الفرنكوفونية

هل الفرنكوفونية عقيدة؟

يتساءل كثيرون لماذا لا تعامل الفرنكوفونية كما تعامل الانقلوفونية؟ ففي الوقت الذي تعتبر فيه اللغة الانقليزية لغة عالمية يتسابق الناس لاكتسابها وفي ذهنهم الفصل بينها وبين النزعة الاستعمارية للدول الناطقة بها وخصوصا بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، لا تنفك الفرنكوفونية تثير حفيظة شرائح عديدة من دعاة الفكر القومي والإسلامي.
سياسيون ونخب تونسية، استعادوا بعد أحداث 14 جانفي 2011 الترويج للعداء للفرنكوفونية رغم أن هذه المشاعر السلبية تلاشت مع مرور الزمن، وبدأوا يطلقون من جديد الفرنكوفونية كتهمة تلصق بالزعيم بورقيبة وأعضاده من بناة الدولة الحديثة. وعلى امتداد السنوات الأخيرة، كثيرا ما ربطوا هذه التهمة بتهم غيرها من قبيل العداء للإسلام والماسونية.
ربما يجد المرء تفسيرا لهذا الفارق في اختلاف تعامل الانقلوسكسونيين والفرنسيين مع الشعوب الأخرى وخصوصا مع مستعمراتهم القديمة. الفرنسيون تفرّدوا بالإصرار على فرض لغتهم على الشعوب التي هيمنوا عليها وترسيخها مكان اللغة الأم لهذه الشعوب بدعوى علوية اللغة الفرنسية، وهم بذلك يكرّسون إيمانهم بالرسالة الحضارية التي ينهض بها استعمارهم للشعوب المولّى عليها. لكن هذا الاعتبار العام، الذي يبدو كما لو أنه أداة لتدمير هوية الشعوب العربية المستهدفة من هذا التوجّه، لم يفتأ يتلاشى منذ ستينات القرن العشرين ولم يعد له متحمّسون حتّى داخل فرنسا ذاتها.
فهل العداء للفرنكوفونية الذي نشهده الآن هو رجع صدى لهذه الحقبة الغابرة، أم أن عوامل أخرى مازالت فاعلة وتساهم في تأجيجه؟
العداء للفرنكوفونية، علاوة على جوانبه الحضارية المرتبطة بعلاقة اللغة بالهوية، تغذّى من أحداث سياسية ابتداء من الخمسينات. انحازت فرنسا لإسرائيل أثناء العدوان الثلاثي على مصرفي 1956 بعد تأميم قناة السويس، بالتزامن مع محاولات سحق الثورة الجزائرية وخصوصا أثناء معركة الجزائر العاصمة بين جانفي واكتوبر 1957 وما رافقها من فظاعات وقمع وحشي. هذه الظرفية أبرزت فرنسا كما لو أنها العدو الأول للطموحات القومية الجامحة التي جسّدها جمال عبد الناصر والثورة الجزائرية، مخلّفة بريطانيا صاحبة وعد بلفور والانتداب على فلسطين والراعية لقيام دولة إسرائيل في مقام ثانوي من العداء.
العداء للفرنكوفونية ارتبط أيضا بتصوّر الفكر القومي للوحدة العربية التي كان يراها ناجزة ويعتبر الشعوب العربية مهيّأة لها. وأمام تراجع الاستعمار المباشر في المنطقة، كان المفكرون القوميون يرون أن أسباب تعطيل المشروع الوحدوي قد زالت، ومن ثمّ، فإن أي تأخّر في الانخراط فيه هو من قبيل الخيانة له. ومن هذه الزاوية كان ينظر بعين الريبة إلى النزعات الوطنية التي كرّستها سياسات قادة الدول المغاربية ومواقف نخبها لدى كل دولة على حدة وحتّى إلى الدعوات إلى الوحدة الأشمل للمغرب العربي التي كانت ترفعها النخب المغاربية ذات التكوين الأكاديمي واللسان الفرنسيين في الغالب.
محورية اللغة الفرنسية في الدفاع عن المشروع الحضاري الفرنسي تلاشت، وكذلك سعي القوة الاستعمارية إلى الدفاع عن مصالحها التاريخية في البلدان المستعمرة. وهذا التغيّر أدّى إلى أن يكتسب المشروع الفرنكوفوني مضمونا جديدا، ويتوسّع المنخرطون فيه إلى بلدان جديدة (54 دولة عضو و7 دول مشاركة و27 دولة ملاحظة)، ويتّجه العمل المشترك بين أعضائه إلى المجالات التنموية والثقافية والإنسانية الشاملة.
أين نحن إذن من المشروع الأصلي الذي انطلق من مسلّمات تجاوزها الزمن ولفّه كثير من سوء الفهم مما جعل عديد الإيديولوجيين يتعاملون معه كعقيدة وافدة هدفها اختراق الهوية القومية والخصوصية الحضارية للعرب؟ المشروع تغيّر إذن، ولا بد للنخب التي تنظر إليه بعين الريبة أن تعدّل ساعاتها.
أبوالسعود الحميدي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer