إلى رئيس الدائرة أو القسم (مثلما هو الشأن بالنسبة إلى السفارات، باستثناء باريس و واشنطن- نيويورك)، وكذلك كاتبة أو اثنتين في بعض الحالات، وحاجب: كان ذلك هو كلّ جهاز الوزارة في الإدارة المركزية في ذلك الحين.
و لا أظنّ أنّ الوزارة بلغت، حتى في سنتها الثالثة، الحجم الذي منحها إياه الأمر المؤرخ في 21 جوان 1956، أي: في الداخل: 58 موظفا دبلوماسيا و إداريا، و 8 موظفين فنّيين، و 2 عملة، و بالخارج، أي بالسفارات و القنصليات: 25 موظفا دبلوماسيا، و 27 موظفا إداريا، و34 منتدبا محلّيا.
وقد لقيت بعض السفارات صعوبة في إدارة شؤونها المالية لعدم توفّر ما يكفي من المحاسبين لدى الوزارة.
و جاء في تقرير اللجنة المالية للمجلس التأسيسي عند مناقشة ميزانية الوزارة في ماي من سنة 1957 أن الحكومة أفادت بأن السفراء بالقاهرة، و باريس، و واشنطن يتقاضون جرايات وزير، و يتقاضى بقية السفراء جرايات على أساس رتبة 630، و يتمتع جميع السفراء بمنحة تمثيل بستمائة ألف فرنك بالنسبة للقاهرة و باريس و لندن و أربعمائة ألف فرنك للآخرين. كما تمّ ضبط الرتَب الدبلوماسية: و هي مستشار (من 525 إلى 630) و سكرتير (350 إلى 500) و ملحق دبلوماسي (من 225 إلى 360). و تتضاعف الجرايات في الخارج مرّتين أو ثلاث، حسب المنطقة، بينما كانت الجرايات في الإدارة المركزية في حدود 56 ألف فرنك بالنسبة إلى السكرتير و 44 بالنسبة إلى الملحق.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer