بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

تونس و الجامعة العربية:
.و هي كذلك سنة دخول تونس الجامعة العربية و تعليق مشاركتها فيها في نفس اليوم، ثمّ القطيعة مع مصر و غلق سفارتي البلدين في أكتوبر، بسبب الأزمة مع مصر و مع الجامعة إثر كلمة مندوب تونس في جلسة الجامعة، الحبيب الشطّي، سفير تونس بلبنان، و التي قال فيها إنه لا يحق للجامعة أن تأتمر بأوامر عضو واحد، و « أنها مطالبة باجتناب وقوع أحد أعضائها في حب الهيمنة و الاستبداد بالرأي ». و شعرت مصر بأنها العضو المعنيّ بذلك القول.

و في الحقيقة، فإن الانخراط في جامعة الدول العربية لم يكن من أولويات تونس المستقلة، بسبب سابق فشلها في القضية الفلسطينية و كذلك بسبب موقفها و موقف مصر من الخلاف بين بورقيبة و صالح بن يوسف. و من ناحية أخرى، كانت تشقّها انقسامات خاصة بين مصر و كلّ من العراق، و السعودية و الأردن و أصبحت خاضعة لهيمنة مصر على دواليبها و على توجهاتها عامّة. و عندما خفّت حدّة الإنقسامات بعد قيام الثورة في العراق، طلبت جهات عربية مختلفة و خاصة العراق من تونس التفكير في الإنضمام إلى الجامعة. و في سبتمبر عُقد اجتماع للديوان السياسي للحزب بهذا الخصوص، تلاه اجتماع لمجلس كُتّاب الدولة قرّر الانضمام إلى الجامعة. و كان الوفد التونسي للجامعة يتركّب من الحبيب الشطيّ، السفير بلبنان، و سليم بن غازي من الإدارة المركزية و صلاح الدين عبد الله، السكرتير بالسفارة بالقاهرة.
و قد كان الطيب السحباني، السفير بالقاهرة، كُلّف بإعداد الكلمة التي سيلقيها الحبيب الشطي في جلسة خاصة بانضمام تونس للجامعة العربية، و قد عاد لتونس لذلك الغرض، و أعدّ المسودّة الأولى و عرضها على كاتب الدولة (الوزير) الذي رفعها إلى رئيس الجمهورية.
حول الأحداث في المشرق وتمسّك تونس بالفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة:
وشهدت سنة 1958 قيام الوحدة بين مصر وسوريا (1 فيفري)، قابلتها وحدة بين العراق والأردن، والحرب الأهلية في لبنان ونزول الأسطول الأميركي السادس في لبنان (بورقيبة في خطاب بمناسبة عيد الجمهورية: « نزول الأسطول الأميركي ليس احتلالا لأنه تمّ بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية » أي على أساس الفصل 51 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة. وقد رجا إذاك « داق همرشولد »، الأمين العام للمنظمة من المنجي سليم قطع إجازته الصيفية في تونس و العودة إلى نيويورك لمساعدته بخصوص هذه القضية. و قد كان للمنجي سليم دور كبير في حلّ مشكل إقامة الأسطول الأميركي في لبنان و مغادرته له، في الجمعية العامة من خلال مشاورات مع مختلف الأطراف المعنية و الفاعلة و التوصل إلى مشروع قرار ارتضته كل الأطراف)، ونزول قوات بريطانية بالأردن وليبيا، خاصة على إثر الإنقلاب العسكري في العراق (14 جويلية) والذي أطاح بالملكية فيه، واضعا بذلك أيضا نهاية للوحدة الأردنية العراقية، و عقد معاهدة دفاع مشترك بين العراق و الجمهورية العربية المتحدة، أي مصر و سوريا.
(بورقيبة في الخطاب المذكور يعلن « تضامن تونس مع العراق بعد ثورته حتى لا يرتمي في أحضان الشيوعية »، معتبرا أنّ « لكلٍّ ظروفه الخاصة ». و قد قامت تونس بمساعي حثيثة لإنقاذ « فاضل الجمالي » من نقمة السلطة الثورية العراقية و جلْبِه إلى تونس حيث بقي مكرّما إلى أن وافاه الأجل فيها، و هو وزير خارجية العراق في العهد الملكي و الخطيب المفوّه، بتلك الصفة، في الجمعية العامّة لمنظّمة الأمم المتحدة نصرة للقضية التونسية، و الداعم لحق تونس في الحرّية و الإستقلال، و مانح بورقيبة و بعض رفاقه جوازات سفر دبلوماسية عراقية في آخر الأربعينات).
بخصوص نزول الأسطول الأميركي السادس في لبنان و تمسّك بورقيبة بالفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمسّكه بالوحدة الوطنية، تجدر الإشارة إلى أنّ ما كان يؤرق بورقيبة فوق كلّ اعتبار هو إدراكه لضعف مناعة تونس الطبيعي، و خوفه من تفكك الشعب و انفراط عقد الوحدة الوطنية، و هو يعتقد أن القوة العسكرية لا تكفي وحدها لضمان المناعة. ولذا فإن تونس في حاجة كبرى للحَقّ في طلب المساعدة و الدعم في ساعة الخطر، و لمشروعية ذلك الطلب التي يقرّها الفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة.، و في حاجة لضمان الحصانة الداخلية، سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا و فكريا، بفضل الوحدة الوطنية. و قد قال الباهي الأدغم إن تاريخ تونس منذ الحروب الفينيقية إلى عملية اغتيال أبو جهاد يبرهن على صحّة عقيدة بورقيبة بخصوص ضعف مناعة البلاد الطبيعي. و يمكن أن نظيف اليوم أن ما شهدته تونس و حدودها شرقا و جنوبا و غربا منذ « ثورة الحرّية و الكرامة » يؤكد ذلك الإستنتاج.
الإنتماء إلى العالم الحرّ و ضرب موعد للمحاسبة على النتائج:
و من ناحية أخرى، ففي نفس الخطاب في 25 جويلية 1958، قال بورقيبة، بعد أن أكّد انتماء تونس للغرب: « نحن لا ننكر على الدول العربية توجّهاتها، و لكن نطلب منها تفهّم توجّهاتنا التي أتت بنتائج إيجابية ». و ضرب موعدا بعد خمس سنوات للمحاسبة على النتائج، قائلا، موجّها كلامه إلى المشرق العربي: « أحكموا على سياستنا بعد خمسة أعوام ». و هو ما ذكّر به عبد الناصر عند حضوره الإحتفال بالجلاء عن بنزرت في أكتوبر 1963، أي بعد مرور خمسة أعوام.
و الإنتماء إلى العالم الحرّ، أي الغرب وحلفائه لم يكن يقصد منه أن يكون بديلا للإنتماء إلى العالم العربي، و لا كان يوما موجّها ضدّ شقيق، و لا كان يعني مشاركة الغرب في عداواته، و لا تبنّي خصوماته، أو قبول إقامة قواعد عسكرية أجنبية في تونس، خلافا لبعض مدعيي الثورية، بل هو فقط تفضيل اختياري على الإنتماء للعالم الإشتراكي، اعتبارا لمصلحة تونس. و القصد منه هو اجتناب عدوان الغرب، و كسب صداقته لردع نوايا عدوان أحد أعضائه على تونس، و لمساعدة تونس في حال تعرضت لخطر، و كذلك لدعم جهودها التنموية. و كان فعلا مثلا أنّ إيزنهاور، في مبادرة استثنائية إثر العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف، وجّه إلى فليكس قايار، رئيس الحكومة الفرنسية، في 10 أفريل، رسالة شديدة اللهجة حول العلاقات التونسية الفرنسية ينصحه فيها بإقامة الدليل على تعقُّل حكومته و بأن لا تعمل على إفشال المساعي الحميدة، و جعله يدرك أنه قد يتعذّر على الولايات المتحدة أن تكون إلى جانبه إذا أعادت فرنسا القضيّة بشكوى من طرفها إلى مجلس الأمن و اقتضى الأمر التصويت في المجلس. و كتبت صحيفة « الهيرالد تريبيون » في 12 أفريل متوجّهة للفرنسيين « أن معنى الرسالة أنّه عليكم أن تنزلوا عن صهوة جيادكم الضخمة، و تهدؤوا قليلا من روع جناحكم الأيمن، و لنحاول معا إنقاذ الرئيس بورقيبة و تونس لفائدة الغرب ». و كانت كتبت في 10 أفريل أنّ  » قطع المفاوضات بين تونس و فرنسا وخيم على العالم الحرّ كلّه ».

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer