هل هو التصادم بين أميركا وروسيا على خلفية الأزمة السورية ؟

هل هو التصادم بين أميركا وروسيا على خلفية الأزمة السورية ؟

0
PARTAGER

صالح الحامدي
كاتب دولة و سفير سابق

لقد تناولت بالتحليل الوضع الجيوسياسي في سوريا ما بعد حلب في بداية شهر جانفي الماضي ضمن مقال ما يزال منشورا على أعمدة الصحيفة الإلكترونية  » ليدرز عربية « ، وقبل كتابة هاته الأسطر حول آخر المستجدات في سوريا رجعت إلى التحليل فوجدته في المجمل يحاكي تطور الأوضاع في إقليم العراق والشام بما آلت إليه اليوم وما قد تنتهي إليه في قادم الأيام بحكم عدم تفعيل ما تم الترويج له من آفاق لحل سياسي للأزمة السورية بعد طرد داعش من حلب ومن جراء عدم التناسق في مواقف وأجندات الأطراف الراعية للمبادرة وعدم إجماع الأطراف السورية حول عناصرها.
اعتبرت روسيا أن « تحرير » حلب يعد انتصارا جيوسياسيا لها في سوريا على حساب التحالف الغربي وحلفاءه في المنطقة وفاجأت العالم بتكوين تحالف إقليمي مع تركيا وإيران بسرعة ملفتة لتستغل الفراغ الناجم عن غياب الأطراف الغربية وخاصة أميركا بحكم الفترة الانتقالية للسلطة فيها بعد الانتخابات الرئاسية التي آلت إلى فوز مرشح الجمهوريين دونالد ترامب, وعملت روسيا على بلورة مبادرة سياسية لحل الأزمة في سوريا كانت مركزة على وقف إطلاق النار بصورة شاملة وأسست لمسار تفاوضي في أستانة في ارتباط مع مسار جنيف الذي يتناول القضية بأبعادها الأمنية والسياسية، ولكن يبدو أن النوايا لم تكن صادقة لا من الأطراف الراعية ولا من الأطراف السورية وراح كل طرف يعمل حسب مصالحه الضيقة على كسب أوراق جديدة على الأرض لاستعمالها في المفاوضات وبدا ذلك جليا في تعامل النظام الذي واصل حربه ضد المعارضة بتنسيق مع إيران وحليفها حزب الله ولم تفلح روسيا في كبح جماح حليفها رأس النظام السوري بينما كانت تركيا تحاول تأطير المعارضة السورية وعينها على المناطق الشرقية لمنع الأكراد من إقامة كيان كردي مستقل بمساعدة أميركا.

مستجدات خطيرة على الساحة السورية:
آلت الأوضع في سوريا خلال الأشهر الأخيرة بعد تحرير حلب إلى هشاشة المسار السلمي المعلن عنه من طرف الإئتلاف الثلاثي الروسي التركي الإيراني أمام واقع الأحداث بسبب توخي الأطراف الرئيسية وخاصة النظام السوري لتكتيك ربح الوقت من أجل كسب المزيد من أوراق الضغط أثناء المفاوضات عوض استغلال الفرصة للعمل بجدية في اتجاه حل الأزمة، وتعثر مسار أستانة ومعه مسار جنيف في تحقيق أي تقدم على طريق التفاهمات الأمنية ومن ضمنها تثبيت وقف إطلاق النار فضلا عن التوافقات السياسية وتواصلت العمليات العسكرية في العديد من المناطق السورية في مناخ من الضبابية خاصة في المناطق الشرقية، وفي الأثناء جاءت عملية  » القصف الكيماوي  » على خان شيخون التي آلت إلى مجزرة حقيقية أودت بحياة عشرات من المدنيين وخلفت عشرات من الجرحى من جراء الغازات السامة المتسربة من الانفجارات وهو عمل إجرامي يرقى إلى جرائم الحرب, ومع استنكار العملية على نطاق دولي واسع سرعان ما وجهت أصابع الاتهام للنظام السوري الذي اتهم مرات سابقة بعمليات مشابهة، وتم تحريك آلية مجلس الأمن من طرف الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بإعداد مشروع قرار يدين الحكومة السورية سرعان ما تصدت له روسيا التي قدمت رواية للعملية تشكك في مسؤولية النظام السوري وتؤكد على أن العملية استهدفت مستودعا لذخيرة سلاح كيماوي تابع للمعارضة السورية أو لأطراف إرهابية، وأمام تلويح روسيا باللجوء للفيتو لم يعرض مشروع القرار على التصويت، وفي غياب أي تحقيق دولي وبدون أي تفويض من مجلس الأمن بنت الإدارة الأميركية على يقينها في تورط الطيران السوري في القصف الكيماوي انطلاقا من قاعدة الشعيرات الجوية فأعلمت كبار شركائها الغربيين ( فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ) وأشعرت روسيا ثم نفذت ضربة جوية صاروخية انطلاقا من بواخرها بالبحر المتوسط أصابت قاعدة الشعيرات بأكثر من خمسين صاروخا توماهوك ألحقت أضرارا بالبنية التحتية وبعدد من الطائرات وبالمعدات والذخائر، وبينما تلافت الضربة موقع تواجد القوات الروسية بالقاعدة يبدو أن الأضرار لم تكن بالحجم المتوقع بالقياس مع خطورة السلاح المستعمل وحجم الضربة كما جاء في بعض التقارير الإخبارية التي أشرت إلى إمكانية إعلام موسكو حليفتها دمشق فأجلت الجنود والطائرات من مواقعها لتلافي الضربة، ولكن لم تعمد سوريا ( ولا روسيا ) إلى محاولة اعتراض الصواريخ الأمريكية ربما لعدم التكافؤ في نوعية الأسلحة وتلافيا لتعقيد الأوضاع خاصة وأن الإدارة الأميركية بإشعارها لموسكو ويقينها بأنها ستعلم دمشق ربما لم تكن تسعى بدورها إلى التعقيد بقدر ما تريد تأمين موقع لها في التعاطي الدولي مع الأزمة السورية، ولكنها تعمدت المبالغة في اختيار نوعية السلاح وفي حجم العملية وتوقيتها في استعراض لقوة الردع التي تمتلكها والتي لا تتردد في استعمالها عند الحاجة,بينما كانت غاية ما فعلته موسكو بعد إدانتها للضربة واعتبارها مخالفة للقانون الدولي إعلانها عن تعليق اتفاقية السلامة الجوية مع واشنطن في سوريا في تلويح إلى خطورة حصول أي اشتباك في الجو بين طائراتها والطائرات الأميركية في صورة قيامها بعمليات قصف فوق سوريا.
وبينما بادرت المعارضة السورية بالترحيب بالضربة الأميركية ودعت واشنطن إلى  » تقويض قدرات الأسد في شن الغارات « ، أكد رئيس وزراء الكيان الصهيوني شامتا  » دعم إسرائيل الكامل  » للضربة معتبرا أنها  » رسالة قوية  » للنظام السوري يجب أن تعيها إيران وكوريا الشمالية على حد قوله، واتخذت تركيا الشريكة في التحالف الثلاثي من أجل الحل السلمي للأزمة السورية موقفا مؤيدا للإدارة الأميركية واتخذت العربية السعودية ودول أخرى بالمنطقة نفس الموقف، والكل يرى أن الضربة تعطي للنظام السوري رسالة بأنه  » لا يمكن أن يفلت من العقاب  » ولابد من ردعه ليذعن للحل الذي قد يفرضه المجتمع الدولي بعد تعنته في عدم التفاهم مع المعارضة لوضع حد للأزمة.

الأبعاد الجيوسياسية لتدخل العملاقين:
من المعلوم أن تدخل روسيا في سوريا جاء لأسباب جيوسياسية مستغلة التردد والضبابية التي ميزت التدخل الأميركي بالمنطقة في عهد أوباما وبطلب من النظام السوري ليساعده على الحرب ضد تنظيم داعش وضد الجماعات الإرهابية الأخرى وفصائل المعارضة السورية المسلحة فانتهز الدب الروسي الذي استفاق من عزلته الطويلة بعد انتهاء الحرب الباردة الفرصة ليعود للمياه الدافئة في الشرق الأوسط، وكان له ذلك وأصبح يظهر بمظهر اللاعب الكبير على الساحة السورية والشرق أوسطية بصورة عامة بامتداده حتى ليبيا وشمال إفريقيا مع الحرص على تأمين مصالحه الجيوسياسية ولكن دون الانغماس في حل الإشكالات المعقدة للمنطقة التي يتدخل فيها سوى أنه لا يبخل في استعمال حق النقض في مجلس الأمن لفائدة حليفه كما يجري اليوم في علاقة بالملف السوري، وهو ما سارت عليه موسكو هته المرة مسرعة في نفي تورط النظام السوري في عملية القصف الكيماوي وعمدت لاستعمال الفيتو ضد مشروع القرار الأميركي البريطاني الفرنسي الذي يدين النظام السوري ويذهب إلى حد إخضاعه إلى تحقيقات مهينة قد تمس من سيادة الدولة.
وفي المقابل كانت الولايات المتحدة دائما ميالة إلى لعب دور  » البوليس الدولي  » وتجلى ذلك خاصة بعد نهاية الحرب الباردة لصالحها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي من خلال تدخلها العسكري المباشر في العراق في عهد حكم بوش الأب وبوش الإبن وهو الدور الذي واصله أوباما بصورة « ناعمة » وانتهى إلى التردد والضبابية في العراق وسوريا وحتى إلى « الانسحاب » بعد التدخل الروسي, ما حدا بالرئيس الأميركي الجديد بالعودة بقوة على الساحة من خلال عملية القصف الأخيرة في مظهر استعراضي للقوة العسكرية الأميركية تجسيدا لما لوح به في حملته الانتخابية في شعار « أميركا أولا »، وهكذا أعطت حادثة  » القصف الكيماوي  » على خان شيخون بصرف النظر عن الطرف الذي كان وراءها الفرصة للرئيس ترامب لإعلان تخليه عما نسب إليه من « انعزالية » وإعادة بلاده بقوة على الساحة السورية وإلى منطقة الشرق الأوسط من خلال الضربة الجوية على قاعدة الشعيرات بدون استئذان ولا حساب ولا عقاب إذ جاء تصرف الرئيس ترامب دون تفويض من مجلس الأمن وجاء قراره مباغتا و »انفعاليا » ومطابقا لمزاجه « المتقلب » كما ظهر أثناء حملته الانتخابية وخلال الفترة الأولى من ولايته في الأشهر القليلة الماضية، ومما جنته الإدارة الأميركية الجديدة في العملية هو التفاف شركاء التحالف الغربي حولها بعد الفتور الذي ظهر مؤخرا في علاقة بعدم وضوح مواقف الرئيس ترامب، وحتى الأطراف الإقليمية المناوئة لنظام الأسد وبعد ما أبدته من استعداد للتعاطي بإيجابية مع مبادرة روسيا لحل الأزمة السورية تحركت بسرعة لتأييد الضربة الأميركية وخاصة منها تركيا شريكة روسيا في مبادرتها ومصر والعربية السعودية ودول الخليج الأخرى في حين تخلت الصين نسبيا عن شريكتها روسيا بالإمساك عن التصويت في حركة دبلوماسية لإنجاح زيارة رئيسها إلى الولايات المتحدة.

تبعات الضربة الأميركية :
جاءت الضربة الأميركية لقاعدة الشعيرات ثلاثة أيام تقريبا بعد إعلان إدارة ترامب أن أولويتها في سوريا هي الحرب ضد داعش وليست وضع الرئيس الأسد في ما اعتبر بمثابة « تفاهم سري » مع روسيا على الحل

السلمي وهو ما طرح التساؤل حول اعتبار عملية القصف الكيماوي محاولة لإجهاض العملية السلمية إما من داخل النظام السوري أو من أطراف إرهابية أو معارضة أو من أطراف خارجية لا مصلحة لها في الحل السلمي في إشارة إلى إيران, وجاءت الضربة يومان تقريبا بعد عملية القصف الكيماوي فطرح السؤال حول ما إذا كان معدا لها مسبقا وربما في عهد الرئيس أوباما خاصة وقد اعتمد فيها التسرع بدون المرور عبر مجلس الأمن وبدون تحقيق دولي للتثبت من طبيعة الهجمة ومصدرها في خطوة خطيرة أراد من خلالها ترامب إعادة بلاده بقوة إلى موقعها « الطبيعي » على الساحة السورية ومن ورائها منطقة الشرق الأوسط إما بالتعاون مع روسيا أو بالصراع معها، وهو ما اعتبر من قبيل عمل « البوليس الدولي غير المفوض » الذي قد يتطور إلى حرب إقليمية لأن المنطقة تبدو على « حافة بركان » والسوريون والعرب هم من سيتحمل التبعات.

وهكذا يطفو نزاع المصالح بين روسيا وأميركا على الساحة من جديد وتبقى الأزمة السورية مرشحة إلى مزيد من التعقيد في ظل تكريس الخلافات بين موسكو وواشنطن على إثر الزيارة « الفاشلة » التي أداها وزيرالخارجية الأميركي تيلرسون إلى روسيا والتقى فيها الرئيس بوتين وزميله لافروف في مناخ طغت علية التصريحات المتشنجة من الجانبين ومن ضمنها ما نسب لبوتين قوله إن الرئيس ترامب » خرق القانون  » بالهجوم الصاروخي على قاعدة الشعيرات وإن مستوى الثقة في الولايات المتحدة  » بات أكثر سوءا  » منذ تولي ترامب الرئاسة، وجاء رد الرئيس الأميركي مؤكدا على أن تعامل روسيا مع الهجوم الكيماوي كان  » مخيبا للآمال  » وأن العلاقات مع موسكو قد تكون في « أدنى مستوياتها على الإطلاق » بعد رفضها التخلي عن دعم الرئيس الأسد في أعقاب الهجوم الكيماوي « الواضح » على خان شيخون، وجاء تصريح تيلرسون قبيل زيارته لموسكو بعد مشاركته في اجتماع مجموعة السبعة بإيطاليا في نبرة من المزايدة بتحذيره لروسيا من أن تخاطر بدورها في الشرق الأوسط بسبب استمرار دعمها للأسد فيصبح  » عديم المغزى « ، وتكرس الخلاف حول الملف السوري باستعمال الفيتو الروسي للمرة الثامنة لحماية النظام من قرارات مجلس الأمن ما يؤشر بصورة واضحة على فشل المحادثات بين الجانبين أثناء زيارة تيلرسون لموسكو على الرغم مما أعلن عنه من « اتفاقهما » على استمرار التواصل حول الأزمة السورية وعلى مواصلة العمليات العسكرية ضد داعش.

وفي الأثناء تتواصل « حرب » التصريحات بين الأطراف المعنية وبينما أعلن الرئيس السوري قبوله « بتحقيق دولي غير منحاز » للتثبت من طبيعة القصف الكيماوي ومصدره مؤكدا أن « العملية مفبركة » لتكون « ذريعة وغطاء » للضربة الصاروخية في رد على تأكيد الإدارة الأميركية على تورط النظام في عملية القصف, وفي حين استأنف الطيران الأميركي قصفه ضد مخازن للسلاح الكيماوي تابعة لداعش دعت موسكو لاجتماع ثلاثي بين وزراء خارجية روسيا وسوريا وإيران للتباحث والتنسيق حول التعاطي مع تطورات الأوضاع في سوريا بعد الأحداث الأخيرة وعلى ضوء ما جرى من نقاشات خلال زيارة تيلرسون لموسكو , والملفت أن تركيا التي انحازت إلى الموقف الأميركي في تلك الأحداث لم تدعى لهذا الاجتماع وهو ما يطرح التساؤل حول حقيقة موقع أنقرة مما يجري في المنطقة من زاوية علاقاتها مع كل من روسيا والولايات المتحدة خلال الفترة القادمة على خلفية مستجدات الأزمة السورية وسوف لن تكون في وضع مريح في مسار أستانة بلعبها على ورقة المعارضة السورية وعلى تموقعها الهش ضد الفصائل الكردية التي تنازعها بمساندة أميركية بعض المناطق على حدودها شرقي سوريا.

استشراف الأوضاع بالمنطقة :
إذا سلمنا بأن استعمال السلاح الكيماوي لم يكن غائبا خلال السنوات الأخيرة في الحرب السورية بصرف النظر عن مستعمليه فإن الضربة الأميركية وبالطريقة التي نفذت بها أدت إلى تصعيد التوتر بين العملاقين

وذكرت بأجواء الحرب الباردة وقدمت الإضافة إلى الملفات القديمة مع الهيمنة عليها في العلاقات بين الدولتين, وبجعل سقف الطلبات الأميركية عاليا خاصة فيما يتعلق بضرورة تخلي موسكو عن دعمها للرئيس الأسد وعن تحالفها مع إيران فشلت زيارة تيلرسون في تهدئة المناخ وفي وضع أساس « لتطبيع » العلاقات بين البلدين من أجل مواجهة الإرهاب والرعاية المشتركة للحل السياسي للأزمة السورية، ولم توفق الإدارة الأميركية الجديدة في توخي دبلوماسية « ذكية » تجاه روسيا من أجل التفاهم على حد أدنى من التعاون يؤمن الحل السلمي على أن تعمل موسكو على إقناع حليفها النظام السوري بضرورة الإذعان لمسار السلام ولكنها خيرت سيناريو القوة وربما لم تقدر حقيقة العلاقات الروسية السورية ومفادها أن الرئيس الأسد « حليف عسكري استراتيجي » لروسيا في الشرق الأوسط ومن المستبعد أن تتخلى عن دعمها له مهما كانت الإكراهات وفي غياب أي تنازلات أو وعود في علاقة بالعقوبات المفروضة عليها والملفات الخلافية الأخرى المفتوحة بين البلدين خاصة فيما يتعلق « بالضغوط الأطلسية » على الحدود الروسية، ويبدو بالنهاية أن تخلي بوتين عن الأسد وعن إيران غير وارد في كل الأحوال ولو في صورة الوعد بتوقف الغرب عن تمدده العسكري باتجاه الحدود مع البلقان لأن روسيا تعتبر ذلك بمثابة التهديد أو العدوان ولأن ثقة الكرملين بالغرب « منعدمة تماما ».
وفي صورة ما لم تأت الأيام القادمة بالجديد الإيجابي في الخلاف بين البلدين حول الملف السوري في إطار مسار أستانة ومسار جنيف فإن الأوضاع ستستمر متوترة وسيواصل الطرفان « المبارزة » على الساحة السورية تحت غطاء محاربة الإرهاب وستكون الضربات موجعة للسوريين بما ستخلفه من دمار وتقتيل وتشريد وتقسيم, وربما تتمدد « المبارزة » إلى مناطق أخرى وبالذات إلى ليبيا المرشحة إلى نفس السيناريو الدائر في سوريا، ولكن الأوضاع على خطورتها قد لا تذهب إلى حد التصادم المباشر بحكم نظرية  » توازن الرعب  » في العلاقات العسكرية بين البلدين التي يقتصر معها الصراع على الحرب الباردة واعتماد الحرب الساخنة « بالوكالة » عند الاقتضاء وبعيدا عن أراضيهما.

وفي سياق الجدل الصحفي القائم على خلفية قرار الرئيس ترامب بقصف القاعدة الجوية السورية طالعنا المحلل الصحفي الإسرائيلي بجريدة هاريتز ( 9 أفريل ) جيدون لفي، مازحا أو ساخرا أو شامتا، بتغريدة مفادها أن صواريخ أميركا تم إطلاقها  » بتنسيق مع روسيا ومن خلالها مع سوريا  » وأن الضربة جاءت لإسعاف ترامب في تعثراته على المستوى الداخلي مضيفا أن  » في إمكان ترامب أن يجبر إسرائيل على السلام مع الفلسطينيين بتوجيه توماهوك دبلوماسي على القدس  » ( بدون تعليق ) ومذكرا بأن المرة الوحيدة التي تولت فيها أميركا  » تقليع دولة مارقة من جذورها » كانت دولة الأبارتايد في إفريقيا الجنوبية، ولا ندري ما سيجني الصحفي ( الموهوب ) من خيبة أمل النظام الصهيوني من تغريدته باتهامه ضمنيا بالأبارتايد وما سيعلق على خيبة أمل نظامه من عدم توفق ترامب في إقناع أو إجبار بوتين والأسد بالتخلي عن دور إيران (وحزب الله) في سوريا وبالتالي في العراق أيضا وإبعادها من حوالي إسرائيل.

في المحصلة، يبدو أن « حوار » العملاقين لم يمكن أي طرف من النجاح في ترويض الآخر وبقي التوتر سيد الموقف في علاقات الدولتين، وفيما بدا الدب الروسي متمسكا بقناعاته في دعم النظام السوري وفي تحالفه مع إيران بحيز من التشدد احتسابا لملفات أخرى خطيرة مفتوحة أو قادمة على مسار العلاقات بين البلدين فإن العملاق الأميركي بإدارة ترامب جنح إلى القوة العسكرية لمحاولة التأثير على منافسه وبدا كأنه لا يقدر قوته العسكرية حق قدرها, وواصلت الإدارة الأميركية استعراض قوتها العسكرية بالمنطقة من خلال استعمال أسلحتها المدمرة وهذه المرة عبر اختبار « أم القنابل » أكبر قنبلة غير نووية في قصف لمخابئ جبلية منسوبة لداعش في أفغانستان. هذا وإذ يعطى الطرفان الانطباع بأن التصادم الساخن بينهما في سوريا ليس واردا وقد يواصلا ضرباتهما الجوية ضد داعش والجماعات الإرهابية الأخرى كل من جانبهوينقلا خلافاتهما إلى طاولة التفاوض في أستانة وفي جنيف لوقت قد يطول فيبدو أن الدولتين سيستأنفان جولات « السباق نحو التسلح » بما يذكر بحقبة الحرب الباردة كما يؤشر على ذلك رد روسيا على استعمال « أم القنابل » معلنة امتلاكها لقنبلة أقوى منها « أربع مرات » بمسمى « أب كل القنابل », مؤشرات قد لا تنبئ بالسلام في ظرف كان من المفروض أن يكون العملاقان دعاة سلام في سوريا وفي كل مناطق التوتر الأخرى,ولكن الأخطر والأسوأ قد يحصل في جنوب شرق آسيا وبالذات في شبه الجزيرة الكورية التي أرسلت إليها الإدارة الأميركية « مجموعة بحرية هجومية » وسط مناخ من التهديدات المتبادلة مع كوريا الشمالية بما قد يدفع الطرفان إلى المغامرة بجر المنطقة إلى حرب إقليمية مدمرة تسبب حرجا كبيرا لكل من روسيا والصين القريبين من كوريا الشمالية جيوسياسيا بما لا يساعد على تليين العلاقة مع أميركا, غير أن آخر الأنباء إلى حد كتابة هته الأسطر تشير إلى « عدول » واشنطن عن المبادرة بضربة استباقية ضد بيونغ يونغ في انتظار ما ستسفر عنه محاولة الصين باستعمال « نفوذها » لكبح جماح جارتها وإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي, مهمة صعبة ومعقدة مع جار عنيد ليس من السهل ترويضه وعقلنته وقد لا يتردد في استعمال ترسانته الصاروخية ضد « عدوه » ولو لإحراجه كقوة عظمى ولو أدى ذلك إلى .حصول ما لا يحمد عقباه
ص ح .( 16-4-2017).

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire