Copyrithts de l'image: Foxnews

يدقون طبول الحرب قرب حدودنا، فماذا نحن فاعلون؟

بقلم علي الحشاني، سفير سابق

تعرف القضية الليبية هذه الأيام تطورات خطيرة تنبئ بنشوب حرب طاحنة يكون وسط البلاد وغربه مسرحا لها وتكون أطرافها ليس فقط المتنازعين المحليين الذين يرومون السيطرة على الحكم بل وأيضا قوى أجنبية لكل منها أهدافها الجيوستراتيجية والاقتصادية والتي لا تتلاءم بالضرورة مع أهداف الشعب الليبي الشقيق والشعوب المغاربية الأخرى والتي تربطه بها علاقات القربى والمصير المشترك. ومما يزيد الوضع تعقيدا في هذا المجال عجز المجتمع الدولي ممثلا في منظمة الأمم المتحدة على إيجاد مخرج للأزمة وحتى إقناع الأطراف المعنية مباشرة للجلوس إلى طاولة المفاوضات لاقتسام السلطة بطريقة تحفظ وحدة البلاد وتؤمن نصيب كل طرف من خيراته. كيف لها ذلك والأطراف الخارجية تفسد كل إمكانية لمثل هذا التلاقي بما تقدمه من سلاح وعتاد للجهات التي تساندها في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الدولي وما ترسله لها من مقاتلين أجانب مما يوفر لها الاعتقاد الخاطئ بأنها كاسبة للجولة الأخيرة من الاقتتال لا محالة؟ إلا أن هذه الجهات الداخلية تجهل أو تتجاهل بأن الجولة الأخيرة سوف يحددها الأجانب إما بالاتفاق فيما بينهم لاقتسام النفوذ والمصالح والأراضي في ليبيا أو-وهو الأقرب للظن-بإشعال نار يكون الليبيون والشعوب القريبة حطبها.

فهذه دولة مشرقية-أسيوية تذكرت في السنوات الأخيرة عظمة إمبراطوريتها العثمانية المسلمة وتريد فيما يبدو استرجاع أمجادها الغابرة متناسية أنها سلمت العالم العربي الذي كان ينتمي في معظمه لهذه الإمبراطورية إلى الاستعمار المسيحي دون أي مقاومة بعد أن جزأته واستنزفته وحكمته لعدة قرون دون كبير انتباه لحقوق ومشاعر السكان الأصليين. وهي تريدنا الأن أن نصدق بأنها جاءتنا من جديد عن طريق ليبيا لحماية مصالحنا وعقيدتنا من الأطماع الغربية والحال أن أول عمل قامت به بعد أن استقر لها الأمر-أو هكذا خيل لها-في عاصمة هذا البلد بفضل حكومة تستمد شرعية « دولية » من اتفاق غير مكتمل أن أعطت لنفسها حقوقا لا متناهية في خيرات شرق المتوسط وبدأت التنقيب على هذه الخيرات دون انتظار نهاية الأزمة ودون احتساب لمصالح الدول المحيطة بالمنطقة بما فيها تونس. بل وأصبحت هذه الدولة الحاكمة بأمرها تقرر من الشرعي ومن غير الشرعي من بين المسؤولين الليبيين، من منهم يحق له أن يجلس على طاولة المفاوضات إن كتب لها أن تنعقد ومن لا يحق له أن يجلس، متى يجب التفكير في وقف إطلاق النار وبأية شروط، أين يجب أن يحدد خط وقف إطلاق النار ومن يجب أن يراقبه…وهي كلها شروط لا يحق أبدا لدولة أجنبية أن تضعها. وحتى تقوي من إمكانيات التفاوض لديها تجلب هذه الدولة ألاف المرتزقة وتزودهم بأحدث الأسلحة والطائرات المسيرة وتحشد قواتها البحرية قبالة السواحل الليبية تماما كما تفعل دولة امبريالية بدولة ضعيفة محتلة. بل إنها تجهز نفسها لاحتلال قاعدتين عسكريتين واحدة جوية تبعد بعض الكيلومترات عن حدود ليبيا مع تونس والجزائر والأخرى بحرية تراقب بها كل الحركة في البحر الأبيض المتوسط.

وهذه دولة أوروبية-أسيوية باحثة عن استرجاع مكانتها في العالم وساعية للاستقرار في المياه « الدولية الساخنة » خاصة البحر الأبيض المتوسط وراغبة في الوصول إلى الطرق الأقرب المؤدية لقلب إفريقيا تتوجس شرا من اتساع تأثير الدولة الأولى المذكورة أعلاه في غرب المتوسط وهي التي تنازعها السيطرة على شرقه في سوريا وتهدد بنقل الصراع العقائدي القائم هناك وتعميقه في قلب المغرب العربي والقارة السمراء ومنطقة القوقاز الإسلامية. هي دولة كبرى لها هي أيضا تطلع للتمركز في قواعد عسكرية في وسط وشرق ليبيا لمراقبة الحركة في المنطقة وللمحافظة على مصالحها بالنسبة لمسالك النفط والغاز بالمتوسط. هي أيضا أرسلت بعدد كبير من المرتزقة لمساندة الجانب الذي تقف وراءه مدعومين بعتاد قوي منه الطائرات الأحدث في ترسانتها.

وهذه دول اوربية غربيه بعضها على الشاطئ الشمالي من البحر الأبيض المتوسط وبعضها بعيدا عنه كان لها دور أساسي في إدخال ليبيا في الدوامة التي تعيش فيها اليوم بمساهمتها المباشرة أو تأييدها لاجتياح الأراضي الليبية من طرف قوات الحلف الأطلسي والإطاحة بالنظام الذي كان قائما أنذاك باسم إغاثة المدنيين وها هي ايوم تعيد الكرة وتدعي الاهتمام بالشعب الليبي للتدخل من جديد في الشؤون الليبية ووجدت في ممارسات الدولتين السابقتي الذكر حجة للتلويح هي أيضا باستعمال القوة. هذا في الوقت الذي تلتزم فيه القوة الكبرى الأخرى ما وراء المحيط الأطلسي موقفا متذبذبا ديدنها مصالحها الجيوستراتيجية والمحافظة على موطن قدم في المنطقة ومنع القوى الأخرى من أن يستقر لها الوضع في ليبيا غير أبهة بمصير الشعب الليبي الذي شاركت هي أيضا في تشريده منذ عشر سنوات.

وفي هذا السياق لا يمكن أن ننسى دولا عربية خليجية تريد نقل خلافاتها الإيديولوجية والشخصية للأراضي الليبية وربما إلى مجمل الأراضي المغاربية وهي تقف اليوم على جانبي المعادلة السياسية في ذلك البلد تغذيها بالمال والعتاد غير واعية-أو هل هي واعية؟ – بانها تشارك بهذه الطريقة في تمزيق دولة عربية مسلمة.

والغريب أنه أمام كل هذه التدخلات في الشأن الليبي يوجد من يرى في التدابير الوقائية التي تتخذها كل من الجزائر ومصر الجارتين الأقرب مع تونس للقطر الليبي أمرا مستهجنا. فالجزائر أعطت دستوريا لقواتها المسلحة إمكانية التحرك خارج حدودها لمجابهة أي خطر خارجي داهم في حين أن البرلمان المصري خول للجهاز التنفيذي إمكانية الاستجابة لطلب قد يرد عليه من السلطات « الشرعية » الليبية للمساعدة في صد أي اعتداء من مرتزقة متطرفين مرتبطين بالخراج-وهم كثر كما رأينا-قد يشكلون تهديدا للأمنين الليبي والمصري. وهذه خطوات وقائية لا يمكن أن ينظر إليها إلا أنها ضرورية بالنظر لمستوى التهديد الذي تتعرض له منطقتنا.

والتهديد قد يطال أيضا الجمهورية التونسية التي تعاملت مع القضية الليبية إلى حد اليوم بالطرق السياسية وبمحاولة النأي فيها بنفسها عن التجاذبات الداخلية والخارجية والسعي للتأثير على مجريات الأمور بالطرق الدبلوماسية خاصة بمعية دول الجوار الأخرى ومن خلال مجلس الأمن الدولي الذي لها فيه حاليا مقعد غير دائم. ولكن هل لا زال هذا التمشي يفي بالحاجة والحال أن طبول الحرب أصبحت تقرع بشدة على حدودنا الجنوبية والتعنت في المواقف أصبح سائدا خاصة من الجانب الذي يرى في التغيير النسبي في موازين القوى في المدة الأخيرة مشجعا للمضي قدما لمحاولة فرض الأمر الواقع؟

لا شك أن جيشنا الوطني يتمتع بجاهزية فائقة وبتأطير عالي المستوى. إلا أن القوى المقابلة إن هي أرادت نقل حربها خارج حدودها فلا بد من مواجهتها بجبهة داخلية قوية وبتفاهم كامل مع دول المنطقة الأخرى خاصة منها المغاربية. وبلادنا تقبل على الفترة القادمة وتأثيرات جائحة الكورونا لا زالت قائمة كما أن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الداخلي في حالة متقدمة من الهشاشة مع حكومة مستقيلة ودبلوماسية تبحث عن نفس جديد بعد إقالة وزيرين للخارجية خلال مدة وجيزة وعلاقات مغاربية لا تزال في وضع مضطرب. هذا يجعل من الرجوع في أقرب الأوقات إلى وضع داخلي طبيعي وإلى دبلوماسية أكثر استقرارا ضرورة قصوى. كما يجعل من العودة السريعة إلى التنسيق المغاربي حول الملف الليبي بما في ذلك جوانبه العسكرية والأمنية أمرا شديد الأهمية.

 

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer