بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

و لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عددا من الأعوان الدبلوماسيين هم خرّيجو الجامعات، و لكن لا أحد منهم تخرّج من معهد دبلوماسي أو أكاديمية دبلوماسية و لا باشر تربّصا أو تدريبا أو تلقّى درسا في العمل الدبلوماسي و قواعده و تقاليده، باستثناء اثنين أو ثلاثة تلقّوا تدريبا لمدة أشهر لدى الأمم المتحدة. فكانت عدّة الجميع الحماس و إرادة امتلاك أسباب التفوق في المهنة بفضل الجهد الذاتي و ما تيسّر من اجتهادات كبار مسؤولي الوزارة لتأطيرهم و توجيههم (رغم أن كبار مسؤولي الوزارة لم تحصل لهم بعد خبرة دبلوماسية كبيرة) . فكانوا جميعا دبلوماسيين عصاميين، إن صحّ التعبير. وأنا منهم.
و من ذلك « نادرة الحقيبة الدبلوماسية »:فعندما عُيّن الحبيب بورقيبة الإبن في واشنطن و كان عند وصوله قائما بالأعمال، نظرا لغياب السفير المنجي سليم، قام بزيارة لـ « كوف دي مورفيل »، سفير فرنسا بواشنطن و طلب منه الإذن لمصالحه بإحالة ما لديها من ملفات التونسيين المقيمين بأميركا إلى السفارة التونسية الجديدة. فاستجاب السفير لطلبه. و في آخر اللقاء تحدّث مع السفير الفرنسي عن بدايات العمل الدبلوماسي التونسي و اعترف أنه هو نفسه مبتدئ و أنه مثلا لم ير قطّ حقيبة دبلوماسية و لا يدري كيف شكلها. فاستجاب السفير لرغبته المبطّنة و أطلعه على حقيبة دبلوماسية فرنسية. فاكتشف إذّاك فقط أنها ليست في الحقيقة حقيبة بل هي كيس.
و كانت فرنسا عرضت استقبال عدد من صغار الدبلوماسيين التونسيين لتربّص بسنتين، ثم تراجعت عن عرضها، خلافا لما فعلت مع المغرب ثم مع الجزائر.
أمّا جهاز الوزارة في الخارج، أي تمثيل تونس بالخارج ، فقد أصبح يشتمل على سفارات بالرباط، وطرابلس، والقاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، و جدّة، وكذلك سفارات بباريس، و واشنطن- نيويورك، ومدريد، وروما، وبون، ولندن، وثلاث قنصليات أو قنصليات عامّة بباريس و مرسيليا و نيويورك.
و يحقّ اعتبار المشرفين على دواليب الإدارة المركزية المذكورين و العاملين معهم ورؤساء البعثات بالخارج و مساعديهم إذاك، الرّعيل الأول من المؤسّسين المناضلين، نظرا لجسامة التحديات و المسؤولية و محدودية الإمكانيات البشرية و المادية.
و كانت الدول الكبرى الغربية عامّة و الأوروبية خاصة، من جانبها، قد فتحت سفارات مقيمة بتونس أو اعتمدت سفارات مقيمة في عواصم أخرى، و كذلك فعلت بعض الدول العربية و الآسيوية.
و كانت أميركا أوّل دولة أجنبية تعترف باستقلال تونس، رغم اعتراض فرنسا التي طلبت من الدول الغربية و أصدقاء لها آخرين عدم الاعتراف باستقلال تونس قبل مصادقة البرلمان الفرنسي على اتفاقية 20 مارس 1956، و ذلك لمواصلة الضغط على تونس. أما القنصل الإنكليزي فقد سلّم مذكّرة تخصّ تبادل البعثات القنصلية فرُفض عرضه و قيل له إن تونس لا تنتظر من بريطانيا التبادل القنصلي بل هي تنتظر اعترافا كاملا بالاستقلال و السيادة و تبادلا للسفراء، فإذا به يسحب مذكّرته و يخرج مذكّرة أخرى من محفظته تتضمّن الاعتراف الكامل باستقلال تونس.
و بخصوص تسلّم الرئيس بورقيبة، بعد إعلان الجمهورية، لأوراق اعتماد السفراء الأجانب، أوردت الصحافة التونسية مثلا في 6 مارس 1958 أنّ « الوزير المفوّض اليوغسلافي »توبالوفسكي » قدّم أوراق اعتماده و ألقى بالمناسبة كلمة بالفرنسية نقلها إلى العربية مدير التشريفات بن مصطفى، و أجابه الرئيس بكلمة بالعربية نقلها مدير التشريفات إلى الفرنسية ».
و انعقدت أوّل ندوة لسفراء تونس يوم 24 جويلية 1957، برئاسة الوزير بورقيبة، و قد تكون نظرت فيما قد يترتّب، خارجيا، عن الحدث الذي كان سيأتي به اليوم الموالي، 25 جويلية، أي إلغاء النظام الملكي و إعلان الجمهورية.
السياسة الخارجية لتونس المستقلّة عنوان أصالة الشعب التونسي:
إن كانت الوزارة وُلِدت من عدم في الرابع عشر من شهر أفريل 1956، فإن سياسة تونس الخارجية لم تأت في ذلك التاريخ من عدم:
فتونس وريثة أمجاد قرطاج و القيروان و المهدية و تونس، عبر تاريخ طويل. عرفت المجد و العزة و الإزدهار، و عرفت فترات أخرى من الضعف و الجمود و التخلف. أشعّت طويلا و مرارا على المتوسط و المشرق، كما وقعت، في حقب مريرة، فريسة الإحتلال الأجنبي و التبعية و الإستعمار.
لكنّها لم ترض قطّ بالمصير المهين و لا استكانت للهيمنة الأجنبية أو التبعية للغير، بل صارعت و قاومت و كافحت و عرفت دوما كيف تشق طريقها من جديد نحو النصر و التحرر و التقدم.
تاريخها عريق، يمتد على ثلاثة آلاف سنة من العمران و الحضارة، من عهد قرطاج عبر مختلف محطاته، إلى الفتح الإسلامي و تأسيس القيروان عاصمة الدولة الأغلبية، و انتقال الحكم إلى المهدية في عهد الدولة الفاطمية و امتداده إلى مصر و المشرق، و بروز تونس عاصمة للبلاد في عهد الدولة الحفصية ثم الدولة الحسينية، إلى انتصاب الحماية الفرنسية، ثم التحرر و الإستقلال و تشييد الدولة العصرية.
و بحكم موقعها و خاصة انفتاحها على المتوسط و تاريخها الغني و هوية شعبها المتميزة، كلّ ذلك جعلها عبر مختلف العصور متنوعة العلاقات مع الخارج أخذا و عطاء مع محيطها و ما يحمل البحر و ما وراء الصحراء.
و قد أنشأت في التاريخ الحديث، سنة 1860، « وزارة للأمور الخارجية » و عيّنت لها وزيرا و مارست سياسة خاصة لعلاقاتها و مبادلاتها الخارجية حتى انتصاب الحماية.
أما فترة الكفاح التحريري، فقد شهدت بوادر سياسة خارجية نشيطة قادها الحزب الحر الدستوري لكسب الدعم و التضامن على أوسع نطاق لكفاح شعبها من أجل الإستقلال و الحرية و أطلقت حملات كبيرة للإتصال بالحكومات و البرلمانات و منظمات المجتمع المدني و وسائل الإعلام شرقا و غربا، بل أقامت مكاتب قارة في عديد العواصم كان يشرف عليها جلولي فارس في باريس، و الباهي الأدغم في نيويورك، و الطيب سليم في نيودلهي، و الرشيد إدريس في كراتشي بباكستان، و الطاهر عميرة في جاكرتا بأندونوسيا. و كانت تلك المكاتب تعمل بتنسيق و تشاور فيما بينها و مع قيادة الحزب في تونس و في القاهرة باعتبارها تمثيليات لحركة التحرير التونسية.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer