بدايات السياسة الخارجية

نص المحاضرة التي ألقاها السفير أحمد غزال يوم 21 جوان 2016 شهادة و خواطر حول بدايات وزارة الشؤون الخارجيةَو بدايات السياسة الخارجية لتونس

و قد أوضح المنجي سليم في رسالة خاصة في حديثه عن الأميركيين « أن الأميركيين أصدقاؤنا، و نحن أصدقاؤهم، نتّفق معهم أحيانا و نختلف معهم أحيانا أخرى. و حتى عندما نتّفق معهم فإننا نأخذ بعين الإعتبار مصلحتنا الوطنية و نحافظ على كرامتنا ». أي أنّ الإتفاق إن حصل، فهو ليس اتفاق تبعية أو عمالة.

نصيب إفريقيا:
و سنة 1958 هي سنة استقلال أوّل مستعمرة فرنسية في إفريقيا السوداء: غينيا.
و سنة انعقاد أوّل قمّة للدول الإفريقية المستقلة، في14 أفريل بأكرا، عاصمة غانا، استجابة لاقتراح بادر به الزعيم الحبيب بورقيبة أثناء زيارته لغانا بمناسبة الإحتفال بالذكرى الأولى لاستقلالها في مارس 1957، بصفته رئيس الحكومة التونسية. و ترأس الدكتور الصادق المقدّم، كاتب الدولة (وزير) للشؤون الخارجية وفد تونس لأشغال القمّة، والتحق به من تونس أحمد التليلي، الكاتب العام لاتحاد الشغل، و حسين الغويّل، مستشار بالخارجية. و شاركت في القمّة غانا، و الجمهورية العربية المتحدة، و ليبيريا، و إثيوبيا، و ليبيا، و السودان، و المغرب، و تونس.
و كان الدكتور المقدم قبل ذلك بالقاهرة حيث قابل الرئيس جمال عبد الناصر و سلّمه نسخة من رسالة لصالح بن يوسف ضبطتها السلطات التونسية يدعو فيها لاغتيال بورقيبة و القيام بانقلاب، و كان مع حامل الرسالة جواز سفر مصري باسم صالح النجّار. و نقلت الصحافة التونسية أن الرئيس عبد الناصر « عبّر عن تفهّمه لموقف الحكومة التونسية من دعاة الفتنة ». و إذ توجه الدكتور المقدم بعد ذلك إلى أكرا، فقد عاد إلى تونس السفير الطيب السحباني لإطلاع الرئيس على فحوى تلك المحادثة. و لم يُطو ملف تلك القضية نهائيا إلا في اللقاء الثاني الذي جمع بين الرئيس بورقيبة و الرئيس عبد الناصر على هامش قمّة عدم الإنحياز في بلغراد في سبتمبر 1961.
و قد كانت تونس شاركت سنة 1957 في أكرا في أوّل مؤتمر للشعوب الإفريقية بوفد برئاسة الطيب سليم و معه سليم بن غازي، من الخارجية، و النوري البودالي عن الإتحاد التونسي للشغل، و جليلة دغفوس عن الإتحاد النسائي.
و بخصوص إفريقيا، يحقّ التذكير بدور تونس المتميز و متعدّد الجوانب في دعم حركات التحرير و قادتها في مختلف أطراف القارة مدّة كفاحها بالمال و حتى بالسلاح و دبلوماسيا خاصة في الأمم المتحدة.
مستقبل العلاقات مع أوروبا المتحدة:
وهي، في أوروبا، سنة دخول اتفاقية روما الموقَّعة في 1957حيّز التنفيذ وقيام « المجموعة الإقتصادية الأوروبية »، المصطلح تسمِيَتها أيضا « السوق الأوروبية المشتركة » بين ست دول أوروبية هي: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولاندا، وبلجيكا، واللكسمبورغ. وبدأت تونس تهتمّ بالحدث في انتظار تركيز مؤسّسات تلك المجموعة، للإستفسار عن مستقبل علاقاتها مع هذه المجموعة الإقتصادية الهامّة في جوارها، أي في فضاء تعاملها التقليدي، و التحرّي بخصوص أهدافها الحمائية و انعكاساتها المحتملة على تونس، و خاصة أنّ « اتفاقية روما » تضمّنت ملحقا (بروتوكول) خاصا بمستقبل علاقات المجموعة مع تونس.
وفي سنة 1959، وجّهت تونس وفدا لإجراء اتصال أولي مع مفوضية السوق الأوروبية، برئاسة الشاذلي الطننّي.
دبلوماسية شاملة الإهتمامات: الدبلوماسية الإقتصادية:
هكذا كان على تونس الفتية و دبلوماسيتها الناشئة، في سنة واحدة، مجابهة كلّ هذه الأخطار و التحديات المتكاثرة، بقطع النظر عما جابهته في السنتين السابقتين.
كما أنّ تونس المستقلّة اصطدمت، منذ البداية، بعوائقِ فقر البلاد و قلّة الإمكانيات و الحاجة إلى المساعدات و المعونة من الخارج و ضرورة دعم التعاون و المبادلات التجارية و الإقتصادية و الثقافية مع الخارج على أوسع نطاق، للإستجابة لحاجيات البلاد التنموية و تطلّعات الشعب المتحرّر إلى أسباب العيش الكريم و التقدم و الإزدهار.
و قد انضمّت تونس في أفريل 1958 للبنك الدولي و لصندوق النقد الدولي.
و أجرت مفاوضات مع فرنسا في بداية شهر جويلية لسحب امتياز سكّ العملة من بنك الجزائر و تونس لفائدة البنك المركزي التونسي الذي يتمّ بعثه يوم الإحتفال بالذكرى السنوية الأولى لإعلان الجمهورية، 25 جويلية، ثمّ تمّ إصدار الدينار التونسي.
و قد شرعت تونس منذ تنصيب الوزارة في تنشيط الدبلوماسية الإقتصادية، إلى جانب اهتمامات الوزارة بمجالات مسؤولياتها الأخرى، من خلال توجيه البعثات الإقتصادية و التجارية إلى عديد البلدان الصديقة، و المشاركة في المعارض الدولية، من ذلك المعرض العالمي الذي أقيم في بروكسل خلال السنة ( ومثّل فيه تونس محمد بدرة، الوزير سابقا في حكومة مَحمد شنيق و السفير لاحقا)، و حتى المعارض الجهوية في البلدان الأوربية. و من أمثلة هذا الإهتمام من قبل الدولة أنّ رئيس الحكومة بورقيبة زار « غانا » في بداية شهر مارس من سنة 1957 لحضور الإحتفال بعيد الذكرى الأولى لاستقلالها، وفي 15 من شهر أفريل المُوالي تمّ توجيه وفد إقتصادي تونسي هامّ إلى العاصمة « أكرا » لاستكشاف فرص التعاون و المبادلات بين البلدين.
و كان القسم التجاري في الوزارة من أنشط الأقسام فيها، و كذلك أعضاء سفارات تونس المكلّفين بالشؤون الإقتصادية و التجارية، في البحث عن الأسواق للمنتوجات التونسية و إمكانيات التعاون. كما كان للدبلوماسية التونسية فيما بعد دور بارز و مشهود لها به في الإسهام في ضمان توفير تمويل مخططات التنمية الوطنية في الإطار الثنائي و متعدد الأطراف.
و قد تمّ خلال هذه السنة، 1958، عقد اتفاقيات تجارية بين تونس وكلّ من: بولونيا، السويد، بريطانيا العظمى، إيطاليا، تركيا، الصين الشعبية، النرويج، فنلندا، البرتغال. بالإضافة إلى اتفاقيات مماثلة في السنة السابقة مع: غانا، يوغسلافيا، مصر، الإتحاد السوفييتي، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، إسبانيا، وألمانيا.
كما شهدت السنة عقد اتفاقات بخصوص المساعدة الإقتصادية الأميركية، والقمح الأميركي(PL 480) لمكافحة البطالة المتفشّية.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer