نص مداخلة علي الحشاني، السفير و المندوب الدائم السابق للجمهورية التونسية بالأمم...

نص مداخلة علي الحشاني، السفير و المندوب الدائم السابق للجمهورية التونسية بالأمم المتحدة بنيويورك : مائة سنة بعد وعد بلفور :القضية الفلسطينية ومنظمة الأمم المتحدة

0
PARTAGER

I / مقدمة

للقضية الفلسطينية تاريخ طويل وشاق مع منظمة الأمم المتحدة والمنظمة التي سبقتها عصبة الأمم ذلك لأنه ومنذ أن تهاوت الامبراطورية العثمانية التي كانت تسيطر على فلسطين ومع حلول سنة 1916 وعقد اتفاقية Sykes Picot التي أعلنت تلك المساحة من الشرق الأوسط منطقة دولية، دخلت فلسطين في دوامة لم تخرج منها إلى اليوم ولم ينجح العالم ممثلا في منظماته الدولية في إيجاد حل نهائي لتنازع التطلعات للسيطرة على المنطقة التي حباها الله بمكانة خاصة في تاريخ البشرية. ولقد طال الجدل والتطاحن في سبيل ذلك وتطورت المفاهيم شيئا فشيئا وانتهى الأمر إلى تنامي الشعور بأن الشعب العربي الفلسطيني تعرض إلى مظلمة جسيمة وجب إصلاحها. وسنرى في ما يلي كيف تجلى هذا التطور في المفاهيم انطلاقا من الفشل في التعاطي مع أهم مظاهر القضية وصولا إلى احتضانها من طرف اغلب أعضاء المجتمع الدولي سعيا لإيجاد الحلول لها.

II/ نبذة تاريخية :
لا شك أن وعد بلفور الذي مرت عليه مائة سنة وكذلك الانتداب البريطاني الذي تلاه بقرار من « عصبة الأمم  » مثلا منعرجا لهذه القضية إذ حوّل فلسطين من أرض مقدسة وموحدة تتعايش فيها كل الأديان السماوية والأطياف إلى أرض أعطى فيها اليهود خلافا لكل المعطيات الديمغرافية والجغرافية والتاريخية والقانونية ومن دون تمييز بين المقيمين الأصليين منهم والوافدين بطرق غير شرعية حقا خاصّا على حساب الأطياف الأخرى، ولا غرابة في أن يؤدي هذا إلى تطورات خطيرة لا مجال للرجوع إليها.

يكفي القول هنا بأن تلك التطورات جعلت قوّة الانتداب تعترف في كتاب أبيض بحق فلسطين في الاستقلال قبل أن تتراجع لتضع القضية في أيدي المنظمة الحديثة التكوين، أي منظمة الأمم المتحدة حيث لا زالت إلى حد هذا اليوم. وقد وجدت المنظمة نفسها أمام تعقيد جديد وليد الحرب العالمية الثانية وما تعرض له يهود أوروبا من تنكيل حيث أصبح هناك إصرارا لدى الحركة الصهيونية العالمية وعدد من القوى الكبيرة على دمج ذلك المشكل في القضية الفلسطينية الأصلية. وقد كان لهؤلاء ما أرادوا إذ أنّ اللجنة الخاصة التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947 وصلت بالأغلبية إلى اقتراح تتغاضى فيه عن حق الاستقلال لفلسطين التاريخية الموحدة وتدعو إلى تعويض الوصاية البريطانية بإنشاء دولتين منفصلتين واحدة لليهود مفتوحة على الهجرة من مختلف بقاع العالم والأخرى –وهي نظريا الأكبر من حيث المساحة- للعرب الفلسطينيين مع إعطاء مدينة القدس وضعا دوليا خاصا تحت السلطة الإدارية لمنظمة الأمم المتحدة وإنشاء وحدة اقتصادية بين الدولتين. وقد حظي مقترح التقسيم هذا بتأييد الجمعية العامة رغم اعتراض الدول العربية المستقلة آنذاك ليصبح القرار (II) 181 بتاريخ 29/11/1947.

ويعرف الجميع كيف وقع سنة 1948 الإعلان الأحادي الجانب عن إنشاء الدولة الإسرائيلية على أساس هذا القرار مع بقاء الدولة الفلسطينية عرضة لمهب الريح. بل وانحصرت الرقعة الجغرافية المخصصة لها شيئا فشيئا إلى أن شهدت سنة 1967 خلال ما عرف بحرب الستة الأيام تمدّدا إضافيا لإسرائيل شمل في ما شمل الضفة الغربية لنهر الأردن وكامل مدينة القدس بما فيها البقاع المقدسة الإسلامية والمسيحية. ومنذ ذلك الحين أصبحت الرقعة المتنازع عليها تكتنفها الضبابية. وهكذا يمكن القول بأن خمسين سنة بين وعد بلفور وحرب 1967 كانت كافية لتحويل بلد متطلع للاستقلال في دولة موحدة إلى بؤرة عدم استقرار في العالم لا زالت تؤرق الجميع بعد مرور خمسين سنة أخرى . والسبب الأساسي في ذلك كان تغاضي الأمم المتحدة في البداية عن الانتهاكات المتكررة لقرار التقسيم –الغير عادلا أصلا- من طرف إسرائيل لأسباب وتعلات عديدة ثم تساهل عدد من الدول مع الكيان الصهيوني في اعتداءاته المتكررة على الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة. وكان نتيجة ذلك أن وجدنا من جهة مجلس الأمن -الذي كان ولا يزال تحت تأثير الأعضاء الدائمين- ومن جهة أخرى الجمعية العامة للأمم المتحدة –التي تغيرت فيها شيئا فشيئا موازين القوى مع انضمام عدد من الدول التي كانت ترزح تحت الاستعمار- يختلفان حول الرد المناسب وهو ما خلّف هنات عديدة في تعامل المنظمة مع هذه القضية دون أن يجعلها تتخلى تماما عن حقوق الشعب الفلسطيني ولا عن محاولاتها للعب دور في إيجاد حل سلمي.
III/ مظاهر الفشل في تعامل منظمة الأمم المتحدة مع القضية الفلسطينية وأوجه التحول في المفاهيم :
أولا : الفشل في تنفيذ القرارات الأممية
لعل أهم الهنات والتي أثرت على مختلف جوانب القضية تكمن في فشل مجلس الأمن في أخذ التدابير اللازمة لتطبيق قرار التقسيم أولا والقرارات التي تلته في أبعادها العملية والحال أن هذا الجهاز هو المسؤول الأول عن الأمن والسلم الدوليين. وقد تجنب المجلس دائما اللجوء تجاه إسرائيل الى الفصل السابع من الميثاق مما ترك كل تلك القرارات تبقى غير قابلة للتنفيذ بصفة آلية. من جانب آخر ورغم تعدد التوصيات التي اعتمدتها الجمعية العامة بما في ذلك خلال عدد من الاجتماعات الخاصة والعاجلة بمقتضى القرار 377 A (V) لسنة 1950 المسمّى قرار « متحدون من أجلس السلم » فإن تلك التوصيات –بما لها من وزن معنوي- بقيت معظمها عديمة الأثر على أرض الواقع وفشلت في إقناع مجلس الأمن وإسرائيل وحلفائها بالتعامل بجدية مع قضية الشعب الفلسطيني. هكذا وبعد ما يزيد عن الأربعين قرارا لمجلس الأمن حول القضية وأكثر من مائة قرار للجمعية العامة إلى جانب عشرات مشاريع القرارات التي أجهضها استعمال حق النقض، نجد إسرائيل تواصل الضرب عرض الحائط برغبة المجموعة الدولية دون ردّ فعل.
ثانيا : الفشل في ايجاد حل لمشكلة اللاجئين.
وقد كان أول مشكل اهتمت به منظمة الأمم المتحدة بعد قرار التقسيم إذ أن المعارك التي حدثت قبل ذلك القرار تسببت في نزوح ما لا يقل عن 750.000 لاجئ فلسطيني الكثير منهم غادروا بصفة قسرية تحت الضغط والترهيب وانضاف إلى هؤلاء بعد حرب 1967 أكثر من 500.000 لاجئ. وقد تناولت الجمعية العامة في البداية مشكل اللاجئين من جانبه الإنساني فحسب الا أنها وبقرارها عدد (III) 194 المؤرخ في 11/12/1948 تطرقت إلى الجوانب السياسية بأن اعترفت بضرورة السماح للذين يرغبون في ذلك بالرجوع الى ديارهم في أقرب وقت ممكن على أن يقع بالنسبة لمن يختار منهم البقاء في المهجر تقديم تعويض عن خسائرهم. وقد أنشأت الجمعية العامة بنفس القرار لجنة للإشراف على عودة الفلسطينيين وتمكينهم من وسائل الاستقرار والعيش الكريم. إلا أن تلك اللجنة فشلت في عملها نظرا لرفض إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين وغياب وسائل الردع. مما جعل الجمعية العامة تعود إلى المقاربة الإنسانية عن طريق هيئة جديدة وقع إنشاءها وهي الـــ UNRWA التي يقع تمويلها أساسا عن طريق الهبات. ورغم المصاعب التي تلاقيها هذه الهيئة لإيجاد الموارد اللازمة لنشاطها الإنساني فإن وجودها وما تقدمه خاصة من إمكانية الدراسة لآلاف الفلسطينيين الشبان إلى جانب تشبث اللاجئين بحق العودة جعل قضيتهم تبقى محورا من المحاور الأساسية للقضية الفلسطينية بل وتزداد كل يوم ترسخا في الضمير الدولي باعتبارها من أكبر مظالم المائة سنة المنقضية.
ثالثا : الفشل في التصدي للتعديات على الحقوق الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة سنة 1967
وهي أراض تدخل في معظمها بنظر إسرائيل في نطاق أراضيها التاريخية والحال أن مجلس الأمن والجمعية العامة اعتبرت ولا زالت تعتبر تلك الاراضي محتلة تتمتع وساكنوها بحماية اتفاقية جينيف الرابعة لسنة 1949 وهو ما ترفض إسرائيل الاعتراف به. وقد تعددت مظاهر التعدي الإسرائيلي من ذلك إنشاء وتوسيع المستعمرات الاستيطانية. وقد بينت التقارير الأممية بأن إسرائيل استحوذت منذ سنة 1967 على أكثر من 60 % من الضفة الغربية و 33% من قطاع غزه و 33% من القدس الشرقية لأغراض عديدة مدنية وعسكرية. وحسب المعطيات المتوفّرة استقرّ في ضفة الغربية إلى حدّ هذا اليوم ما لا يقلّ عن 430 ألف مستوطنا وفي القدس الشرقيّة حوالي 200 ألف مستوطنا هذا إلى جانب ما تعرض له قطاع غزة من غزوات ومحاصرة ومراقبة لصيقة لمجالاته البحرية والجوية وهو نوع من أنواع التمدد الاستعماري. وكذلك هضم حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة بالقتل والطرد وهدم المنازل والتنكيل بالمصلين في القدس الشريف منذ أن أعلنت إسرائيل تلك المدينة (سنة 1980) بصفة مخالفة للقانون الدولي « عاصمتها الأبدية ».
ورغم فشل الأمم المتحدة في منع التعديات وإلى جانب التمسك بعدم شرعية احتلال تلك الأراضي، بما فيها القدس الشرقية، فقد أنشأت الجمعية العامة عددا من اللجان لحماية الحقوق الفلسطينية من ذلك لجنة الحقوق الغير قابلة للتصرف واللجنة المكلفة بالتحري في الممارسات الإسرائيلية المخلّة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة وكذلك إنشاء منصب مقرر خاص حول وضع تلك الحقوق بما في ذلك الحقوق الاقتصادية مع التذكير بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في شهر جويلية 2004 بطلب من الجمعية العامة والقاضي بعدم مطابقة الجدار العازل الذي أقامته إسرائيل في الأراضي المحتلة لمقتضيات القانون الدولي والمنادي بتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقتهم من جرائه. كل هذه المواقف والإجراءات جعلت إسرائيل ولا شك تشعر بعدم الاطمئنان على استمرارية تواجدها في الأراضي المحتلة بعد سنة 1967 وهي تعلم رغم تعنتها أنه طال الزمان أو قصر لا بد أن ترجع تلك الأراضي لأصحابها إلا ما قبل الفلسطينيون تبادله في نطاق حل عادل ودائم بين الجانبين.

هكذا ورغم الهنّات التي ذكرناها ومظاهر الفشل في التعاطي مع عدد من جوانب القضية الفلسطينية فإن منظمة الأمم المتحدة وخاصة جمعيتها العامة أرست ترسانة من المبادئ والأجهزة التي أبقت على القضية في صدارة اهتماماتها وأبقت على الحقوق الفلسطينية من بين أولوياتها. إلا أن المنظمة لم تتخل في نفس الوقت عن محاولة لعب دور نشيط في إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية رغم صعوبة الأوضاع الدولية التي رافقتها وإصرار بعض القوى الكبرى خاصة منها الولايات المتحدة الأمريكية على المحافظة على اليد العليا في هذا المجال.
IV/ دور الأمم المتحدة في إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية.
إن كل التحديات التي ذكرناها في ما سبق كان الهدف منها في نظر إسرائيل وحلفائها تأجيل الحل النهائي للقضية إن لم يكن جعله مستحيلا خدمة للمتطرفين داخل المجتمع الإسرائيلي الذين لا يرون إمكانية التعايش مع شعب فلسطيني مستقل متمتعا بكل حقوقه. إلا أن منظمة الأمم المتحدة، خاصة منذ نشوب حربي 1967 و 1973 عملت على إيجاد هذا الحل أو على الأقل المساهمة فيه اعتقادا منها بأن ترك الوضع على ما كان عليه قد يؤدي إلى حروب ومآس أخري في المنطقة وربما في العالم. ويعتقد أن قراري مجلس الأمن (1967) 242 و (1973) 338 رغم أنهما اعتمدا في ظروف لا ترتبط بصفة مباشرة بالقضية الفلسطينية وتتعلق أكثر بالعلاقات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، فإنهما أعطيا إشارة الانطلاق للعمل الدءوب على المستوى الاممي وكذلك على المستويات الثنائية والإقليمية لمحاولة الخروج من المأزق.
وكانت البداية بالندوة الدولية للسلم التي انعقدت في شهر ديسمبر 1973 بمدينة جينيف. ورغم أن تلك الندوة لم تؤد إلى نتيجة مباشرة بسبب تعنت إسرائيل في رفض تواجد منظمة التحرير الفلسطينية فيها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني فإنها شكّلت بداية الطريق للمعالجة الجدية للقضية الفلسطينية. وقد تتالت منذ ذلك الوقت الاختراقات من ذلك فكرة العمل على إيجاد سلم دائمة وعادلة وفكرة تواجد دولتين اسرائيل وفلسطين تعيشان جنبا الى جنب داخل حدود أمنة ومعترف بها كما تعددت المبادرات منها الآتي من الدول العربية ومنها الصادر عن جهات غير عربية. ومن بين ذلك مبادرة فاس في شهر ديسمبر 1982 وفي السنة الموالية انعقدت بجينيف بمبادرة من الجمعية العامة الندوة الدولية حول مسألة فلسطين انتهت ببيان تضمن برنامج عمل لتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه. وقد تلى ذلك البيان إعلان المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر سنة 1988 استقلال دولة فلسطين وعاصمتها القدس على أساس مقتضيات القانون الدولي وخاصة قرار التقسيم. قبل أن يلقى الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعترف فيه بحق كل الأطراف المعنية بصراع الشرق الأوسط بالوجود في سلام وامن مع التأكيد على ضرورة أن تعترف اسرائيل بدولة فلسطين في نطاق القرار (1967) 242 لمجلس الأمن : وهكذا وبفضل العمل المستمر لمنظمة الأمم المتحدة تحولت المعطيات بترسخ فكرة الدولة الفلسطينيّة وتطلع هذه الدولة إلى حدود تندرج أساسا داخل الأراضي المحتلة سنة 1967 بما في ذلك القدس.
وقد كان ذلك أساس المبادرات التي اتخذت منذ ذلك الوقت والندوات التي نظمت وخاصة ندوة مدريد التي انعقدت سنة 1991 بالتزامن مع التحولات التي عرفتها العلاقات الدولية في تلك الفترة. هذه الندوة وإن كانت ذات طابع غير اممي فإن منظمة الأمم المتحدة لعبت فيها دورا نشيطا. وقد تلت هذه الندوة لقاءات OSLO التي انتهت باعتماد بيان مبادئ واشنطن المتضمن للإجراءات المؤقتة للحكم الذاتي الفلسطيني وإنشاء السلطة الفلسطينية التي انتقلت من الأراضي التونسية التي احتضنتها لسنوات عديدة إلى قسم من الأراضي الفلسطينية حيث لازالت تتواجد إلى حد هذا اليوم. وكان من المفترض أن يتبع ذلك مفاوضات حول الوضع النهائي لدولة فلسطين خاصة في ما يهم القدس واللاجئين والمستعمرات والأمن والحدود والعلاقات مع دول الجوار. ولكن تلك المفاوضات وإن انطلقت في بعض الأحيان محققة بعض التقدم في مسائل هامشية فإنها كثيرا ما تعطلت خاصة منذ ان تولت الحكم في إسرائيل بعد مقتل اسحاق رابين سنة 1995 حكومات يمينية متطرفة لا تقبل بوجود دولة فلسطينية مستقلة على ما تسميه الأراضي التاريخية لإسرائيل. وهي الحكومات المسؤولة بالأساس عن اقتراف التعديات التي تعرضنا إليها في الباب الأول وخاصة مواصلة بناء المستوطنات بهدف منع التفاوض الجاد حول الوضع النهائي وجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق. هذا ورغم قيام المجتمع الدولي سنة 2002 بإنشاء مجموعة جديدة تحت اسم « الرباعي » تشكّل الأمم المتّحدة احد عناصره مع تعيين ممثّل دائم له فإنّ ذلك لم يحرّك عمليّة السلام بصفة ملحوظة ولم يؤدّ الى إقناع هذه الحكومات المتطرّفة بضرورة تنفيذ الالتزامات التي قطعتها إسرائيل على نفسها بمقتضى اتفاقيات أوسلو والاتفاقيات التي تلتها بتأييد دولي واسع.
إلا أن هذا الفشل لم يؤد الى تخلى منظمة الأمم المتحدة وعدد من الأجهزة التابعة لها عن مواصلة الدفع في اتجاه حل القضية الفلسطينية عن طريق الاعتراف المتنامي بحقوق الفلسطينيين السياسية والاقتصادية. وهي القضية التي أصبحت كما قلنا من قبل طاغية منذ 1967 بعد أن كان ينظر إليها فقط على أنّها قضية لاجئين ناهيك أنّ هذا البند أصبح بندا قارا من بنود الجمعية العامة وأصبحت القضية تتعلق أساسا بحق تقرير المصير بدون تدخل أجنبي وحق في الاستقلال والسيادة الوطنية وحق العودة للاجئين. في نفس الوقت وبفضل العمل الدءوب للساهرين على الدبلوماسية الفلسطينية وبدعم من الدول العربية وعدد من الدول غير العربية دخلت القضية الفلسطينية في جداول أعمال عدد من الأجهزة الأممية المختصة التي ساهمت في إعطائها شرعية متزايدة. فمن التجاهل التام تحول التواجد الرسمي للوفود الفلسطينية إلى وضع الملاحظ ثم إلى وضع لا يختلف كثيرا عما تتمتع به الدول الأعضاء في المنظمات الدولية من حيث الامتيازات مما أعطى الدبلوماسية الفلسطينية وسائل تحرك جديدة لإبلاغ صوتها.
بل إن منظمة اليونسكو ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث قررت في شهر أكتوبر 2011 قبول « دولة فلسطين » كدولة كاملة العضوية قبل اعتماد قرار « البلدة القديمة في القدس وأسوارها » في شهر أكتوبر 2016 انتهاء بتسجيل مدينة الخليل القديمة ضمن مواقع التراث العالمي في شهر جويلية الماضي وهو ما أثار حفيظة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتان قررتا مؤخرا الانسحاب من المنظمة. إلا أن ذلك لا ينقص شيئا من التقدم الذي ما فتئت القضية الفلسطينية تحققه لدى منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المختصة.
الخاتمة :
هكذا يمكن القول بأن القضية الفلسطينية وان كانت إحدى مكامن فشل المجتمع الدولي خلال المائة سنة الماضية الا أنّه يمكن اعتبارها أيضا من بين النجاحات النسبية لمنظمة الأمم المتحدة وهي المنظمة التي -وبعد الاخفاقات الأولى ورغم كل المصاعب والعراقيل وتداخل المصالح المتضاربة لبعض القوى الدولية والإقليمية للتأثير في مسار القضية- لم ترض أبدا بأن تقبر هذه القضية والتي وعلى العكس من ذلك وبفضل عمل الجمعية العامة خاصة وتضحيات وصمود الشعب الفلسطيني ما فتئت كل سنة تسجل تقدما سياسيا وإن لم يكن دائما عمليّا يجعل الأمل قائما في أن يعود للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه مع القدس الشرقية كعاصمة لها. وإذا ما تسبب تواصل السياسة الاستيطانية في جعل حق الدولتين بعيد المنال فإنه (وما دامت شعلة الوعي الوطني الفلسطيني قائمة والمنظمة الأممية وراءها، فإن إسرائيل وحلفائها سيجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التخلي عن المستوطنات أو معظمها في اتفاق مع الفلسطينيين يؤمن لكل من الشعبين حريته وحقوقه الأساسية أو أن ترضى إسرائيل بوضع دولة من دول الـــ APARTHEID لن تنعم فيه أبدا بالأمن والاستقرار كما لم ينعم بهما نظاما افريقيا الجنوبية وروديسيا العنصريين قبل أن ينهارا من دون رجعة.

على الحشاني

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire