بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

فجاءت سياسة تونس الخارجية في عهد الإستقلال امتدادا لكل ذلك الإرث الناصع العريض و لكفاح الشعب التونسي من أجل التحرر و الإستقلال و استلهاما لمراجع تونس الحضارية العريقة و قِيَمها، في ضوء مصالحها الوطنية. فأصبح ما حققته من تألق عنوان أصالة الشعب التونسي و عراقة تميُّزه و حكمة قيادته و مهنيّة دبلوماسيته الوطنية و مصداقيتها.
بعض المعطيات عن تونس عند الإستقلال:
كان شعبُ الإستقلال شعبا مسيّسا، طموحا، فخورا بكفاحه وبطولته و معتزّا بانتصاره على الإستعمار، بفضل نضاله و تضحياته، و حكمة قيادته. و كان ينتظر الكثير من الإستقلال و التحررّ. و لكن التحديات التي تواجهها الدولة الفتية كانت جسيمة.
فحسب بورقيبة في إحدى مسامراته الإذاعية الأسبوعية، خلال حملة وطنية نُظّمت لمعالجة مشكلة البطالة المستفحلة في بداية سنة 1958، (مثلما هو الشأن اليوم، بعد الثورة، مع اختلاف الأوضاع عامّة)، « ففي تونس التي تعدّ 3,5 ملايين ساكن، يوجد 400 ألف عاطل، يضاف إليهم كلّ سنة 20 ألف شاب يطلبون العمل، في حين أنّ الدخل الفردي للعامل، إن وجد عملا، لا يتجاوز 20 ألف فرنك ».
( و لا شكّ أنه ليس من بين الأربعمائة ألف عاطل من يكون حاملا لشهادة، إذ كانت البلاد إذاك في حاجة لكل حاملي الشهادات، و عددهم قليل. فنسبة التعليم كانت عند الإستقلال لا تتجاوز 12 %).
– و لم تكن تتوفّر في البلاد رؤوس أموال و لا إطارات و لا خبرة إدارية
– و على رأس الدولة « باي » غير مطمَئنّ على مصير عرشه
– و البلاد تتعرّض لفتنة داخلية يدعم أحدَ طرفيها النظام المصري
– و المستعمر لا تزال قواته العسكرية متمركزة في عديد القواعد في عرض البلاد من شمالها إلى جنوبها، و بعض قواه السياسية في تونس نفسها و في فرنسا ما زالت غير مسلّمة بالإستقلال لا الداخلي و لا الكامل، و تعمل على إبطال ما أبرم من اتفاقات
– و كذلك ما زال المستعمر جارا مباشرا مسيطرا على الحدود بين تونس و الجزائر التي تدور فيها حرب « لا تبقي و لا تذر » ضدّ الشعب الجزائري
– أحسن الأراضي الفلاحية في أيدي المعمّرين الأجانب
– البلاد لا تملك جيشا و لا جهازا أمنيا
– أجهزة البلاد في كلّ المجالات و القطاعات في أيدي الفرنسيين: القضاء و التعليم و الأمن و البريد و الأشغال العامة و الإذاعة و كامل الإدارة المالية و الديوانة و الموانئ: كُلّها بأيدي الفرنسيين و تستوجب تخليصَها و تَونَسَتَها
– إقتصاد البلاد كان اقتصادا بدائيا متخلّفا. و كانت فرنسا تقدم لتونس بعض المساعدات المالية و الفنية، و لكنّها سرعان ما توقّفت عن ذلك إثر اندلاع أزمة الإعتداء على ساقية سيدي يوسف، بينما سارعت فرنسا بعد ذلك بأسبوع أو عشرة أيام بتقديم مساعدة بِستّة مليارات و ثلاثة ملايين فرنك للمغرب، تشفّيا من تونس، من دون شكّ. و في نفس شهر فيفري بدأت الإعانة الأميركية لتونس.
– و كانت تونس أبرمت قبل ذلك اتفاق « وُحدة قمركية » مع فرنسا تبيّن أنّها مكّنت فرنسا من تصريف منتجاتها و سلعها في تونس بدون قيد و بلا نفع مقابل لتونس، فتقرّر إلغاؤها.
– تونس المستقلة تقع بين ليبيا التي مُنحت استقلالها سنة 1951، بمشاكلها و ظروفها الصعبة الخاصة، و الجزائر التي تحوّلت إلى ساحة حرب ضروس منذ 1 نوفمبر 1954
– و قد أصبحت تونس مأوى و قاعدة خلفية لجيش التحرير الجزائري و مقرّ قيادته ثم مقرّا أيضا للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية منذ تكوينها في 19 سبتمبر 1958، مع توافد الآلاف من اللاجئين الجزائريين، ممّا عرّض البلاد للعدوان الفرنسي المتواصل انطلاقا من الجزائر، و أذكى المناوشات من قبل القوى الفرنسية التي لا تزال قواعدها منتشرة في البلاد .

من أحداث سنة 1958 وتحدّياتها:
لقد كانت سنة 1958 (التي عشت نصفها الثاني ضمن العائلة الدبلوماسية في الإدارة الركزية و إلى أن عُيّنت للعمل بالخارج في مارس 1959) مليئة، بل مزدحمة بالأحداث والتطورات بالنسبة إلى تونس، الدولة الفتية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، كما كانت سنة أزمات وتوتّر على الساحة الدولية عامة.
فالإستقلال حديث العهد لم يمض على إعلانه إلا سنة وبعض السنة في بداية 1958،ولم يستكمل بعدُ حتى مقوّماته الأساسية. والنظام الجمهوري عمره خمسة أشهر وبعض أيام. ولم تتغلب البلاد على الفتنة الداخلية، ( اليوسفية)، التي كادت أن تقضي على آمالها، إلا لتواصل الصراع مع انعكاسات الحرب في الجزائر التي قد دخلت سنتها الرابعة و تفاقمت أخطارها على أمن تونس وسلامتها وسيادتها.
وفي سنة 1958، و بعد أن أعلن الجمهورية في جويلية 1957 و صادق على ميزانية الدولة، واصل المجلس التأسيسي إعداد الدستور، في حين كان النظام الفتيّ يسعى لرفع تحديات بناء الدولة وتركيز مؤسّساتها وضبط سياساتها واختياراتها في مختلف مجالات الحياة الوطنية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ويعمل على تحصين البلاد واستكمال مقوّمات استقلالها وإقامة العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة واحتلال مكانة مرموقة على الساحة الدولية والبحث عن سبل دعم المبادلات وإمكانيات التعاون من أجل التنمية.
و يمكن القول أنّ 1958 هي السنة التي بدأت تبرز فيها وتتحدّد، بصفة باهرة، ملامح سياسة تونس الخارجية واختياراتها ومبادئها وأسلوبها الخاص و قدرتها على مجابهة التحديات و تفاني دبلوماسيتها الفتية و التزامها الوطني و نجاحها في حشد دعم الرأي العام الدولي لتونس عند الحاجة.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer