قائد السبسي

نظرة استرجاعيّة لمسيرة الرئيس التونسي الرّاحل محمد الباجي قائد السبسي:رحمه الله « الباجي قائد السبسي الوجه الديمقراطي للبورقيبية »

شكل فوز الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية التونسيّة لسنة 2014 انتصارا تاريخيا للمشروع الوطني الحداثي الذي قاده الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة منذ تأسيسه الجمهورية التونسية الأولى عقب حصول تونس على استقلالها في عام 1956، حيث شَيَّدَ بورقيبة الدولة المدنية الوحيدة في العالم العربي ،فيما أخفقت الأديولوجيات الشمولية الأخرى : الماركسية و القومية و الإسلامية ، فضلاً عن إقامة بورقيبة مشروع اجتماعي تحرري شعاره تحرير المرأة التونسية، ونشر التعليم الديمقراطي ، و محاربة الفقر،و تحقيق الضمان الصحي.
من المعروف تاريخياً أن الدولة البورقيبية طغت على المجموع الإجتماعي باسم عقلانية مشروعها السياسي، حيث كان البرنامج الأساس للنخبة الحاكمة بعد الاستقلال يتكون من أهداف التحديث والعلمنة مع مبدأ لـ »الجمعنة« السياسية، إنه الكيان التونسي »القطري« المنفصل عن »الأمة« الإسلامية وعن الأمة العربية. وقدمت الدولة التونسية الفتية نفسها على أنها مجموعة من »مؤسسات رسالية« للتحديث، وضعت نصب عينيها، بصورة خاصة إعطاء الشعب التونسي ثلاثة أشياء مهمة : التعليم وحقوق المرأة ونشر أنماط جديدة من السلوك، وفرض نفسها بصفتها مرجعاً لتكريس الرأسمال الرمزي، وبالتالي فرض الرقابة على المجتمع.

وقاد هذا التطور المفرط للدولة الوصائية الأبويّة البورقيبية في الوقت عينه إلى غياب فضاء عام محدد تحديداً متميزاً، ومجهز بقواعده الخاصة وممثليه. ولما كانت دولة الوصاية هذه تشكل وحدة مع جهازها وبيروقراطيتها وغير مفصولة عن المجتمع، فقد عجزت عن أن تكون التعبير المباشر عن الكلية العينية، كلية المجتمع والشعب، لأن قوام هذه الدولة والسلطة المتمسكة بزمامها لم يكن القانون الذي لا يقوم إلا على قاعدة الحقوق. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الدولة خارجة عن المحكومين، وهذا التخارج بين السلطة والشعب، وجد التعبير عنه في مركب الدولة – الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، الذي أنتج نسقا سياسياً مغلقاً، أفضى في النهاية، إلى تقلص الدولة في شكل عملية تحرر نسبي لها.

الرئيس الباجي قايد السبسي تمرد على نظام والده الروحي الحبيب بورقيبة، عندما انشق رمزيا عنه في نص استقالة شهير سنة 1970 في جريدة «لوموند» عندما كان سفيرا لتونس في باريس.. و في المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الدستوري المنعقد في مدينة المنستير عام 1971،حقق الجناح الذي كان ينادي بالليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية في آن واحد،الأغلبية في المؤتمر،وتمثل هذا الجناح في أحمد المستيري والباهي الأدغم والباجي قايد السبسي،والحبيب بولعراس،فتدخل بورقيبة شخصياً،وألغى انتخابات المؤتمر،وحسم الصراع لمصلحة الجناح المتصلب ذي النزعة الانغلاقيّة الاقصائيّة الذي كان يقوده محمد الصياح مدير الحزب سابقاً – وقاد ذلك إلى تصفية جناح المستيري- الباجي قايد السبسي المضروب على صعيد السلطة منذ مؤتمر 1971.
ومع ذلك فإن عدداً اًكبيراًمن المؤرخين التونسيين يتجاهلون أن الباجي قائد السبسي كان قائد الجناح الديمقراطي داخل النظام البورقيبي عينه، و الرجل الذي وضع كل امكانياته المالية على ذمة الحركة الديمقراطية الناشئة فأسس مجلة «ديمقراطية» الناطقة بالفرنسية ،وكان قريبا من مجموعة «الرأي» ورابطة حقوق الانسان وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين .ولم يعد الباجي قائد السبسي إلى الحكومة الا بعد اكثر من عشر سنوات وبعد اعتراف الزعيم بورقيبة بالتعددية الحزبية في 1981. وكان الباجي قائد السبسي وزيراً شبه دائم في حكومات الحبيب بورقيبة، وفي عهد حكم زين العابدين بن علي، عُيّن في فترة أولى رئيسا للّجنة السّياسيّة والشّؤون الخارجيّة ،ثمّ في سبتمبر 1990 رئيسا لمجلس النوّاب حتّى أكتوبر 1991. ومع سقوط النظام الديكتاتوري في 14 جانفي2011، أجمع عليه «الثوار» بتشكيلاتهم الإسلامية والمدنية واليسارية ليكون رجل «المرحلة الانتقالية» من الثورة إلى «النظام الجديد» الذي اكتسب مع انتخابه رئيساً للجمهورية الثانية، صورته الكاملة.
انطلاقاٌ من هذا الإرث البورقيبي،عمل الباجي قائد السبسي على تأسيس حزب جديد بعد أن سيطرت الترويكا الحاكمة سابقا بقيادة حركة النهضة الإسلامية على مقاليد السلطة في تونس عقب الانتخابات التي جرت في 23 أكتوبر 2011. ونجح الباجي قائد السبسي، الوزير السابق في عهد بورقيبة والرئيس الأوّل للبرلمان في عهد بن علي، و صاحب الكاريزما«البلدية» العتيقة (كإبن برجوازية تونس العاصمة )،في أن يقدّم نفسه كـ«أملٍ للخلاص والتغيير» لجزء هامّ من المجتمع التونسي ، عبر تجميعه في «حزب نداء تونس» في بداية سنة 2012،أطياف سياسية وفكرية عديدة: شتات الجزء الأهمّ من كوادر ورجال أعمال نظام بن علي وحزبه المنحلّ، «التجمّع الدستوري»، ممّن لم يختاروا الانضمام ل«حزب النهضة الإسلامي» ، وبقيّة الأحزاب «الدستوريّة»، و من فئات الطبقة المتوسطة المتضررة من الثورة ، و من النقابيين واليساريين الليبراليين المتخوفين من مشروع حزب النهضة القاضي ب«أخونة الدولة التونسية» و القضاء على مظاهر مدنيتها و علمانيته، من خلال تمظهرات مسودّة مشروع النهضة للدستور، التي تضمّنت «الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع»، وبعث مجلس أعلى إسلامي.
هزيمة «الإسلام السياسي»، ممثلاً بحركة النهضة ووكيلها المرزوقي
بفوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية، وفوززعيمه الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية، استطاع هذا الأخير أن ينجح في استمالة كوادر النظام السابق لحزبه ويواصل تمثيل مصالح برجوازيّة العاصمة والساحل، والاحتفاظ بدعم القاعدة الاجتماعية التقليديّة للحزب الحاكم منذ الاستقلال .
عرف قائد السبسي كيف يستثمرالأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها حركة النهضة ، لا سيما ضعف الكفاءة في إدارة الحكم ،والعجز عن تقديم أجوبة شافية على المطالب الاجتماعية، وتساهلها الكبير مع التيّارات السلفيّة التكفيرية والإرهابية ، في النصف الأوّل من فترة حكمها، وكذلك تهميش النهضة لحليفيْها في الترويكا الحاكمة، وصدمة زلزال اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد في فيفري 2013، وتعاظم خطر الإرهاب إثراغتيال النائب القيادي بالجبهة الشعبيّة محمّد البراهمي في 25 جويلية 2013.
إضافة إلى أخطاء حركة النهضة، لعبت العوامل الإقليمية والدولية لمصلحة تزايد نفوذ حزب السبسي ومنها، أولاً:الحرص الواضح للدول الغربيّة المؤثّرة، تحديدًا الولايات المتحّدة وفرنسا وألمانيا، على أن تكون تونس «النموذج الديموقراطي»الناجح في المنطقة، وهو ما يفترض وجود توازن بين قوّتين سياسيتين كبيرتين تحت سقف شروط المنظومة الليبراليّة المعولمة.وثانياً: تداعيات تغيّر المشهد الإقليمي، وتحديدا سقوط الإخوان المسلمين في مصر على تراجع حركة النهضة ، والصعوبات التي واجهها مؤخّرا حليفاها في أنقرة والدوحة .وثالثاً: أجواء الخوف من الإرهاب المستوطن في البلاد ،والحنين إلى «الأمن والاستقرار الضروريّين لعودة الحركة الاقتصاديّة»، وخيبة أمل أغلب التونسيين من حكم النهضة.
نجح قائد السبسي في إقناع الكثير من التونسيين بخطابه عن «استعادة هيبة الدولة»،و«المحافظة على الإرث الحداثي البورقيبي والنمط المجتمعي التونسي». كما استفاد في ذلك من الماكينة الحزبيّة والانتخابيّة القويّة التي ورثها عن حزب بن علي المنحلّ. ونجح زعيم حزب نداء تونس خلال الحملة الانتخابية في كسب تأييد قطاعات واسعة من الرأي العام، حيث نحت لنفسه صورة رجل الدولة القوي الذي يدافع عن مكاسب التونسيين الاجتماعية والسياسية ضد أجندة حركة النهضة التي تسعى لنسف تلك المكاسب والعودة بتونس إلى القرون الوسطى من خلال أسلمة الدولة والمجتمع. وفي الوقت الذي انتهج المرزوقي خطاباً يحرّض على العنف والكراهية وإثارة النعرات الجهوية والقبلية، انتهج قائد السبسي خطاباً وطنياً يدعو إلى الوحدة الوطنية بين جميع التونسيين، مشدداً على «الوفاق الوطني» من أجل إنقاد تونس من الأزمة التي تعصف بها منذ حوالي أربع سنوات.
بذلك أجهض المجتمع المدني التونسي الأمل الأخير لمشروع الإخوان الذي يقوده بالوكالة الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي في تحالف انتهازي مع الإسلامويين المدعومين من قبل المحور التركي القطري.وكان من نتائج هذا المشروع زيادة الشرخ الجهوي المناطقي الذي بدا واضحاً في نتائج الانتخابات. إذ صوّت الشمال والساحل بكثافة لصالح السبسي وولايات الجنوب لصالح المرزوقي فيما كان حجم التصويت لهما في ولايات الوسط متقاربا.
والحال هذه، فإن خسارة المرزوقي هي في نهاية المطاف خسارة للإسلام السياسي الذي تمثله حركة النهضة، رغم ادعائها بالحياد في الانتخابات الرئاسية ،وهو الرأي الذي عبر عنه بأكثر صراحة ووضوحا الحبيب اللوز، الذي قال إن أبناء النهضة ساندوا المرزوقي في الدور الأوّل. واذا كانت قيادة الحركة تعرف ذلك وعلى بيّنة منه، وتقول إنها تفوّض لهم الأمر، فهذ ا يعني أنها تؤيد المرزوقي.
ويشكل توجّه أصوات قاعدة النهضة و كوادرها للمرزوقي رغم «حياد» القيادة، تمرداً حقيقيا على السلطة المرجعية و التاريخية للشيخ راشد الغنوشي ، الأمر الذي يعتبر المحللون أنه سيدخل النهضة في حالة «تدافع» داخلي، قد يخلق هوّة بين القيادة والقواعد وقد يفقد الغنوشي سلطته التاريخية على الجماهير النهضاوية، التي لم تلتزم كثيرا بما أراد أن يقوله من خلال ما قاله، خاصة عندما نفى أي امكانية للتغوّل مستقبلا، وهي الكلمة المفتاح في الدعاية المضادة التي توخاها أنصار المرزوقي للتضييق في جبهة خصمه.
إنّ تشكّل الصورة بالنسبة إلى الناخب على أنّه إماّ مع النهضة أو ضدّها، تجسّد فعليا، من خلال مواقف العديد من الكتل والتوجّهات السياسية والمراقبين الذين اعتبروا أن المرزوقي هو مرشح النهضة . لذلك انقسم الناخبون إلى قسمين، لكلّ منهما نموذج للدولة وللمجتمع، من خلال مقاربتين، الأولى تتأسّس على المقولات المرتبطة أكثر بالهوية، والثانية المرتبطة أكثر بالرؤية الوضعية.
بعد إجراء الإنتخابات التشريعيّة والرئاسيّة التي فاز فيها قائد السبسي كأول رئيس للجمهورية الثانية ، نجحت تونس في الثورة، وفي تحقيق الانتقال الديمقراطي،من دون الوقوع في مطبّات الصدام العنيف والاحتراب الأهلي، وبالتالي أصبحت تجربتها الديمقراطية الناشئة قريبة من مصاف الدول الديمقراطيّة العريقة حيثُ تفصل الإرادة الشعبيّة عبر الانتخاب وصناديق الاقتراع في صراع القوى السياسيّة والأحزاب على السلطة.

توفيق المديني

كاتب وباحث تونسي وخبير دولي في الشؤون المغاربيّة

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer