بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف:
فسنة 1958هي سنة أحداث ساقية سيدي يوسف الخطيرة في الثامن من فيفري، عندما هاجمت المدينةَ 20 طائرة حربية فرنسية قادمة من الجزائر و أمطرتها قنابل دمّرت ثلاثة أرباعها و خلّفت ما يزيد عن المائة قتيل كان من بينهم عدد من تلاميذ مدرسة المدينة، بدعوى حقّ تتبع عناصر الجيش الجزائري الذين يخترقون الحدود للقيام بأعمال تخريبية و قتالية داخل الجزائر، حسب زعمها. و قد مثّل ذلك العدوان صدمة وامتحانا كبيرا للشعب التونسي و للدبلوماسية التونسية و تحدّيا إجراميا للدولة الفتية التي لا تزال تتحسّس أولى خطواتها على درب الإستقلال و السيادة وهي تشكو الحاجة في كل مجالات الحياة و مقوّمات دولةٍ ، و تتعرّض لمخاطر فتنة داخلية و عدوان خارجي متواصل، و ترتّب عنها ما يعرف « بالمساعي الحميدة » الأميركية – البريطانية في إطار الشكوى التي تقدّمت بها تونس إلى مجلس الأمن، الذي كان يتركّب من كندا، كولومبيا، العراق، اليابان، باناما،السويد، بالإضافة إلى الخمسة أعضاء القارّين.
و لمجابهة تبعات العدوان الفرنسي على الساقية، تمّت تعبئة كل أجهزة الدبلوماسية التونسية، مركزيا و خارجيا في جميع السفارات التونسية، مع دور خاص و متقدم في نيويورك لمندوب تونس الدائم لدى الأمم المتحدة و سفيرها بواشنطن المنجي سليم و فريقه، و تعبئة شعبية عارمة، و حملة إعلامية واسعة في الداخل و الخارج، و سُجّلت في هذا المجال مقالات شهيرة تندّد بالعدوان الفرنسي و بسياسة فرنسا الإستعمارية مثلا في صحيفتي « النيويورك تايمز » و « الهيرالد تريبيون »، و كذلك تمّ استنفار الأصدقاء في مختلف أنحاء العالم لدعم تونس و مساندة موقفها .
و قد أُلغِيت الإحتفالات السنوية بعيد الجمهورية في 20 مارس 1958.
و كان من نتائج المعركة الدبلوماسية و السياسية و الإعلامية التي قامت بها تونس و التي مثّلت صفحة مجيدة في مجابهة العدوان و في الدفاع عن كرامة تونس و مناعتها: ثبات حكمة احتمائها بمِظلّة الأمم المتحدة و بميثاقها، و أن تمكّنت من التصدي بنجاح لدعوى فرنسا في حقّها في التتبّع، و من كسب دعمٍ و تضامنٍ جماعي على الساحة الدولية، ممّا عزّز مكانتها و إشعاعها، و تأكيدِ حماية القانون الدولي و الشرعية الدولية لسيادة تونس و حرمة ترابها، و تأكيدٍ لشرعية إيوائها للجزائريين (و هي سابقة بالنسبة إلى إيواء القيادة الفلسطينية)، و بدايةِ المساعدات الأميركية، و قبولِ أميركا بتسليح تونس مباشرة أو عن طريق دول صديقة أخرى (إنكلترا، و يوغسلافيا، و ألمانيا…)، و إعلانٍ أمميٍّ لحقّ تونس في طلب الجلاء العسكري عن ترابها، و تكريسِ انتماء تونس إلى ما كان يسمّى « العالم الحرّ » (أي الغرب و حلفاؤه)، و تحقيقِ كسب سياسي و دبلوماسي للقضية الجزائرية و للتضامن المغاربي له ما بعده (في عقد ندوة أحزاب التحرير المغاربية الثلاثة في طنجة في 27 من شهر أفريل)، و انتخاب تونس عضوا بمجلس الأمن الدولي في دورة خريف 1958 للجمعية العامة للأمم المتحدة، و مجيئ ديقول للحكم، و سقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة التي خلَفَتها الجمهورية الخامسة.
و تمّ حصول اتفاق بين تونس وفرنسا حول الجلاء عن كامل تراب الجمهورية باستثناء بنزرت التي يدخل البلدان (حسب ما توصّلت إليه « المساعي الحميدة » و ما أُقِرّ في مجلس الأمن) في مفاوضات بشأنها بعد أن يتمّ الجلاء عن بقية التراب التونسي.
(و يُذكر أنه، في جويلية 1961 إثر معركة بنزرت، و في لقاء ساده بعض التوتّر بين الحبيب بورقيبة الإبن و الرئيس الأميركي جون كينيدي حول طلب تونس عقد دورة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص العدوان الفرنسي على بنزرت، و ممانعة أميركا و بعض أتباعها في ذلك، توجّه الرئيس الأميركي لسفير تونس قائلا :  » لقد أسقطتم الجمهورية الرابعة على إثر الساقية؟ فهل أنتم تريدون اليوم إسقاط الجمهورية الخامسة بسبب بنزرت ? » وقد تراجعت أميركا و أتباعها بعد ذلك عن الإعتراض على الطلب التونسي.)
و قد أعلن ملك المغرب محمد الخامس « تبنّيه » للساقية و قدّم خمسة عشر مليون فرنك، مساهمة في إعادة إعمارها.
و قدّمت أميركا مساعدة لمنكوبي الساقية بـ 80 ألف دولار. و تعالت الأصوات في البرلمان الفرنسي كما انبرت الأقلام في الإعلام الفرنسيين تندّد بموقف أميركا من مسألة الساقية الذي اعتبرته منحازا لتونس و معاديا لفرنسا، و خاصة أن صحيفة أميركية أوردت أن واشنطن أصبحت تؤيّد إجراء مفاوضات بين قيادة الشعب الجزائري و فرنسا، بعد مماطلة فرنسا في القبول بالمساعي الحميدة الأميركية – البريطانية. بل تمّ تفجير قنبلة في قنصلية أميركا بالجزائر.
و حق التّتبّع المذكور ادّعته فرنسا في عدوانها المتواصل على تونس، بما في ذلك بخصوص الإعتداء على الساقية، و ادّعته إسرائيل في عملية حمّام الشط و ساندها في الأول الرئيس الأميركي » ريقن » عندما صرّح بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ثمّ تراجع عند التصويت في مجلس الأمن إذ لم تلجأ أميركا إلى استخدام الفيتو و قرّرت الإحتفاظ بصوتها. و ادّعته اسرائيل أيضا بصورة غير مباشرة عندما أوعزت إلى بعض أعضاء مجلس الأمن (بمساندة فرنسية، إلى حدٍّ ما) بمحاولة استبعاد لفظة اعتداء ( agression) من مشروع قرار المجلس حول عملية اغتيال أبو جهاد في قمرت بتونس في أفريل 1988. و قد نجحت تونس في كلّ مرّة من منع فرنسا و إسرائيل من الحصول على إثبات هذا الحق الذي لا يقرّه القانون الدولي. و لفظة « اعتداء » مثبتة في قراري مجلس الأمن حول حمّام الشط و اغتيال أبو جهاد. و قد احتفظت الولايات المتحدة للمرة الثانية و الأخيرة بصوتها بخصوص قرار يتضمن إدانة لإسرائيل. و موقف أميركا من الأحداث الثلاثة معروف، و لم يتكّرر في مجلس الأمن مع غير تونس. و معلوم أن القوى العظمى اليوم هي نفسها لا تتردّد في ممارسة ذلك الحق المزعوم.
( و من هامشيات الحدث، دون الخوض في ملابساته وظروفه و أطوار مجابهته، و إذ إنّ تونس طالبت بالجلاء التام عن كامل ترابها فإنّ وكالة « فرانس براس » نقلت في 26 فيفري أنّ السفير السوفييتي في باريس قام بزيارة للجنرال ديقول (و ذلك قبل عودته للحكم) أعلمه خلالها أنّ الإتحاد السوفييتي يرغب في بقاء فرنسا بقاعدة بنزرت. ( و هو ما كان قاله لوزير الخارجية الفرنسي « بينو » في 15 فيفري). .
مؤتمر طنجة:
و سنة 1958 هي سنة عقد مؤتمر أحزاب التحرير المغاربية في شهر أفريل في طنجة بالمغرب:
فعلى إثر أحداث ساقية سيدي يوسف (فيفري 1958) و تداعياتها في تونس و المغرب، و بالنسبة إلى حرب الجزائر و كذلك في فرنسا و في العالم، و بعد إقامة وحدة بين مصر و سوريا (الجمهورية العربية المتحدة)، و وحدة أخرى بين الأردن و العراق في فيفري 1958، و تداركا لتوقّف مسعى الوحدة المغاربي بعد النكسة التي أصيب بها بسبب اختطاف طائرة بن بلّة ورفاقه من طرف الفرنسيين في أكتوبر 1956، عندما كانت تجتاز الأجواء الجزائرية، قادمة من المغرب في طريقها إلى تونس، حيث كان من المنتظر عقد قمّة مغاربية بين قادة تونس و المغرب و الثورة الجزائرية، توجّهت الأطراف المغاربية الثلاثة إلى السعي لتحقيق مرحلة متقدمة من التضامن و التنسيق و توحيد الصفّ لحماية الثورة الجزائرية و دعمها، و لتأمين استقلال تونس و المغرب الذي لا يزال هشّا و الغير مكتمل و تعزيز سيادتهما. فكانت ندوة « طنجة » بالمغرب لأحزاب الكفاح التحريري و الإستقلال الثلاثة (الحزب الحرّ الدستوري التونسي، و حزب الإستقلال المغربي، و جبهة التحرير الوطني الجزائرية) في أفريل 1958.
و تركّب الوفد التونسي لمؤتمر طنجة من: الباهي الأدغم، و الطيب المهيري، و عبد الله فرحات، و عبد المجيد شاكر، و أحمد التليلي، و علي البلهوان.
و قد جاء في تعليق جريدة الحزب الحرّ الدستوري التونسي « العمل » على إعلان الوحدة بين مصر و سوريا في 1 فيفري، مع « تهانيها و أطيب تمنياتها » تأكيدُها أنّ : « الوحدة بالنسبة إلى تونس إنما تأتي عن طريق وحدة المغرب العربي الكبير أو لا تكون ».

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer