نفائس متوسطية في معرض « الأماكن المقدسة المشتركة » بمتحف باردو

نفائس متوسطية في معرض « الأماكن المقدسة المشتركة » بمتحف باردو

0
PARTAGER

هل يمكن لعديد الديانات التشارك في مكان مقدّس؟ » سؤال قد يتبادر إلى ذهن كل زائر هذه الأيام لمتحف باردو الذي يحتضن بداية من اليوم السبت 19 نوفمبر وإلى غاية 12 فيفري 2017 معرض « الأماكن المقدسة المشتركة ». قد يبدو هذا الأمر للوهلة الأولى مستحيلا غير أن ارتياد الأماكن المقدسة نفسها من قبل معتنقي ديانات مختلفة ظاهرة شائعة في العالم المتوسطي. ولا يتردد بعض المؤمنين مسلمين كانوا، أو يهودا أو مسيحيين، في ارتياد مكان مقدس لديانة أخرى بغية استكشافه أو الدعاء لتحقيق أمانيه. هذا ما تجسمه عديد اللوحات التي تضمنها معرض « الأماكن المقدسة المشتركة » لتنقل للزائر ظاهرة قد لا ننتبه لها (لتعودنا عليها) لكنها متفردة وملفتة للانتباه وغالبا ما تكشف أجواء جمعت سكان المنطقة المتوسطية على اختلاف عقائدهم ودياناتهم. وتبرز المجموعات التونسية المعروضة، التي يناهز عددها 130 قطعة، ديمومة هذه العادات اعتمادا على التحف والصور والأفلام الوثائقية، بحسب ما صرح به، المشرف العلمي لمعرض « الأماكن المقدسة المشتركة »، نجيب بالأزرق لوكالة تونس افريقيا للأنباء. وذكر بالأزرق أن مسلك الزيارة في هذا المعرض، صمّم كـ « حجّ » عبر البحر المتوسط ويتوزع على فضاءين هما القصر الصغير الذي يمثل مقدمة عامّة وقاعة سوسة التي تقدّم حالات خاصّة من الاشتراك البينى الديني. وتخفي العقائد ومظاهر التديّن المشتركة بين المسلمين والمسحيين واليهود، في المنطقة المتوسطية، رغبات واحدة ومنها الشفاء والزواج والإنجاب والحماية والازدهار وغيرها، ولا يقتصر هذا القاسم المشترك على الأماكن والأشخاص فقط بل يتعدّى كذلك الأدعية والعادات ولا يستنكف أتباع الديانات الثلاث، عند إحساسهم بالنجاعة، من خرق حدود الدّين بغية الانتفاع بكرامات ولي صالح أو المكان الذي يوجد. ويشترك المسلمون والمسيحيون واليهود في معتقدات واحدة تتمثل في عدد من الأشياء- تمائم، معوذات ، أدعية، بخور، شموع- تحييها رموز تخرق أحيانا التصوّر التوحيدي. كما تشكل الرموز التي حافظ عليها سكان المتوسط، رغم التحوّلات السياسيّة والثقافيّة عبر العصور، تعابير مادية مشتركة تم تجسيمها في أشكال متعددة مثل اليد (الخمسة) والنجم والهلال والسمكة واليمامة والقرن والزواحف، ونصوصا تعويذية يعتقد أنها تبعد السوء وتجلب الحظ. ويزخر معرض « الأماكن المقدسة المشتركة » بعدد من هذه التعابير فهذه تميمة في شكل عقد من الفضة تم جلبها من مركز الفنون والتقاليد الشعبية بتونس وتلك تميمة أخرى متألفة من قرون وخيوط وحبوب جلبت من متحف دار بن عبد الله بتونس. وتتقاسم الديانات الموحدة الثلاث عددا هاما من الروايات والمعتقدات والأولياء الصالحين. ويتجسّم هذا الالتقاء في ارتياد نفس المزارات من قبل أتباع الديانات المختلفة. ومن بين الشواهد التي تجسد في المعرض شعائر وعادات البحر الأبيض المتوسط وخاصة نقاط الالتقاء والتواصل بين الديانات السماوية الثلاث، يبرز للعيان صورة ليهودية ومسلمة حافيتي القدمين، تقفان جنبا إلى جنب بمعبد الغريبة، (جزيرة جربة، الجنوب الشرقي لتونس) كل منهما تبتهل على طريقتها، وهي لوحة تم جلبها من متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية بمرسيليا. كما يرمز تمثال مريم العذراء الذي تم جلبه من كنيسة نوتردام بمرسيليا إلى باردو، إحدى النقاط التي يتفق فيها المسلمون والمسيحيون نظرا للمكانة الهامة التي تحظى بها مريم العذراء إذ يقدمها القرآن كقدوة في الثقة في الله ويذكر عديد العناصر الموجودة في الرواية المسيحية : مولد مريم، تقديمها للمعبد، البشارة، حملها دون دنس وميلاد المسيح. استقرت مظاهر تقديس مريم في عادات المسلمين الذين كثيرا ما يقصدونها بارتياد أماكن التعبّد المسيحية. هذه المجموعات التاريخية والإتنوغرافية المتعلقة بطقوس وشعائر الديانات السماوية الثلاث، تم عرضها لأول مرة في متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في مرسيليا من أفريل إلى أوت 2015 واستقطب 120 الف زائر. ويعد عرض بعض هذه المجموعات في صيغته الجديدة وليد تعاون بين المعهد الوطني للتراث ومتحف حضارات أوروبا والمتوسط وأنجز بدعم فاعل من الجمعية الدولية « أصدقاء باردو » التي أطلقت لمساندة متحف باردو على إثر الهجمة الإرهابية التي تعرض لها المتحف يوم 18 مارس 2015. كما ساهم كل من المعهد الفرنسي والمعهد الثقافي الإيطالي بتونس في تنظيم هذه التظاهرة. وشاركت في تنظيم المعرض كذلك المتاحف التونسية وخاصة متحف باردو وقرطاج وتونس ( مركز الفنون والتقاليد الشعبية ودار بن عبد الله) ونابل وسبيطة ورقادة وجربة وصفاقس وكذلك « بيعة الكاف » ومتحف فن وتاريخ اليهودية بباريس، وأبرشية أقريجانت بلمبادوزا في ايطاليا، وكل من الفنانين عبد الله عكار، بنجي بويادجان والمصورين صالح جابر وجاك بيريز، حسب ما أفاد به (وات) المشرف العلمي للتظاهرة. وقام بالتنسيق كل من فاطمة نايت ايغيل، مكلفة بالبحوث بالمعهد الوطني للتراث وميكائيل محمد، مكلف بالعلاقات الدولية بمتحف حضارات أوروبا والمتوسط في حين اهتمت أماني بن حسين خضراوي، من المعهد الوطني للتراث بالجانب السينوغرافي. جدير بالذكر أن معرض « الأماكن المقدسة المشتركة » الذي افتتحه صباح يوم الجمعة، رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي بحضور وزير الشؤون الثقافية، محمد زين العابدين وأعضاء مجلس نواب الشعب والحكومة وعدد من السفراء المعتمدين بتونس ورؤساء البعثات الديبلوماسية إضافة الى ثلة من المبدعين والمثقفين ومجموعة من عائلات ضحايا العمليات الإرهابية من تونس وفرنسا، مثل مناسبة تم خلالها إطلاق « إعلان تونس ضد الإرهاب ومن أجل التسامح والتضامن بين الشعوب والثقافات والأديان ». وكالة تونس إفريقيا للأنباء

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire