Crédit photo : radioculturelle.tn

وداعا الأستاذ الشاذلي القليبي

اهتزت الساحة الإعلامية والثقافية والسياسية والديبلوماسية في تونس والوطن العربي لخبر وفاة الأستاذ الشاذلي القليبي، الأربعاء 13 ماي 2020. فعلاوة على ما خلّف من إنجازات في قطاع الثقافة والأعلام في بلده تونس، على مدى ثلاثة عقود، فقد قاد سفينة العمل العربي المشترك من 1979 تاريخ احتضان تونس لمقر جامعة الدول العربية إلى حين عودتها إلى مقرّها الأصلي بالقاهرة سنة 1990، ثم انصرف إلى التّأمّل والتأليف بعد تقاعده المبكّر في 1990.
وقد شاءت الأقدار أن يكون خريج المدرسة الصادقية (باكالوريا فلسفة سنة 1944) وجامعة السوربون (الاستاذية سنة1947 والتبريز في اللغة العربية وآدابها سنة 1950) حاملا، طوال مسيرته المهنية والسياسية لمشاعل التميّز والتّفرّد.
تولّى مسؤولية الإذاعة الوطنية وهي، بعيد الاستقلال، في حاجة إلى التأهيل والتجديد. وأسّس وزارة الثقافة تاركا بصمته في هيكلتها ومجالات نشاطها، مكرّسا مفهوم الثقافة للجميع الذّي تواءم مع روحه التقدّمية وتناغم مع التوجّه التحديثي الذي طبع المنعرج السياسي الجديد بعد إقرار الخيار الاشتراكي كمنوال للتنمية في تونس. وفي خضم هذا المسار تم إحداث دور الشعب ودور الثقافة في طول البلاد وعرضها وتعميم شبكة المكتبات العمومية والمكتبة المتجوّلة عبر الأرياف. وأحدث مع المرحوم الطاهر شريعة وثلّة من رفاقه « أيام قرطاج السينمائية » في سنة 1966 كمنبر للسينما العربية والافريقية في مواجهة شركات الإنتاج السينمائي العالمية، وهو الصّرح الثقافي والفني الذي لم تخب أضواؤه إلى اليوم.
وبانتقال جامعة الدول العربية إلى تونس غداة اتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل في 17 سبتمبر 1978 وما تلاها من معاهدة سلام بين الجانبين في 26 مارس 1979، قرر العرب مقاطعة مصر ونقل مقر الجامعة إلى تونس. وبما أن الأعراف تقتضي أن يكون الأمين العام من دولة المقر، فلم يكن أولى من الشاذلي القليبي بهذا المنصب المرموق. فهو العروبي الملتزم بقضايا أمته وبالقضية الفلسطينية. وهو المتاّصّل في بيئته الإسلامية. وهو الحداثي المنفتح على اللغات والحضارات الأخرى وهو التقدّمي الذي تشهد إنجازاته بانغراسه في تربة بلده تونس وانشغاله بقضايا الفكر المستنير في العالم.
وبمجرّد تولّيه مسؤولية الأمانة العامة للجامعة في 28 جوان 1979، سعى إلى إعادة اللحمة إلى الصف العربي بعد شرخ استبعاد مصر، وذلك عبر تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك التي غادر أغلبها القاهرة إلى عديد العواصم العربية. وارتأى أن نشاطها كفيل بإعطاء التضامن العربي مضمونا ملموسا مرتبطا بالتعاون الأفقي بين الشعوب العربية. كما سعى إلى تحييد العمل الاقتصادي والتنموي عن الصراعات والمحاور السياسية على الساحة العربية( مؤتمر القمة العربية بعمان/ الأردن 1980) . وأجرى جولات من التفاوض مع منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها ومع المنظمات الإقليمية ( الاتحاد الإفريقي، منظمة المؤتمر الإسلامي ، الاتحاد الأوروبي) من أجل تفعيل التعاون العربي الإفريقي والحوار العربي الأوروبي خدمة للقضايا العربية وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية. واعتبر أن مكاتب الجامعة العربية بالخارج هي منابر للتعريف بالحق الفلسطيني وبعدالة القضايا العربية.
وسعى إلى دعم نشاط مكتب مقاطعة إسرائيل في دمشق معتبرا أن جهوده تعزّز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة القمع والاستيطان الصهيوني وتردع المتواطئين مع الصلف الإسرائيلي ضد الشرعية الدولية.

وشهدت ولاية الأستاذ الشاذلي القليبي أحداثا إيجابية عديدة منها انطلاق الانتفاضة الفلسطينية المباركة في ديسمبر 1987،والتي سعى بكل جهده إلى مساندتها واحتضان قادتها والتعريف بطابعها السلمي. كما حرص على الاحتفاء بالوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب والتي تم الإعلان عنها يوم 22 ماي 1990 ، ونظّم بالمناسبة احتفالا لرفع العلم الموحّد شارك فيه الديبلوماسيون العرب وموظفو الجامعة العربية والمنظمات التي مقرها تونس. وكان حدثا مؤثّرا للمؤمنين بجدوى العمل العربي المشترك وبالمصير الواحد للشعوب العربية.
وقد تصادفت هذه الأحداث مع بروز حركية توحّد إقليمي انضاف إلى مجلس التعاون الخليجي، ونعني بذلك مجلس التعاون العربي(16 فيفري1989) بين مصر والأردن والعراق واليمن، واتحاد المغرب العربي (17 فيفري 1989) بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. ورغم أن عديدين اعتبروا أن هذه التجمعات الإقليمية هي ضرب لجامعة الدول العربية وللعمل العربي المشترك فإن الأستاذ الشاذلي القليبي المعروف برؤيته الثاقبة وروحه البراقماتية لم يكن على هذا الرّأي، بل كان يعتبرها روافد للعمل العربي المشترك، تستوجب فقط صيغا غير معهودة من التعاطي معها والتنسيق بين مكونات حراكها.
بطبيعة الحال هذه التجمعات منها من لم يصمد في أول زلزال (ويا له من زلزال) شهده الوطن العربي مثل حال مجلس التعاون العربي، ومنها من لم يكتب له الوجود الفعال طويلا ( اتحاد المغرب العربي وإلى حد ما مجلس التعاون الخليجي). وبقيت حقائق العمل العربي مفتوحة على الممكن، ولكنها في حاجة إلى نبوءة الأستاذ الشاذلي القليبي التي لا تخص عقيدة الوحدة أوجدوى العمل المشترك بل التعاطي الإيجابي والمرن مع الطارئ الذي يمكن أن يدوم لعقود أو ينزاح في أيام معدودات.
أبوالسعود الحميدي
من مؤلّفات الأستاذ الشاذلي القليبي:
بالعربية:
. العرب أمام قضية فلسطين
. من قضايا الدين والعصر
. أمة تواجه عصرا جديدا
.تونس وعوامل القلق العربي.
بالفرنسية:
• Orient-Occident : la paix violente, Paris, Sand, 1999, 429 p.
• Habib Bourguiba : radioscopie d’un règne, Tunis, Déméter, 2012, 204 p

« .

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer